عندما تشابهت مأساة السوريين مع قصّة أبطال رواية إيزابيل ألليندي

الخميس 18 نوفمبر 202109:18 ص

أنا من أشدّ المعجبات بكتابات إيزابيل الليندي، إذ إن مجرد رؤية اسمها بين العناوين في معارض الكتاب القليلة التي أذهب إليها، يشدّني لا إرادياً. فعندما أرى كتاباً لها قد قرأته، أعود وأحاول أن أتذكّر تفاصيله، وأنصح الشخص الذي يرافقني، إن وُجد، بأن يقوم بقراءته. أما عند رؤية عنوان جديد لها لم يسبق لي أن قرأته من قبل، فأسارع إلى تفحّصه، وحساب ميزانيتي لكي أشتريه (إذ إن أسعار الكتب لا تشجّع على القراءة في هذه الأيام، ولم أعتد بعد على الكتب الصوتية، أو الإلكترونية).

تسحرني الانسيابية الأدبية في نصوصها، ويسحرني انتقاؤها للكلمات والتعابير والصور البلاغية، وأيضاً ذلك الغوص في تفاصيل الشخصيات، والاستفاضة في شرح طبيعتهم الجسمانية، أو الشخصية، وتجعلني أشعر بأنني جزء منهم، فأشعر بالحزن واعتصار القلب حين يحزنون، وبانفراجه حين يفرحون، وتشدني المواضيع والقصص التي تطرحها في رواياتها التي لا بد أن تتطرق في كثير منها إلى تاريخ تشيلي، وإلى عمها الرئيس الاشتراكي المنتخَب سلفادور ألليندي الذي أُطيحَ به في انقلاب عسكري بقيادة بينوشيه، الذي لا بد من ذكره تقريباً في كل كتاب لها.

لم أتوقف أيضاً عن المقارنة بين تجربتَي اللجوء السورية، وتجربة أبطال الرواية، إذ اضطر كلاهما إلى ترك البلاد، والهرب براً أو بحراً.

في معرض الكتاب في ستوكهولم، السنة الفائتة، وقعت عيناي على كتاب جديد لإيزابيل بعنوان "سفينة نيرودا (بتلة بحر طويلة)"، كنت قد رأيته من قبل في صفحتها على فيسبوك، ونسيت وجوده، فمررت به مرور الكرام. لكن عندما رأيته مرةً ثانيةً رؤيةً مادية، وليست إلكترونيةً، جذبني العنوان من جديد، كونه متعلقاً ببابلو نيرودا الذي أحببت أشعاره، لذا وضعته على قائمة مشترياتي، وعدت به إلى المنزل. بقي الكتاب حبيس الرفّ المعلّق على الحائط مدة سنة تقريباً، من دون أن أتذكّر أنه موجود، ولكن قبل فترة وجيزة تذكّرت أمره، فبدأت بقراءته، على الرغم من وجود ابني الصغير، وواجبات الاعتناء به التي لم تترك لي الكثير من وقت الفراغ المتاح خلال اليوم. استحوذَت هذه الرواية على تفكيري بضعة أيام، إلى أن تمكّنت من الانتهاء منها.

الرواية مبنيّة على قصةٍ حقيقية، وهي قصة سفينة "وينيبيغ" التي انطلقت عام 1939 من فرنسا إلى تشيلي، وهي تحمل ما يزيد عن ألفين من اللاجئين الإسبان الهاربين من الدكتاتور فرانكو وبطشه، بعد انتصاره في الحرب، وهذه السفينة قد جُهّزت بناءً على طلب الشاعر التشيلي المعروف بابلو نيرودا، الذي هو بدوره قام باختيار الأشخاص الذين سيسافرون على متنها. أما الأحداث الأخرى، فهي من نسج خيال إيزابيل الذي لا ينضب. نرى فيها الكثير من الشخصيات، بالإضافة إلى أن الاحداث تمتد لفترة طويلة نسبياً من الزمن، وهي تبدأ من فترة الحرب الإسبانية، وتستمر نحو خمسين عاماً بعدها، نتبع خلالها تطور الشخصيات، وننتظر بفارغ الصبر معرفة مصائرهم وأحوالهم التي اَلوا إليها.

الرواية مبنيّة على قصةٍ حقيقية، وهي قصة سفينة "وينيبيغ" التي انطلقت عام 1939 من فرنسا إلى تشيلي، وهي تحمل ما يزيد عن ألفين من اللاجئين الإسبان الهاربين من الدكتاتور فرانكو وبطشه، بعد انتصاره في الحرب، وهذه السفينة قد جُهّزت بناءً على طلب الشاعر التشيلي المعروف بابلو نيرودا، الذي هو بدوره قام باختيار الأشخاص الذين سيسافرون على متنه

شخصيات الرواية الرئيسية هي فيكتور دالماو، وهو طبيب، علماً أنه لا يحمل الشهادة الجامعية لأنه لم يستطع أن ينهي تعليمه، ولكنه حصل على الخبرة من خلال العمل في المشافي الميدانية التي كانت وقت الحرب، حتى أنه قد أنقذ فتى أُصيب في القتال، فظنّ الجميع وقتها أنه في عداد الموتى لا محالة، قبل تدخل منقذه دالماو. وروزر بروغير، عازفة البيانو صاحبة الموهبة النادرة وحبيبة أخيه وليام الذي أُرديَ قتيلاً في ساحات المعركة، ولم يتسنّى له أن يعود ويتزوّجها. روزر عاشت أكثر من حياة في هذه الرواية، فهناك حياتها عندما كانت فقيرةً معدمة، وحياتها عندما قام أحدهم بتبنّيها، وحياتها في منزل آل دالماو لكي تتتلمذ وتحترف العزف على البيانو على يد مارسيل دالماو، والد فيكتور، وحياتها في زمن الحرب، وحياتها بعد اللجوء إلى فرنسا، ثم تشيلي، ثم فنزويلا (عقب انقلاب بينوشيه على الرئيس المنتخب سلفادور ألليندي عم الكاتبة إيزابيل)، ثم العودة إلى تشيلي لاحقاً، لتكون المنفى الأخير. هذا بالطبع من دون نسيان العديد من الشخصيات التي تتقاطع أحداثها مع هذين البطلين، ومن أهمها والدة فيكتور (كارمي) التي تضيع منهم وهي في رحلة اللجوء العسيرة من الحدود الإسبانية نحو الحدود الفرنسية. وغيرهم الكثير...

لم أتوقف لحظةً عند القراءة عن المقارنة بين التجربة السورية، وبين أحداث الرواية، لما فيهما من تشابه وماَسٍ. التشابه بين القمع الذي قامت به قوات الجنرال فرانكو لمعارضيه وللحكومة الجمهورية التي كانت منتخبةً شعبياً، ولكن لم تتسنى لها الفرصة لترى النور، وقمع قوات النظام السوري أيضاً لمن وقف في وجهه، ورفض ظلمه. والتشابه في الوضع المزري للمدنيين في ظل الحصار والقصف، والمشافي الميدانية التي دُمّرت تحت وحشية قذائف الطائرات، وموجة النزوح واللجوء من أجل النجاة، والآثار النفسية لهاتين التجربتين على الأشخاص، ومساندة بعض الدول، مثل ألمانيا التي كانت تحت سيطرة هتلر لفرانكو، ومساندة بعض الدول للنظام السوري، مثل روسيا وإيران، والأقسى من ذلك بقاء الدكتاتور والمجرم في الحكم، أي انتصار فرانكو في الحرب الإسبانية، والانتصار المزعوم للأسد الآن.

لم أتوقف لحظةً عند القراءة عن المقارنة بين التجربة السورية، وبين أحداث الرواية، لما فيهما من تشابه وماَسٍ. التشابه بين القمع الذي قامت به قوات الجنرال فرانكو لمعارضيه وللحكومة الجمهورية التي كانت منتخبةً شعبياً، ولكن لم تتسنى لها الفرصة لترى النور، وقمع قوات النظام السوري أيضاً لمن وقف في وجهه، ورفض ظلمه

لم أتوقف أيضاً عن المقارنة بين تجربتَي اللجوء السورية، وتجربة أبطال الرواية، إذ اضطر كلاهما إلى ترك البلاد، والهرب براً أو بحراً. عندما قرأت المعاناة التي واجهوها في مسيرهم من الحدود الإسبانية إلى الحدود الفرنسية، تذكّرت كم كانت رحلةً صعبةً وشاقةً تلك التي عبرنا بها حدود أكثر من دولة، حتى نصل إلى أوروبا، والتي كان تحمّل مشقّاتها أسهل عليّ من أشخاص كثر، ربما كانوا مرضى، أو عجزة، أو أطفالاً لم يعلموا لماذا كان عليهم أن يتحمّلوا هذه المشقّة، ناهيك عن رحلة البحر التي قام بها أبطال الرواية نحو تشيلي، على متن باخرة، والرحلة التي قام بها معظم اللاجئين السوريين وغير السوريين بالقوارب المطاطية، القوارب التي كانت للأسف تأخذ بيد الكثيرين منهم إلى الموت. ولا تتوقف المحنة هنا، بل تتبعها الاَثار النفسية التي تختلف حدّتها من شخص إلى اَخر، ولكنها على الأغلب تظهر بعد الوصول بفترة وجيزة.

عندما ننظر إلى التاريخ، أو عندما نقرأ الكتب المأخوذة عن قصص حقيقية مثل رواية "سفينة نيرودا"، يمكننا أن نأتي بنتيجة، ألا وهي كم أن التاريخ مكرر، وكم تتشابه معاناة البشر، وإن اختلفت أمكنة ولادتهم، وأزمنتها، حتى يبدو أننا ندور في حلقة مفرغة من المآسي التي لا تتوقف، والتي يبدو أن إيجابيتها الوحيدة هي أنها تشكل مادةً دسمةً للكتابة، لأن أفضل القصص والروايات التي كُتبت، والتي توقظ فينا المشاعر، مبينة على المآسي البشرية المختلفة، كالحروب واللجوء. من يدري؟ ربما سيكتب أحدهم عن مصائرنا بعد خمسين سنة من الآن، كما كتبت إيزابيل ألليندي عن مصير شخصياتها. فأين سنكون؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard