كعب أخيل وشعر شمشون ووجه فاطمة...معجزات الجسد وأسراره

الخميس 2 ديسمبر 202111:00 ص


من القصص الإسلامية المشهورة التي وردت فيها الإشارة إلى الصدر أو القلب، تلك التي ذكرها مسلم في صحيحه، من أن الملاك جبريل قد أتى للنبي محمد في صغره، وكان وقتها يلعب مع الغلمان: "فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج ‏القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب ‏بماء زمزم، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني مرضعته حليمة السعدية- فقالوا إن ‏محمداً قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون"، وقد علق بعض الصحابة ممن رووا هذا الحديث، بأنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدر الرسول في كبره.

تبرز  أعضاء جسم الإنسان  في بعض القصص الدينية والميثولوجية، على أنها وسيط أو رموز للقداسة والتطهير ومعاني الخير والجمال وحتّى الشر والتدنيس.  

كعب أخيل 

لعل أشهرها قصة أخيل الذي كان واحداً من أعظم أبطال ملحمة الإلياذة، وقد عُرف على نطاق واسع في الثقافة اليونانية القديمة. بحسب الأسطورة، فإن أخيل هو ابن بيليوس ملك ميرميدونس، أما والدته فهي الحورية ثيتيس، ولما كانت أمه تريد أن تمنحه الحماية الكاملة، فإنها قد غطسته في صغره في نهر ستايكس، وهو النهر الذي كان آلهة اليونان يغطسون فيه للتخلص من كل نقاط ضعفهم. تحكي الأسطورة أن ثيتيس قد أمسكت ابنها من كعبه، وغطسته مراراً في النهر، فغمر الماء كامل جسمه، إلا الكعب، ومن هنا فإن أخيل بعدما كبر صار محصناً، ولم يتمكن أي من أعدائه أن ينال منه في أي قتال.

نقطة ضعف أخيل، ظهرت أثناء اجتياح جيوش اليونانيين لطروادة، عندما قام الأمير باريس بن بريام بتوجيه أحد سهامه لكعب أخيل فأصابه، وقضى الأخير نحبه بعدها، لتشيع قصته عبر القرون لتشير لنقطة الضعف الموجودة في أي نظام قوي.

بطن معاوية

حازت بطن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان، شهرة كبيرة في الثقافة الإسلامية، وكان السبب في ذلك بعض الروايات التي ربطتها بدعوة من النبي.

بحسب ما ورد في صحيح مسلم بن الحجاج، فإن النبي قد أرسل عبد الله بن العباس يوماً ما ليستدعي له معاوية، فلما وصل ابن العباس لمنزل معاوية وجده يأكل، فرجع إلى الرسول واخبره، فلما تكرر هذا الأمر لمرتين، فإن الرسول قد دعا قائلاً: "لا أشبع الله بطنه". بغض النظر على فهم هذا القول، وإذا كان منقبة كما يرى أهل السنة، أم لعنة كما يعتقد الشيعة، فإن بطن معاوية قد اُشتهرت وضُرب بها المثل، حتى قال أحد الشعراء: "وصاحب لي بطنه كالهاوية/ كأن في أمعائه معاوية"، كما قال شاعر آخر: كأنما في جوفها ابن صخر/ ومعدة هاضمة للصخر.

ذكر ابن كثير بعض الأخبار عن بطن معاوية كذلك، ومنها "أن معاوية كان لا يشبع بعدها -أي بعد دعوة الرسول-، ووافقته هذه الدعوة في أيام إمارته، فيقال إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاماً بلحم، وكان يقول: والله لا أشبع وإنما أعيا".

شعر شمشون

عرفت الثقافة اليهودية الكثير من الأبطال الذين تميزوا بشعرهم، ومن أهمهم كل من شمشون وأبشالوم بن داود. يذكر العهد القديم قصة شمشون في سفر القضاة، ويحكي عن بطولته وقوته الجبارة التي مكنته من التغلب على آلاف الرجال في ساحات المعارك، وكيف أن دليلة الجميلة لما استدرجته لتعرف سر قوته، فإنه قد وقع في الفخ، "فَكَشَفَ لَهَا كُلَّ قَلْبِهِ، وَقَالَ لَهَا: لَمْ يَعْلُ مُوسَى رَأْسِي لأَنِّي نَذِيرُ اللهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، فإن حُلِقْتُ تُفَارِقُنِي قُوَّتِي وَأَضْعُفُ وَأَصِيرُ كَأَحَدِ النَّاسِ"، وتُستكمل القصة بأن دليلة قد استدعت من حلق شعر شمشون فذهبت قوته، وقبض عليه أعداؤه وقلعوا عينيه وحبسوه في المعبد، وامعنوا في إذلاله حتى تمكن في نهاية المطاف من هدم المعبد فوق رأسه ورؤوسهم، فماتوا جميعاً.

أما في سفر صموئيل الثاني، فقد وردت قصة أبشالوم بن داود الذي انقلب على والده الملك وطمع في عرشه، وخاض الحرب ضده في المعركة المعروفة باسم معركة غابة إفرايم. بحسب ما ورد في هذا السفر، فإن أبشالوم قد هُزم في المعركة، وحاول أن يهرب، وأثناء فراره تعلق شعره الطويل بإحدى فروع الشجر في الغابة، ففقد القدرة على الحركة، وصار معلقاً بلا حول ولا قوة، وعندها قام أحد جنود داود بقتله بعدما رماه بثلاثة أسهم، ليصبح شعره الجميل الذي لطالما تباهى به سبباً في نهايته الدامية.

صدر الرسول

من القصص الإسلامية المشهورة التي وردت فيها الإشارة إلى الصدر أو القلب، تلك التي ذكرها مسلم في صحيحه، من أن الملاك جبريل قد أتى للنبي محمد في صغره، وكان وقتها يلعب مع الغلمان: "فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج ‏القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب ‏بماء زمزم، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني مرضعته حليمة السعدية- فقالوا إن ‏محمداً قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون"، وقد علق بعض الصحابة ممن رووا هذا الحديث، بأنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدر الرسول في كبره.

عين حورس

كانت للعيون مكانة خاصة في المِخيال الإنساني الجمعي، إذ تم تقديسها في الكثير من الثقافات باعتبارها مسؤولة عن العديد من الأمور الهامة التي ارتبطت بالحياة والموت ومصائر البشر. في الحضارة المصرية القديمة، عُرف الإله حورس بالإله ذي العين الذهبية، إذ نُظر لعينه التي أصيبت خلال معاركه ضد الإله سيت، والتي أعادها له الإله تحوت، على كونها عيناً مقدسة، وتم استخدامها في التميمة السحرية المعروفة بعين أوجات، وكانت تُستعمل للحماية من الحسد ومن الأرواح الشريرة ومن الحيوانات الضارة ومن المرض.

في الثقافة الإسلامية، كانت العيون في بعض الأحيان سبباً للجمال الأخاذ الذي يسلب العقول، ومن ذلك ما عُرفت به عينا الشاعر عمر بن أبي ربيعة، والذي اُضطر أحياناً لتغطيتهما إشفاقاً من الفتنة التي قد تصيب من ينظر إليهما، نساءً كن أم رجالاً. أيضاً عرفت الثقافة الإسلامية العين كمصدر للشر والحسد، ومن ذلك ما ورد في الحديث النبوي إن "العين حق"، كما ورد في بعض الروايات أن الدجال الذي يظهر في آخر الزمان سيكون أعوراً، وله عين واحدة.

في السيّر الشعبية كذلك تظهر العين وكأنها مكمن ضعف بعض الأبطال الشجعان، فعلى سبيل المثال، قُتل الزناتي خليفة -الذي حيّر الأعداء عبر السنين- بعدما أصيب في عينه، ذلك أن عدوه، دياب بن غانم، قد سدد حربته، "فأصابت عين الزناتي وخرجت من قفاه".

أصابع نائلة

لعل أصابع نائلة بنت الفرافصة كانت أشهر أصابع خلدتها الذاكرة الإسلامية، ولا سيما وأنها قد ارتبطت بالذكرى الدامية لمقتل الخليفة الثالث، عثمان بن عفان، في أواخر العام الخامس والثلاثين من الهجرة. بحسب ما تذكر الكثير من المصادر التاريخية، ومنها على سبيل المثال "تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبري، فإن ثوار الأمصار لما أحاطوا بمنزل عثمان بن عفان ومنعوه من الخروج منه، لم يلبث بعضهم أن تسلق المنزل فدخل إلى عثمان أثناء قراءته للقرآن الكريم.

بحسب الرواية الشهيرة، فإن بعضاً من هؤلاء الثوار قد انهالوا بسيوفهم وخناجرهم على عثمان، فلما وقع الشيخ الثمانيني صريعاً مضرجاً بدمائه، خرجت زوجته -ذات الأصول المسيحية- نائلة بنت الفرافصة للدفاع عنه، ومدت يدها لمنع وقوع السيوف على جثمان زوجها المتهالك، فتلقت أصابعها الضربة بدلاً منه، ليتم تخليدها باعتبارها رمزاً لوفاء الزوجة المحبة وتضحيتها في سبيل الدفاع عن زوجها.

فخذ فاطمة ووجهها

ظهر الفخذ في بعض المدونات الإسلامية، على كونه العضو البديل للتناسل، ومن الغريب أنه قد ارتبط بمظاهر كل من التدنيس والتقديس في آن واحد. من مظاهر التناسل المدنس التي ارتبطت بالفخذ، ما ورد في تفسير القرطبي " أن الله تعالى خلق له -أي الشيطان- في فخذه اليمنى ذكراً وفي اليسرى فرجاً، فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطاناً وشيطانة...".

أما التناسل المقدس، فأوضح ما يعبر عنه ما ذكرته بعض المصادر في شرحها لكيفية توالد الأئمة، ومن ذلك ما ذكره الحسين بن حمدان الخصيبي في كتابه "الهداية الكبرى"، من أن فاطمة الزهراء قد "وَلَدتِ الحسن والحسين من فخذها الأيمن وأمَّ كلثوم وزينب من فخذها الأيسر..."، وما رواه الحسين بن عبد الوهاب في كتابه "عيون المعجزات"، "أنّ فاطمة وَلدتِ الحسن والحسين من فخذها الأيسر".

ظهر الفخذ في بعض المدونات الإسلامية، على كونه العضو البديل للتناسل، ومن الغريب أنه قد ارتبط بمظاهر كل من التدنيس والتقديس في آن واحد

كثيراً ما عُرف الوجه بكونه العضو الذي يشير لما تمتع به الإنسان من آيات الجمال والحسن، في هذا السياق، ورد في سنن الترمذي الحديث عن جمال وجه النبي، أن الكثير من أصحابه كانوا يشبهونه بالشمس أو بالقمر، كما ورد أنه "ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه...".

اشتهرت فاطمة بنت الرسول بجمال وجهها، وبأن النور كان يشع منه، حتى نُسب للسيدة عائشة قولها "كنّا نخيط، ونغزل، وننظم الإبرة باللّيل في ضوء وجه فاطمة"، وذلك بحسب ما ورد في كتاب "أخبار الأُول وآثار الدول" لأحمد بن يوسف الدمشقي، وفي السياق نفسه، اهتم محمد بن علي بن بابويه، المعروف باسم الشيخ الصدوق، بتفسير سبب تلقيب السيدة فاطمة بالزهراء، فقال في كتابه "علل الشرائع"، إنها إنما لُقبت بذلك إما لأنها قد خُلقت من نور الله عز وجل، أو لأنها كانت تزهَرُ -أي تنير- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ في كل يوم.

"كنّا نخيط، ونغزل، وننظم الإبرة باللّيل في ضوء وجه فاطمة"... كيف تحولت أعضاء الجسد إلى رموز للقداسة والخير والقوة في المخيال الشعبي؟ 

فم المسيح وريق الرسول

يظهر الفم في الثقافات الدينية على كونه مصدراً لكل حكمة وكل شر، كما يظهر بوصفه العضو الذي ينقل المباركة من شخص لآخر. في العهد الجديد، يتحدث إنجيل يوحنا عن شفاء المسيح للأعمى، فيقول إن يسوع قد "تَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِيناً وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى، وَقَالَ لَهُ: اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيراً".

الأمر ذاته تكرر في السيرة النبوية في الإسلام، وذلك في أحداث غزوة خيبر في العام السابع من الهجرة، إذ ورد في سنن الترمذي أن النبي لما وجد أن المسلمين قد فشلوا في اقتحام حصون اليهود المنيعة، فإنه قد استدعى علي بن أبي طالب "فأتاه وبه رَمَدٌ فبَصَق في عينِهِ فدفع الرايةَ إليه ففتح اللهُ عليه...".

من قصص المباركة التي حدثت من خلال الفم أيضاً، ما ورد في صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر، عندما حكيت قصة ولادة ابنها عبد الله بن الزبير، وكيف باركه الرسول، فقالت: "...أَتَيْتُ رَسولَ اللهِ فوَضَعَهُ -أي عبد الله- في حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ في فِيهِ، فَكانَ أَوَّلَ شيءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسولِ اللهِ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بالتَّمْرَة..."، الأمر الذي سيشيع في الشعائر الإسلامية فيما بعد، وسيأخذ مكانه في المنظومة الطقوسية المرتبطة بمولد الأطفال، وسيُعرف باسم التحنيك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard