مقاتل أئمة الشيعة الاثنا عشر... بين الموضوعية التاريخية وسعة المخيال المذهبي

الأربعاء 26 أغسطس 202009:13 م

يؤمن الشيعة الإمامية الاثني عشرية، بتعاقب 12 رجلاً على منصب الإمامة، بدءاً من الإمام الأول، علي بن أبي طالب، ونهايةً بالإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر، محمد بن الحسن العسكري الذي يعتقدون أنه دخل في فترة "الغيبة" الكبرى واختفى عن الأنظار عام 329هـ.

الشيعة الذين يعتقدون باغتصاب الخلفاء (الراشدين ما عدا علي/ الأمويين/ العباسيين) لحق أئمتهم في السلطة والحكم، روّجوا للقول باستشهاد الأئمة على يد الخلفاء المعاصرين لهم.

فعلى سبيل المثال، ينقل الطبرسي في كتابه "إعلام الورى بأئمة الهدى" عن الإمام السادس جعفر الصادق قوله "والله، ما منا إلا مقتول أو شهيد"، كما يذكر الشيخ الصدوق في كتابه "عيون أخبار الرضا"، في السياق نفسه، عن الإمام الثامن علي الرضا قوله "وجميع الأئمة الأحد عشر بعد النبي قُتلوا، منهم بالسيف وهو أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام، والباقون قُتلوا بالسم، قتل كل واحد منهم طاغية زمانه".

الإصرار على أن مقاتل الأئمة تمت على يد الخلفاء، عمّق مع الوقت من الشعور بالمظلومية، كما أسهم في تهيئة المخيال الشيعي للقول بالقصاص من القتلة في آخر الزمان، عندما يعود المهدي من غيبته الطويلة ليسود الحق وينتصر العدل، وهي العقيدة التي راجت في الذهنية الشيعية تحت مسمى الرجعة.

يمكن التفرقة بين مجموعة من الوفيات الطبيعية لبعض الأئمة، ومجموعة أخرى من الميتات المدبرة من قبل السلطة، والتي تفسرها الأحداث التاريخية المشهورة والمُتعارف عليها.

علي بن أبي طالب

في 21 رمضان من العام 40هـ، قام أحد الخوارج ويُدعى عبد الرحمن بن ملجم المرادي باغتيال الخليفة الرابع علي بن أبي طالب بجوار المسجد الجامع في الكوفة.

دوافع ابن ملجم لقتل الخليفة الرابع لا تبدو واضحة بالقدر الكافي، وتتضارب المصادر التاريخية في تفسيرها. على سبيل المثال، ذهب بعض المؤرخين إلى أن ما فعله ابن ملجم كان بمثابة جزء لا يتجزأ من مؤامرة واسعة النطاق، تم التخطيط لها من جانب عدد من الخوارج الحرورية الذين خططوا لقتل كل من علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، في محاولة لوأد أسباب الصراع والفتنة، وإعادة الاستقرار للدولة الإسلامية.

في سياق آخر، عمل بعض المؤرخين على فهم حادثة اغتيال علي بشكل فردي. فعلى سبيل المثال، يذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ"، أن ابن ملجم لقي امرأة من تيم الرباب اسمها قطام، وكانت فائقة الجمال، وقد قُتل أبوها وأخوها يوم النهروان على يد علي "فلما رآها أخذت قلبه فخطبها. فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفى لي. فقال: وما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبداً وقينةً وقتل علي". وهكذا يصبح قتل الخليفة الأول مجرد قربان لنيل الحظوة عند امرأة حسناء.

الأمر المهم أن الذاكرة الشيعية خلّدت حادثة مقتل علي بن أبي طالب باعتبارها واحدة من أهم الحوادث الدامية في التاريخ الإسلامي، واعتمدت في ذلك على بعض الأحاديث المروية عن الرسول نفسه، ومنها على سبيل المثال ما ذكره ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبير": "أشقى الأولينَ عاقرُ الناقةِ، وأشقَى الآخرينَ الذي يطعنكَ يا عليّ وأشارَ إلى حيْثُ يطعنُ".

الحسن بن علي

توفى الحسن بن علي عام 49هـ، بحسب بعض الأقوال أو في عام 50هـ كما ورد في أقوال أخرى. وتتفق المصادر الشيعية مع أغلب المصادر السنّية على أن الحسن قُتل مسموماً على يد إحدى زوجاته، وهي جعدة بنت الأشعث، التي تذكر بعض الروايات أن معاوية بن أبي سفيان حرضها على ذلك، وأغراها بالكثير من الأموال وبأن يزوجها من ابنه يزيد بعد أن تقتل الحسن، وهذا ما يذكره البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف".

بعض الروايات الشيعية أكدت أن الحسن كان يعلم أن جعدة هي التي ستدس السم له، وإنه لما قال ذلك لبعض المقربين منه، وأشاروا عليه بأن يخرجها من منزله ويبعدها عن نفسه، رد عليهم قائلاً "كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئاً، ولو أخرجتها ما قتلني غيرها، وكان لها عذر عند الناس"، وذلك بحسب رواية يذكرها محمد باقر المجلسي في كتابه "بحار الأنوار".

الحسين بن علي

في العاشر من شهر محرم سنة 61هـ، قُتل الإمام الثالث الحسين بن علي مع مجموعة من أهل بيته وأنصاره في موقعة كربلاء بأرض العراق، على يد الجيش الأموي الذي يقوده عمر بن سعد بن أبي وقاص.

كربلاء مثّلت ذكرى في غاية الأهمية عند الشيعة عموماً، والإمامية منهم على وجه الخصوص، حتى صار استذكار وقائعها في كل عام إحدى أهم سمات التدين الشعبي في المجتمعات الشيعية في شتى أنحاء العالم.

بحسب المصادر الشيعية، وبعض المصادر السنّية، تنبّأ الرسول بمقتل حفيده في كربلاء، ومن ذلك ما ذكره ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق، عن عائشة أنها سمعت من الرسول أنه "يُقتل الحسين في أرض بابل". كما ورد في مسند أحمد بن حنبل "أن جبريل أتى الرسول، وأخبره بمقتل الحسين في أرض الطف".

ورغم أهمية تلك الواقعة، اختلفت المصادر التاريخية بشكل كبير في تحديد اسم قاتل الحسين، وذلك لأن جماعة من الجيش الأموي اشتركت في قتله. لكن مع ذلك يبقى "شمر بن ذي الجوشن" الاسم الذي تذكره معظم الروايات على أنه الشخص الذي أجهز تماماً على الحسين وقطع رأسه وفصله عن جسده.

وكل ما نعرفه عن شمر أنه كان مصاباً بالبرص ودميم الخلقة، وأنه سارع إلى والي الكوفة مطالباً بالجوائز والذهب والفضة بعد قطعه رأس الحسين. وأضحى شمر نموذجاً ومثالاً للشر الكامل في العقلية الشيعية، حتى صار عذابه يوم القيامة مضرب الأمثال، فيقال "فلان أشد عذاباً من شمر".

زين العابدين، والباقر، والصادق

يمكن القول إن التعامل الأموي العنيف مع أئمة الشيعة الإمامية تراجع زخمه بعض الشيء بعد فاجعة كربلاء، وهو الأمر الذي يمكن التأكد منه من خلال مراجعة تاريخ الأئمة الثلاثة الذين خلفوا الحسين في منصب الإمامة، وهم على الترتيب: علي بن الحسين (زين العابدين)، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق.

الباحث في أحداث وفاة الرجال الثلاثة سيلاحظ أن هناك سرديتين متمايزتين ومتباينتين في تلك المسألة، الأولى هي السردية السنّية، وهي الأقرب للمصداقية التاريخية، وتؤكد وقوع الوفاة الطبيعية للرجال الثلاثة، والثانية هي السردية الشيعية التي تعمل على إلصاق تهمة اغتيال الأئمة بمعاصريهم من الخلفاء.

على سبيل المثال، يؤكد الشيخ المفيد في كتابه "الإرشاد إلى معرفة حجج الله على العباد"، أن علي بن الحسين اغتيل بالسم، وأن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك هو الذي حرض على قتله، خوفاً من تصاعد نفوذه وسط أتباعه وشيعته.

الإصرار على أن مقاتل الأئمة الشيعة الـ12 تمت على يد الخلفاء، عمّق مع الوقت من شعور الشيعة بالمظلومية، كما أسهم في تهيئة المخيال الشيعي للقول بالقصاص من القتلة في آخر الزمان

أما الإمام محمد الباقر المتوفى في المدينة، عام 114هـ، فتذكر أغلبية المصادر الشيعية أنه اغتيل بالسم الذي دسه له الأمويون بتحريض من هشام بن عبد الملك.

وفي السياق نفسه، يذكر محمد باقر المجلسي في كتابه بحار الأنوار أخباراً عن الخصومة المنعقدة بين الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور والإمام السادس جعفر الصادق، وعن أن الأول عزم على قتل الثاني عدة مرات، ولكن في كل مرة كانت تظهر له رؤيا معيّنة تمنعه وتصرفه عن عزمه، حتى استقر في النهاية على تسميمه في عام 148هـ.

موسى الكاظم

استمرت العلاقة المتوترة بين الخليفة هارون الرشيد والإمام الشيعي السابع موسى الكاظم لفترة طويلة، حتى عام 183هـ، عندما وقعت بعض الوشايات من جانب بعض أقارب الكاظم عند الرشيد. أخبروه أنه يعتبر نفسه في المدينة خليفة مثل الرشيد في بغداد، فاستدعاه وسجنه، ثم حرض سجانه السندي بن شاهك على دس السم له، فمات مسموماً في محبسه.

صندوق ضريح الإمام موسى الكاظم, صنع عام 624 هجرية, ومحفوظ في المتحف العراقي.

ويذكر ابن شهر آشوب المازندراني، في كتابه "مناقب آل أبي طالب"، أن هارون الرشيد لما أراد قتل الكاظم، جمع ثمانين رجلاً من الأعيان، وأدخلهم على الكاظم في محبسه وقال لهم السندي "يا هؤلاء، انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث، فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به مكروه، ويكثرون في ذلك، وهذا منزله وفرشه، موسع عليه غير مضيق، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءاً، وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره أمير المؤمنين، وها هو ذا صحيح موسع عليه في جميع أمره، فسلوه"، فرد الكاظم مخبراً إياهم بأمر سمه: "أما ما ذكر من التوسعة وما أشبه ذلك، فهو على ما ذكر، غير أني أخبركم أيها النفر، أني قد سقيت السم في تسع تمرات، وإني أُحضر غداً، وبعد غد أموت".

من المهم هنا أن نلاحظ أن عملية اغتيال موسى الكاظم، من بين جميع اغتيالات الأئمة الشيعة التي تنسبها المصادر الإمامية للخلفاء الأمويين والعباسيين، هي الأكثر وضوحاً، إذ تمت في سجن الرشيد، كما أن العباسيين قاموا بإخراج جثمان الكاظم ووضعوه على جسر الكرخ، وطلبوا من عامة الناس أن يتفحصوه ليتأكدوا أن وفاته طبيعية.

علي الرضا

كما كانت مسألة بيعة الإمام الثامن علي الرضا بولاية عهد الخليفة العباسي عبد الله المأمون عام 201هـ، من أكثر المسائل التي أثارت الجدل، فإن وفاته المفاجئة أثارت العديد من المناقشات والآراء المختلفة والمتضاربة.

فبينما تقف الروايات السنّية موقفاً محايداً في تلك المسألة، ولا تقطع بمقتل الرضا، وتذكر أن وفاته حدثت بشكل طبيعي، تؤكد الروايات الشيعية أن المأمون قام باغتيال الرضا، أثناء عودته إلى العراق.

مَرقَد الإمام علي الرضا في مدينة مشهد (طوس سابقاً) في إيران.

يقول الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد إن وزيري المأمون الفضل بن سهل والحسن بن سهل كانا يكرهان الرضا، ويحرّضان عليه ويسعيان في تأليب المأمون عليه "فلم يزالا كذلك حتى قلبا رأيه، وعمل على قتله".

يمكن التفرقة بين مجموعة من الوفيات الطبيعية لبعض أئمة الشيعة، ومجموعة أخرى من الميتات المدبرة من قبل السلطة، والتي تفسرها الأحداث التاريخية المشهورة والمُتعارف عليها

كما قيل إن المأمون حرّض من دس السم للرضا في العنب أو في عصير الرمان، فمرض عدة أيام ثم توفى، ودُفن في مدينة طوس بجوار قبر هارون الرشيد، بحسب ما يذكر سبط ابن الجوزي في كتابه "تذكرة الخواص".

الملاحظة المهمة هنا أن السياق التاريخي للأحداث يقف في صف تأييد تحميل الخليفة المأمون مسؤولية التحريض على قتل الرضا، فالمأمون الذي كان شخصاً براغماتياً ميكيافيلياً بامتياز استطاع في الفترة ما بين تولية عهده للرضا في 201هـ وحتى 203هـ، أن يُعيد الاستقرار إلى دولته، وأن يئد روح الثورة المتقدة في مختلف أقاليمها وولاياتها، وصار همه الأكبر في ذلك الوقت أن يستعيد مكانته في بغداد عاصمة الخلافة ومعقل العباسيين الحصين، خصوصاً بعد أن تنامى إلى مسامعه أن بني العباس أعلنوا مبايعة عمه إبراهيم بن المهدي.

وجود علي الرضا كولي لعهد المأمون في تلك الفترة، عرقل من خطط الخليفة العباسي الطامحة لاستعادة السيطرة على بغداد، إذ نظر فريق كبير من العباسيين إلى مسألة تعيينه ولياً لعهد الخلافة على كونها تضييعاً لجهود العباسيين التي قاموا بها على مدار أكثر من سبعين عاماً.

من هنا يمكن فهم الكيفية التي أصبح بها المأمون محرراً من جميع القيود والأغلال التي كانت تكبله، بعد مقتل الرضا، وهو ما ظهر بشكل واضح في ما ورد في تاريخ أبي الفداء، من قول المأمون لأحد قادته لما وصل بغداد "أعلمهم (أي أهل بغداد) بموت علي الرضا، إنما نقمتم علي بسببه وقد مات". وسرعان ما حصد المأمون ثمار تغييب الرضا عن المشهد، بعدما خلع أهل بغداد طاعة إبراهيم بن المهدي ودخلوا في طاعته بدون مقاومة أو عنف.

الجواد، الهادي، العسكري

كان علي الرضا آخر الأئمة المؤثرين في المشهد السياسي في سلسلة الأئمة الشيعة الاثني عشرية، وقد خلفه في منصب الإمامة ثلاثة من الأئمة من أصحاب التأثير المتفاوت، وهم على التوالي: محمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري.

الضريح الذي يضم قبر الإمام الهادي مع قبور ولده العسكري وابنته حكيمة وزوجة ابنه نرجس.

رغم أن الأئمة الثلاثة ابتعدوا نسبياً عن السلطة، ولم يدخلوا في مصادمات مشهورة مع خلفاء عصرهم، إلا أن المخيال الشيعي الجمعي سعى لنسج بعض القصص عن استشهادهم على يد السلطة العباسية، بهدف تعميق المظلومية الشيعية من جهة، واختلاق مكانة مهمة لهم من جهة أخرى.

من ذلك ما ذكره ابن شهر أشوب من أن وفاة الجواد تمت باغتياله بالسم، وأن الخليفة المعتصم بالله هو الذي حرض على ذلك بعد نصيحة وزيره أحمد بن أبي دؤاد، وذلك عندما أظهر الجواد جهل الخليفة في أحد المسائل الفقهية البسيطة أمام جمع من الناس. وقد قيل إن المعتصم حرض زوجة الجواد، أم الفضل بنت المأمون، على وضع السم له، وأنها فعلت ذلك لبغضها لزوجها لما كان يبديه من انصرافه عنها وميله لجواريه.

في السياق نفسه، روجت المصادر الشيعية لمقتل الإمام العاشر علي الهادي في عام 254هـ، مسموماً في خلافة المعتز بالله. أما في ما يخص وفاة الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، في سامراء، عام 260هـ، فهي تحاط بهالة من الغموض والريبة، خصوصاً أن الحسن مات ولم يكمل الثمانية والعشرين عاماً.

تخطيط لاسم الحسن العسكري نقش على القاشاني المثبت على جدار ضريح العسكريين.

يذكر هاشم معروف الحسني، في كتابه "سيرة الأئمة الاثني عشر"، أن الخليفة العباسي المعتمد على الله سارع بالتخلص من الحسن العسكري، عندما لمس تزايد شعبيته وسط الشيعة، وحرص بعدها على أن ينفي مسؤوليته عن تلك الجريمة، إذ استدعي كبار شيوخ العلويين "فكشف لهم عن وجه الحسن بعد موته ونظروا إليه، وجيء بالقضاة والقواد والكتاب والشهود العدول، وتم إشهادهم على كونه قد مات حتف أنفه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard