"دوّرت عَ نقطة زيت بشي صحن ما شفت"... كيف تلطّخنا بالانتصارات المتسخة؟

الاثنين 15 نوفمبر 202111:51 ص

صديقي، صاحب أبسط بسطة كتبٍ في اللاذقية، هو شاعر جميل إلى أبعد حد، بدأ مؤخراً ببيع مكتبته الشخصية، تلك التي جمعها على مدى سنين طويلة بفرح من كان يعتقد أن المستقبل حتماً جميل، واهتمامه.

استندت إلى الجدار الذي ينشر صديقي كتبه بالقرب منه، في مكان بعيد نسبياً عن عيون شرطة البلدية الموكلة بملاحقة من يشوّهون أرصفة المدينة ببضائعهم الرثّة، مما يعطي منظراً غير حضاري، ويسيء إلى سمعة الوطن.

استندت إلى الجدار الذي ينشر كتبه بالقرب منه، في مكان بعيد نسبياً عن عيون شرطة البلدية الموكلة بملاحقة من يشوّهون أرصفة المدينة ببضائعهم الرثّة، مما يعطي منظراً غير حضاري، ويسيء إلى سمعة الوطن. كنا نتكلم مثلنا مثل أي سوريين يلتقيان، ولو على عجل، وفي أي وقت من اليوم، وفي أي مكان، حتى وإن كانا في حفلة عرس، أو في طابور خبز، أو في باص النقل الداخلي، أو في محاضرة جامعية، أو في الجنّة؛ ليس مهماً المكان، ففي أي مكان يلتقي فيه سوريان، ليس عليك التكهن، أو استراق السمع، ولا حتى قراءة لغة الشفاه، الحديث ببساطة هو مجموعة أرقام تخص أسعار السلع، والكثير الكثير من الشتائم؛ أرقام وشتائم، وشتائم جديدة ومبتكرة فيها إبداع لا حدود له، شتائم لا يعرفها أي شعب من شعوب الكرة الأرضية، ولا تخطر ببال أحد، فيها الكثير من الغرابة، والكثير من تداخل الحروف حين اللفظ، تماماً مثل ارتباك من يطلق الرصاص على هدف لا يراه، وفيها كل حزن العالم ونقمته. شتائم يمكن دمغها بـ"صُنع في سوريا فحسب".

حدّثني الرجل، بلا أي نغمة تسوّل، أو استجداء، بل بعفوية وكأنه يروي قصةً عاديةً تحصل في أي وقت، وفي أي مكان. يبدو أن الألم ممل، ويفقد حدّته الجارحة، ثم مع الأمل الطويل يبهت مثل صورة عائلة مات أغلب أفرادها. حكى لي كيف أنه في ذاك الصباح، لم يستطع أن يعدّ لصغيرته أي نوع من أنواع السندويش الذي يأخذه التلاميذ في حقائبهم إلى المدرسة، وحين يرنّ جرس الفرصة، ينشلونها بعفوية تامة من مكمنها، ليبدأوا بالقضم واللعب، وبطبيعة الحال يسألون بعضهم "شو لافف اليوم؟"، قال لي بعفوية تخفي حنجرة محروقة ومترمّدة.

وواصل حديثه: "يا ولاد الكلب، بلفّلها مي؟!... بلفّلها عضوضة مي؟! تخيّل، هههههه! عضوضة مي... والله لو في سكّر لعملتها، ولفيتلها مي وسكر! بس ما في شي بالبراد، ولا بالمطبخ كله... انتبه، فكّر معي، حطّ حالك محلي بهديك اللحظة، كيف بدك تروح من المطبخ ع الصالون وتخبّرها إنه ما في عضوضة اليوم! يعني لو معي مصاري، ولو حق بسكويتة، أو كيس شيبس، كنت بقلها بابا بلاها العضوضة اشتري اليوم بسكويتة... قلّي كيف رح تغادر هالمسافة بين المطبخ والصالون؟! تخيّل دوّرت عَ نقطة زيت، عَ أثر بقيان بشي صحن، ما شفت".

"يا ولاد الكلب، بلفّلها مي؟!... بلفّلها عضوضة مي؟! تخيّل، هههههه! عضوضة مي... والله لو في سكّر لعملتها، ولفيتلها مي وسكر! بس ما في شي بالبراد، ولا بالمطبخ كله... انتبه، فكّر معي، حطّ حالك محلي بهديك اللحظة، كيف بدك تروح من المطبخ ع الصالون وتخبّرها إنه ما في عضوضة اليوم!"

عند هذه الجملة تحديداً، انتبهنا فجأةً لامرأة ستينية أنيقة تقف بالقرب منّا تماماً، تقف بصمت مطبق، وتنظر إلى صديقي بعيون مبللة بدمع لا زال داخل العين، وفي يدها كيس نايلون شفاف يُظهر أن ثمة مجلات في داخله، ويبدو أنها كانت تستمع إلى حديثه معي كاملاً.

انتبه الرجل لوجودها، فدعاها بلطف أن تسأله طلبها، مفترضاً أنها زبونة تريد أن تشتري كتاباً ما. ارتبكت المرأة كأنها فقدت قدرتها على الكلام للحظة، ثم قالت له: "لا لا، ولا شي، سلامتك. بعدين بمرّ، شكلك مشغول، أو ما عرفتني...".

استدرك الرجل وكأنه تذكّر من تكون!، ثم اعتذر وقال لها: "آسف. نعم نعم تذكرتك. حضرتك يلّي قلتيلي إنو عندك أعداد من مجلة الناقد... تذكّرت أي تذكّرت...".

تناول منها الكيس، وبدأ يفرده، ثم يقلّب محتواه من المجلات التي تُعدّ لأي صاحب بسطة كتب، أو أي جامع للمجلات، فرصةً جيدة يجب اقتناصها، لكنه فجأةً صمت، وتخشّبت يده فوق غلاف أحد الأعداد. لا يبدو عليه أنه يقرأ المحتوى، بل من الواضح أنه يقرأ الذل الذي نعيشه. اقتربت المرأة وهمست له: "هدول الأعداد كنت وصّي عليهن من بيروت، وقت كانت المجلة تصدر. يعني ما فيهن أي نقص، كاملين تماماً، بتتذكر أكيد إنو الرقابة كانت تخزق بعض الصفحات"، ثم صمتا معاً، كانت قد فهمت من حديث "عضوضة المي لصغيرته" أنه لا يملك مالاً ليفوز بالصفقة، فقالت بخذلان وارتباك واضح: "خلص خلص لكن، رح اتركن عندك ما في مشكلة، وبمر بعدين"، قاطعها فوراً بابتسامة فيها مرارة: "ليش بعدين برأيك رح يكون أحسن من اليوم؟". أعاد الكيس بعد أن رتّب محتوياته كما كانت إلى المرأة، وأخذته ثم مضت من دون أن تلتفت إلينا. مضت بمشيةٍ خجلة كأنها تعرّت بين الجموع.

أما أنا، المتفرّج العبد، فصامت تماماً لأنني بكامل شللي أمام "عضوضة البنّوتة" التي لم تُعدّ في ذلك الصباح... أمام مدينة تموت بالاختناق السري

المرأة تريد أن تبيع أي شيء لتكمل يومها الوقح، ربما لتشتري بلوزةً جديدة لابنتها الصبية التي تدرس في كلية ما، أو ربما لتسدد فاتورة الهاتف، أو ربما لتشتري بعض الفواكه أو الخضار لطبخة اليوم. البائع/ صديقي الشاعر الجميل، صاحب أبسط بسطة كتب في المدينة، لا يملك ثمن هذه "اللقطة" من أعداد مجلة الناقد... أما أنا، المتفرّج العبد، فصامت تماماً لأنني بكامل شللي أمام "عضوضة البنّوتة" التي لم تُعدّ في ذلك الصباح، وأمام المرأة الستينية، وكيس المجلات، وأمام مشيتها الخجلة، مشيتها المقتولة حين غادرت... وأمام الصديق الشاعر صاحب أبسط بسطة كتب في المدينة، وأمام المارة، والسيارات، والشرطي، والقطط، وشعارات الانتصار على جدران متسخة، والعصافير، والأرصفة، وصور القادة الخالدين في كل مكان، وأمام النمل، والبنايات، والبحر، "وعرايس الزعتر" في أيدي تلاميذ المدارس كلهم، في هذه الكرة الأرضية الصغيرة كلها... أمام مدينة تموت بالاختناق السري.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard