تعويذة "جلب الحبيب" بين القديمة المطمورة والحديثة السافرة

الأربعاء 24 نوفمبر 202110:00 ص

عُثر في مصر على تعويذة غرامية تعود إلى القرن الثالث أو الرابع الميلادي، طمرها شخص يدعى سربامون. كان يحترق ناراً في حب فتاة تدعى بتولامايس، وحبه لم يكن عذرياً، استناداً إلى الأوامر أو الأمنيات المدونة في نص التعويذة. كُتبت التعويذة على شفرة برونزية، ووُضعت مع تمثال صغير بصورة امرأة عارية، قدماها ويداها مربوطة خلف ظهرها، وقد غُرز في تمثال المرأة ثلاث عشرة إبرة. وُضع التمثال ونص التعويذة في وعاء طيني ودُفن في قبر شخص ميت يدعى آنتيبوس، كي تستيقظ روحه وتجلب بتولامايس "مقيدة" إلى أحضان سربامون.

نقل نص التعويذة المؤلف بيير شوفان في كتابه "أواخر الوثنيين" من كتاب S. Kambitsis, 'Une nouvelle tablette magique d'Égypte', Bulletin de l'Institut Français d'Archéologie Orientale 76 (1976), وترجم التعويذة إلى العربية مترجم كتاب "أواخر الوثنيين" سلمان حرفوش.

نص التعويذة

"أعهد بهذه التعويذة إليكم يا آلهة ما تحت الأرض، إلى بلوتون، وكوري برسفون إرزخيقال Core Persephone Ereskhigal، وآدونيس الذي اسمه أيضاً بربريثا Bararitha، وهرمز السفلي توت فكنسبسو أركتاتو ميزنكتك Toth Phokenesepseu Erectathou Misonctaik، وإلى أنوبيس Anoubis بسيريفاثا القادر، حامل مفاتيح الجحيم، وإليكم يا عفاريت وآلهة ما تحت الأرض، أيها الصبية والبنات، الأموات قبل الأوان، أيها الشبان والصبايا، سنةً بعد سنة، شهراً بعد شهر، يوماً بعد يوم، ساعةً بعد ساعة، ليلةً بعد ليلة، أناشد عفاريت هذا المكان جميعاً مساندة الجني آنتينوس؛ ألا انهض من أجلي واقصد إلى كل مكان، إلى كل حارة، إلى كل بيت،؛ قيد بتولامايس التي والدتها آياس، ابنة أوريجين، فلا يتمكن أحد منها، فلا (تُباس ولا تُبعص)، ولا تكون أبداً متعة لأي رجل، إلا وحدي أنا سربامون الذي ولدته آريا.

أناشدك وآمرك يا روح المتوفي آنتينوس باسم برباراثام شلومبرا باروخ أدوناي Barbaratham cheloumbra Barouch Adonai، وباسم أبرزكس Abrasax، وباسم ياو بكبتوث، بكبراوث سبربري Iao Pokeptath Pakebraoth Sabarbarei، وباسم مارماروث Marmarauoth، وباسم مارمرشتا ممزقار Marmarachtha Mamajgar، ألا يا روح المتوفي آنتينوس إياك أن تعصي أوامري؛ هيا، استيقظي وهبي من أجلي، وانطلقي إلى كل مكان، إلى كل حارة، إلى كل بيت؛ هاتي لي بتولامايس التي ولدتها آياس، إبنة أوريجين؛ امنعيها من الطعام والشراب إلى أن تحضر إلي، أنا سربامون؛ اسحبيها من شعرها، من خصرها، إلى أن تلزمني ولا تتركني، أنا سربامون الذي ولدته آريا؛ فلتكن لي ملك يميني، هي بتولامايس التي ولدتها آياس، إبنة أوريجين، ولتصبح طوع أمري، وتحبني، وتشتهيني، وتقول لي ما يدور في ضميرها، فإن أنجزت ذلك حرّرتك".

كاتب التعويذة والمتمني

يحمل كاتب التعويذة ثقافة واسعة ومتنوعة، فهو يستحضر في التعويذة أسماء آلهة لثقافات متنوعة في ذلك الوقت، وبينها اليوناني، مثل بلوتون حاكم العالم السفلي، وبرسفون من ربات العالم السفلي، وآدونيس، أو مصري، مثل أنوبيس إله الموت والتحنيط، أو توت إله الحكمة وله دور في محاكمات الموتى، أو بابلية، مثل إرزخيقال التي هي أريشكيجال، إله العالم السفلي في بلاد ما بين النهرين، أو يهودية مثل ياو الذي ربما هو يهوه.

يلحق بأسماء الآلهة كلمات معظمها غير مفهومة، فكيف ومتى دعي آدونيس باسم بربريثا؟ وما معنى الكلمات التي ألحقها باسم توت "فكنسبسو أركتاتو ميزنكتك"؟

إن باروخ تعني بالعبرية مبارك، وأدوناي تعني ربي أو سيدي، وهو لفظ يطلقه المتدينون على يهوه لأن لفظ اسمه محرم، والكاتب استخدم الكلمتين "أدوناي" و"يهوه" بصياغة ياو، وألحقها بكلمة "بكنتوث" مجهولة المعنى! يرفض خزعل الماجدي قيام بعض الباحثين بربط اسم يهوا باسم ياو تماماً، وفي كتابه "الآلهة الكنعانية" يقول إن الإله يو أو ياو كنعاني، أو يلفظ بـ "ياوي"، ويجعله من أبناء بعل.

عُثر في مصر على تعويذة غرامية تعود إلى القرن الثالث أو الرابع الميلادي، طمرها شخص يدعى سربامون، كان يحترق ناراً في حب فتاة تدعى بتولامايس، وحبه لم يكن عذرياً

وهناك نص في كتاب "مجاهيل تاريخ الفينيقيين" ليوسف حوراني، يذكر أن سانخونياتن حصل على كتاب جيروم بعل، كاهن الإله ياو، وقدمه إلى ملك بيروت أبي بعل. 

وحدها كلمة أبرزكس، وهو كائن شيطاني وشمسي ومستخدم في المفاهيم الغنوصية، تدل على ثقافة مضافة إلى الثقافات التي يستخدمها الكاتب مستعيناً بها، ما يجعل فهم الذي تعنيه الكلمات الملحقة بأسماء الآلهة مستحيلاً تقريباً إلا من باب التخمين.

إن الصياغة بشأن الأوامر التي تتعلق بمنع المرأة المشتهاة من بناء علاقة مع رجل آخر أو حرمانها من الطعام والشراب والنوم متعارف عليها في نصوص التعاويذ، ولكن تظهر شخصية سربامون في التعويذة عندما يسجل "وتقول لي ما يدور في ضميرها". يلفت النظر اعتماد التعويذة على الموتى قبل أوانهم، من الصبية والبنات، لاشتراك معظم الثقافات الإنسانية من ناحية اعتبارهم أبرياء بلا أخطاء أو آثام.

"أعهد بهذه التعويذة إليكم يا آلهة ما تحت الأرض... أناشد عفاريت هذا المكان جميعاً... قيد بتولامايس التي والدتها آياس، ابنة أوريجين، فلا يتمكن أحد منها... ولا تكون أبداً متعة لأي رجل، إلا وحدي أنا سربامون الذي ولدته آريا

نهايات الوثنيين

جاء نص التعويذة في القرن الثالث أو الرابع الميلادي وهما القرنان اللذان خُنقت فيهما الوثنية لحساب  المسيحية التي صارت ديانة الدولة الرسمية والوحيدة نهائياً مع جوستنيان (527-565) م، فالمرسوم الذي صدر في شباط 313 م أيام قسطنطين، ويقول فيه: "قرّرنا منح المسيحيين وجميع من سواهم حرية ممارسة الدين الذي يفضلون، وذلك كي تتولانا آلهة السماء بعطفها، نحن والرعايا الذين يعيشون في ظلنا على حد سواء"، انتهى في أيام جوستنيان بمرسوم طويل كُتب فيه:

"بالنسبة للهراطقة الآخرين، كما بالنسبة للهلينيين الذين يسعون جاهدين لإدخال تعدد الآلهة، وبالنسبة لليهود والسامريين، فقد عقدنا العزم على الضرب بشدة وفق ما تنص عليه القوانيين السائدة مع دعمها بالقانون الحالي"، لذلك يرى الإمبراطور: "أننا نجد أناساً تملكتهم خطيئة الهلينيين الكفرة الممقوتين، ويمارسون طقوسهم، وهذا ما يبعث لدى الرب المحب للبشر غضباً في محله".

 وبناء على مشاعر الرب الغاضبة يقرر الإمبراطور: "جميع الذين لم يحصلوا على التعميد عليهم تسجيل أسمائهم، أياً كانت إقامتهم، في العاصمة أو في المقاطعات الأخرى، والمثول أمام الكنائس المقدسة الشريفة برفقة نسائهم وأبنائهم وجميع من في البيت معهم، كي يتلقوا هناك تعاليم الإيمان المسيحي الحق. ومن بعد تلقيهم تلك التعليمات وتخليهم بصدق وإخلاص عن خطيئتهم السابقة، يصبح من حقهم الحصول على التعميد المخلّص.

"أنا سربامون الذي ولدته آريا؛ فلتكن لي بتولامايس ملك يميني، ولتصبح طوع أمري، وتحبني، وتشتهيني، وتقول لي ما يدور في ضميرها"... تعويذة "جلب الحبيب"

وليعلم المخالفون أنهم سوف يُقصون عن الدولة، وأنهم لن يسمح لهم بعد ذلك امتلاك أي شيء من الأموال المنقولة وغير المنقولة، وسوف يُتركون للفاقة والعوز دون أن يخفف ذلك من العقوبات اللازمة التي سوف تفرض عليهم".

 وبين المرسومين تاريخ وأحداث من تهديم لمعابد الآلهة ومنع طقوس الأضاحي والعرافة وتعميد قسري لقرى ومناطق، وقتل ومذابح وشغب وحرق مكاتب وكتب وتهديد علماء، وكان لمصر حصة الأسد في تدمير التراث القديم غير المسيحي.

سربامون المعاصر

يصعب تكوين تصور من التعويذة عن شخصية سربامون، فهل كان محباً صادقاً ضاقت به سبل الواقع لتحبه بتولامايس فقصد عالم الغيب، أم كان متهوّساً جنسياً يريد الفتاة بتولامايس بأي طريقة؟ وبكلتا الحالين، قصد سربامون درباً يدلّ إما على قلة حيلته أو على عدم توازن نفسي، ويجب أن نضع في حسباننا أننا نقرأ تعويذة تعود إلى زمنٍ اعتُبر فيه هذا التصرف منطقياً ومقبولاً أو مفهموماً بأقل تقدير، ولكنه بالتأكيد ليس تصرفاً حكيماً، فهل التمتع بحبيبة مسلوبة الإرادة سعادة حقيقية؟ كيف يرضى أحد الشريكين أن يكون شريكه بلا وجود واعٍ؟ وواقعياً، ألا يستطيع رجل آخر كتابة تعويذة أخرى شبيهة تعكر على سربامون سعادته في حال تحقق نص تعويذته؟

مازال أحفاد كاتب التعويذة أيضاً، في أيامنا هذه، يمارسون عمله ويكتبون نصوصاً يعتقد الطالبون لها أنها تمتلك مقدرة قسر الإرادة لتخريب "البيوت العامرة" أو "الفصل بين حبيبين" أو "جلب الحبيب"، ويبدع المشعوذ فيها نصوصاً ليست غريبة عن نص سربامون، إلا بأسماء القوى المستحضرة ربما، وتوضع في أماكن شبيهة بموضع تعويذتنا، أعلى القبور أو أعتاب الأبواب أو المزارات.

وإذا كنا نستهجن هذه الظواهر الدالة على تأخر نفسي وثقافي لمفهوم الحب، فإن أمنية سربامون تجد طريقها إلى مسامعنا حالياً على شكل قصيدة أو أغنية. ففي أحد قصائد رشيد سليم الخوري (القروي) يقول: يا نحلةٌ دون الأزاهر هِجْتها/ من ذاق شهدك لم يخف من سمّك/ لا بِدْع إن جدّدتِ لي عهد الصبا/ برضاك عني تارة وبرغمك. 

هل نستطيع أن نفترض أن القروي حصل على ما يريد من بتولامايس بالقوة، وبدون تعويذة "جلب الحبيب"، أم أن القروي كان شاعراً، وبأبياته هذه، هو المشعوذ المنفذ لفحوى مضمون التعويذة، وبسحر الشعر مرت أبياته علينا دون أن تستوقفنا؟ وإذا كان القروي شاعراً منسياً وبعيداً عن المعرفة، وهو ليس كذلك، فثمة أغنية نسمعها بين الفينة والاخرى يغنيها ملحم زين بعنوان "بدي حبك"، كلمات نزار فرنسيس، فهو يسأل: "بدي حبك، شو قلتي؟ قبلتي ولا ما قبلتي؟"، ثم يتحول إلى سربامون الذي تنفذت رغبته بدون تعويذة:

"فارض حبي عليك فرض، الغيمة الـ بتشتي على الأرض، ما بتستأذن تتشتي". وبغض النظر عن مرض Stalker الذي يعانيه المغني وفيق حبيب في أغنية "ليكي ليكي ليكي"، فهو منذ مدة يتابعها أين ما ذهبت، ويقسم بالله أنه بلا عمل إلا السعي حولها ومعرفة أسرارها ومشاويرها وزوارها وأعدادهم، إلى أن يقول: "غصبن عنك رح حبك، ليكي ليكي ليكي غيري ما بيسكن قلبك"، ومن يعلم ربما بعد فترة من المطاردة يلجأ بطل الأغنية إلى مشعوذ ما لتعويذة جلب الحبيب!

عالم الأغنية الأقرب إلى الناس وحياتهم أكثر وفرة بموضوع القسر بالحب وعدم المبالاة أو إلغاء إرادة الحبيبة

إن العثور على نماذج في الشعر العربي تشابه نموذج رشيد الخوري نادرة وصعبة رغم وفرة مادته المتحرّرة من القيود والأعراف عبر عصوره الطويلة، ولكن عالم الأغنية الأقرب إلى الناس والأصدق تعبيراً عن حياتهم أكثر وفرة بموضوع القسر بالحب وعدم المبالاة أو إلغاء إرادة الحبيبة، ومن هنا نقرأ عند الشاعر كمال خير بك في كتاب "البركان" يرد على عقلية القروي الاجتماعية التي طلبت الحب في سياقاتها الإلغائية، فيقول في قصيدة نظمت دفاعاً عن المرأة في معركة شعرية بين بضعة شعراء التزموا وزناً واحداً وقافيةً واحدةً.

فاضطر الشاعر مكرهاً أن يعتمد هذه القافية: يا شاعري، تذوي القصائد والبدائع دونهنه/ إن كان ما تهوى بهنه إطعام جوعك لحمهنه/ وتمرغ الكفين والشفتين بين نهودهنه/ أفلسن أعظم إن عصين، وإن حفظن عفافهنه؟!/ إن ذبن في نيرانك الحمراء عطراً واحترقنه/ هل كان غير شتيمة صفراء آخر حبهنه؟!/ يكفيك أن تروي وحوش النار من أجسادهنه/ وإذا تململ مرة تحت الرماد إباؤهنه/ وكفرن بالقلب المصدأ واستحى تاريخهنه/ كان ادعاؤك بالخيانة، منك بعض نصيبهنه.

إن الرابط الأخلاقي بين تعويذة سربامون ومعاصريه من المؤمنين بفائدة الشعوذة والشاعر أو القاص أو المغني الذي ينادي بأمنية سربامون علناً في حلة جمالية، ليس واهياً أبداً، فالمجتمعات التي تعتقد بالسحر، وبهذه النقطة بالتحديد، لها سياقاتها وموروثها وظروفها التي أحكمت التأخر في جوانب حياتها النفسية والمادية، لتعتمد على قوى غيبية في تحصيل أحلامها، وفي هذا تبرير لواقعها التعس. أما قيام منادٍ بخلق حالة جمالية حول هذا الشعور أو المطلب في الحياة ضمن قالب فني أو فكري، وإن كانت فضيلته الوحيدة أنه يتحدث بلغة الشارع، فهو قتّال لشمولية الحب ورقي العاطفة، ومهدّمُ لتنبه قوة الحس الباحثة عن حياة أمثل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard