في كل صورة التقطتها للقاهرة، أرى شبح دمشق

الأربعاء 1 سبتمبر 202101:20 م
غادرت دمشق، وأنا في منتصف العشرينات من عمري. مضى على وجودي في القاهرة ثماني سنوات، خلالها أقمت في ستة أحياء؛ (المعادي، والهرم، ومدينة 6 أكتوبر، والجيزة، وفيصل، والدقي)، وسبعة بيوت. وهذا كثير علي، كشخص لا يحب التنقل كثيراً.

ألتقط صوراً لحياتي اليومية في القاهرة، أكثر من الكتابة، أو الحديث عنها. بدايةً، لم ألحظ ذلك، كنت مدفوعاً بشغف التصوير من أجل التصوير فحسب. منذ أن قدمت إلى القاهرة، بداية عام 2013، وأنا التقط الصور لشوارع وسط البلد، وكورنيش النيل، والكباري، والمقاهي، والأصدقاء، والأماكن، والأحياء التي سكنت فيها، والبيوت، والنوافذ. غالبية الصور التقطتها بعدسة هاتفي الجوال، والقليل منها بكاميرا من ماركة "CANON".

في السنوات الأولى في القاهرة، لم يخطر لي أن أكتب عنها. كنت أظن أن إقامتي ستكون قصيرة؛ فإما العودة إلى سوريا، أو مغادرة القاهرة إلى أوروبا. لكن ما حدث أنني لم أعد أستطيع العودة إلى سوريا، ولم يحالفني الحظ للسفر إلى أي بلد أوروبي. أما في السنوات الثلاث الأخيرة، فبدأت أفكر في الكتابة. ومجرد محاولة التفكير، أصابتني بارتباك وخوف، لأسباب تتعلق بكثافة عوالم مدينة صاخبة مثل القاهرة، بحيواتها العديدة والمتشابكة، وتناقضاتها، والتحولات السياسية والاجتماعية التي طرأت عليها خلال السنوات العشر الأخيرة.

أتذكر اللحظة التي كنت أنظر فيها إلى القاهرة من الطائرة، قبل هبوطها. شعرت بالرهبة والخوف. لم أعتد العيش في مدينة تعداد سكانها يوازي تعداد سكان سوريا. مع ذلك، أخذتني الحماسة وروح التحدي، وقررت أن أقضي جل وقتي متسكعاً في وسط المدينة، والتعرف إلى المصريين، وتكوين صداقات جديدة. لكن في المقابل، كان هناك خوف من المستقبل. فبعد مضي نحو شهر على وجودي في القاهرة، بدأت تداعيات "صدمة الخروج" من سوريا تحاصرني. بعد ذلك، سيأتي حدث كبير، وهو قصف النظام السوري لمنطقة الغوطة في دمشق، بالسلاح الكيماوي، بتاريخ 21 آب/ أغسطس 2013، الذي كان بمثابة الصدمة التي جعلتني أمشي في شوارع القاهرة مغمض العينين، أمشي، وأنا في حالة شرود تام، متأملاً حياتي في سوريا قبل الثورة، وكأنها حلم استيقظت منه في عام 2013.

سيُدمَّر حي جوبر الدمشقي، حيث نشأت، وعشت. غرقت في حالة من "النوستالجيا". كنت أفتح محرك البحث "غوغل" يومياً، وأكتب "حي جوبر – صور قديمة"، فلا تظهر لي سوى صور الدمار 

الشعور بالاقتلاع أصبح أعمق، بعد مشاهدة فيديوهات الناس الذين قُتلوا وهم نيام، وصورهم، ومن كانوا يختنقون، ويحتضرون ببطئ، بالإضافة إلى الفيديو الشهير لطفلة صغيرة تسأل الطبيب، وجسدها يرتعش: "أنا عايشة؟"، فيطمئنها الطبيب بأنها ما زالت على قيد الحياة، لتعيد تكرار الجملة "أنا عايشة... أنا عايشة".

بعدها، سيطبق النظام السوري حصاراً خانقاً على أهالي الغوطة الشرقية سيدوم خمس سنوات. وفي عام 2018، ستقصف روسيا والنظام السوري المنطقة بالكامل، وسيُدمَّر حي جوبر الدمشقي، حيث نشأت، وعشت. غرقت في حالة من "النوستالجيا". كنت أفتح محرك البحث "غوغل" يومياً، وأكتب "حي جوبر – صور قديمة"، فلا تظهر لي سوى صور الدمار. استطعت أن أجد صورة تعود إلى شتاء العام 2014، ويظهر فيها شارع الأصمعي، وهناك آثار لبقايا الثلج المتراكم على حافات الأرصفة، ويظهر من بعيد، في عمق الصورة، جسر زملكا. كانت هذه الصورة قريبة جداً إلى الذاكرة، إلى شارع قريب من بيتي، مشيته ذهاباً وإياباً آلاف المرات. صورة التُقطت سريعاً لشارع غير واضح المعالم، ليس فيها أي جماليات، وواضحة فيها آثار القصف والرصاص على الأبنية، وواجهات المحال (قبل القصف الكامل للمنطقة).


ميدان طلعت حرب (تصوير سامر مختار)

عندما قررت أن أطبع صوراً لمدينة دمشق، وأعلّقها على جدران بيتي في القاهرة، كانت هذه الصورة من ضمنها. كان يزورني بعض الأصدقاء المصريين، ويتأملون الصور، فتلفت انتباههم صور "شارع القميرية"، في دمشق القديمة، وشارع "مدحت باشا"، و"باب السلام"، ولقطة للقوس الحجري المجاور لبوابة الجامع الأموي المطلة على مقهى النوفرة في دمشق القديمة. أما تلك الصورة غير واضحة المعالم، فلم تكن تلفت نظر أحد، وهذا طبيعي. إنها صورة لشارع، التُقطت بشكل عبثي، لتوثيق الدمار، لكنها الوحيدة التي بإمكاني أن أحكي قصتي من خلالها. الصورة الوحيدة التي بإمكاني أن أشير فيها إلى شارع قريب جداً من مكان ولادتي، وطفولتي.

في عام 2019، استطاعت عائلتي الدخول إلى حي جوبر، وتفقُّد مكان بيتنا. أرسلت لي أمي صورتين: الصورة الأولى ليس فيها سوى جبل من ركام، وكتبت إلي: "لم نستطع إيجاد أي شيء صالح للاستعمال من محتويات البيت، لإخراجه من تحت الركام. لم يتبقَ شيء سوى الصدأ". ذُهلت من رسالة أمي، وأملها الكبير في استخراج أي شيء من مقتنيات البيت الذي خرجوا منه منذ عام 2012، هرباً من القصف. بدوري، وبتلقائية شديدة، أغمضت عيني، وبدأت أستعيد تفاصيل البيت، ومقتنياته. كانت أمي مصابة بـ "بوسواس النظافة"، فنصف عمرها قضته وهي تنظف البيت بشكل شبه يومي، وقد ورثت عنها هذه العادة إلى حد ما. تذكرت "جهاز عرسها" الذي كان مرصوصاً داخل "فاترينة" ("النيش" كما يسمى في مصر). كانت الرفوف مليئة بأطقم فناجين الشاي، والقهوة، وأنواع مختلفة من أكواب العصير، من الأحجام والأشكال كافة، التي لم تسمح لنا إلا باستعمال القليل منها. اليوم عندما أتأمل صور "الفاترينة"، أضحك، وأقول في سري: ربما هذه هي العلامة "الوهمية" الوحيدة التي تدل على أن من كانوا يقطنون هذا البيت، ينتمون إلى الطبقة الوسطى من المجتمع.

انهماكي في التقاط صور كثيرة، لشوارع وأماكن في القاهرة، هو ربما أشبه بعملية تعويض، ففي كل صورة ألتقطها لشارع، أو مكان ما، فيها، أرى شبح مدينة دمشق 


حي جوبر قبل الدمار، 2015

أما الصورة الثانية، فهي لقطة بعيدة لأبي، وهو يمشي متكئاً على عكازه، وسط ركام المنطقة، وتُظهر الصورة جزءاً من المنطقة، كأن الحياة لم تكن فيها من قبل قط. هذه الصور ذكّرتني بكابوس حلمت به عام 2010: أذكر أنني في يوم من أيام ذلك العام، قررت إحراق أوراق كثيرة، كنت قد دوّنت عليها قصائد رديئة، وجزءاً كبير من مذكراتي الشخصية، وكان السبب الأول، هو خوفي من أن تقع في يد أحد من عائلتي، فتُعرف عني تفاصيل خاصة جداً، لا أرغب في الإعلان عنها. والنصوص الأدبية الرديئة أحرقتها، لأنني عندما أعدت قراءتها، خجلت. وفي ليلة ذلك اليوم، حلمت بأنني أقف أمام بيتنا، لكنني لم أجد شيئاً، لا البيت، ولا بقية البيوت والشوارع في حي جوبر. كنت أقف وفي جواري أبي، على أرض جرداء واسعة، وسألني أبي: أين ذهب البيت؟

ألوم نفسي اليوم، لأنه لم يخطر لي أن ألتقط صوراً لحي جوبر. أتذكر ورشات النجارة، والخشب، الكثيرة التي كانت في الشارع. كانوا فنانين بامتياز، وكان كل صاحب ورشة مختلفاً عن الآخر، فمنهم من هو مختص بتصميم البيوت، وحمامات الساونا من الخشب، وآخر بالحفر والرسم على الخشب، وتصميم غرف النوم من الزان والسنديان. ناهيك عن مهنة " الأرابيسك" التي كانت منتشرة في حي جوبر. كذلك، كانت ثمة ورشات لصناعات حرفية كثيرة، أهمها النقش على أواني النحاس. هذه التفاصيل كلها، كانت تستحق التصوير، قبل أن تُمحى هي وسكانها. لكن الأمر الذي يبعث على الحزن أكثر، هو أنه ليس ثمة صور شخصية لي في حي جوبر، أثبت من خلالها أنني كنت يوماً ما هناك.

انهماكي في التقاط صور كثيرة لشوارع وأماكن في القاهرة، هو ربما أشبه بعملية تعويض. ففي كل صورة ألتقطها لشارع، أو مكان ما، فيها، أرى شبح مدينة دمشق. ومن ناحية أخرى، هناك شعور ما، نابع من اهتزاز علاقتي بالأمكنة التي أعيش فيها، في الوقت الحالي، ونابع من فقدان الأمان، وانعدام الثقة في فكرة البقاء في المكان نفسه، مدةً طويلة.

في القاهرة، صار لدي ابن، من أم مصرية، سيُتمّ عامه الثالث قريباً. لا أعرف ما الذي تخبّئه الأيام لي، ولا أعلم إن كنت سأبقى في مصر، أم سأغادرها يوماً ما. لكن لديّ صوراً كثيرة لشوارع القاهرة، وللأماكن والأحياء التي عشت فيها، كما لدي أيضاَ صور شخصية لنا، ونحن نتسكع في شوارع المدينة، وعندما يكبر طفلي، سأقول له: كنتَ هنا يوماً ما.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard