هربنا من صورة الخميني إلى صورة الصبية التي ضمّت زجاجة بيرة بين نهديها

الاثنين 4 أكتوبر 202112:40 م

فجأةً، صمت المقصّ في يده، وتوقفت الرنة الرتيبة فوق رأسي، وخفّت، وقلت في سري: ثمّة خطب ما. التفتُّ إلى أبي نضال مستفسراً، فلم يجبْ، بل زاد الطين بلّة بنظرته الغريبة، كأنما صار مزيجاً من الأب، ومدرب الفتّوة، في اللحظة نفسها. تركني لحيرتي، وذهب إلى الرّف الخشبي الذي يحتاج إلى كرسي كي تصل أصابعه إليه. حينها، تساءلت ما الذي يجعل أبا نضال يثبت الرف على هذا العلو غير المناسب لطوله؟!

تأكد من ثبات الكرسي على عجل، ثم صعد عليها، ولم ينسَ أن يشير إليّ، وإلى الجالسين المنتظرين دورهم، أن نصمت، وألا ننبس ببنت شفة. هو لم يقل هذه العبارة تحديداً، لكنني متأكد من أنه لو نطق، لقالها، فهو الحارس الأمين لكل ما جاء في كتب اللغة العربية المدرسية. وقعنا جميعاً في تحدي ضبط الضحك، إذ كان مشهد أبي نضال كوميدياً، بينما يعتلي الكرسي، ويستمع بإنصات لا مثيل له، ولا زال المقص بيده، بوضعية لا تسمح بأي احتكاك بين الشفرتين، ولو مصادفةً، يستمع إلى تفاصيل نشرة الأخبار.

كنتُ لا أزال على الكرسي مغلّفاً برداء يخنقني بربطة على العنق، رداء من المفترض أنه يمنع وخز الشعر المقصوص، والمتناثر، لكن لسبب ما، لا ينجح في هذه المهمة. لم أفهم حينها لماذا اعتقدت أن مجرد هرش ظهري، وعنقي، قد يثير الضجيج، ويعطل أبا نضال عن تفاصيل نشرة الأخبار، لذا تحملت آلام الوخز بهدوء معتقل.

كان جهاداً حقيقياً أن نقنع أهلنا بفكرة استبدال الحلاق أبي نضال، بالمزيّن مضر، وتستمر الجدالات من دون حسم واضح... لكننا في النهاية، كنا نغافل الأهل في طريقنا إلى الحلاق أبي نضال، لندخل محل مضر خلسةً، كأننا ندخل ماخوراً

نعم كان الدخول إلى محل الحلاق أبي نضال، تجربة مقيتة وقاسية، نتحملها لأنه الحلاق الوحيد في حيّنا، وفي الأحياء المجاورة. بقينا على هذا الحال طوال فترة المرحلتين الابتدائية والإعدادية. المدير في المدرسة يضرب فوق أصابعنا بالعصا، بينما أصابعه تشدّ سوالفنا الطويلة، بقسوة ولؤم، ويؤكد أننا مسرح متنقل للقمل. نعم كان يقولها على هذا النحو تماماً، إذ إن المدير كان أحد أهم الشعراء الذين لا يفوّتون احتفالية تقام، أو أي مهرجان شعري في أي مركز ثقافي، ليلقي فيها قصائد عن الانتصار، والمجد، والأمة العربية الواحدة التي تملك رسالة خالدة. وما إن تنتهي مهمة المدير في وصف رؤوسنا شِعراً، مع بعض الحركات القاسية التي لا تناسب مجازه اللغوي العالي، حتى يتكلم، بينما أنا أراقب شاربه الغريب، الذي فهمت لاحقاً أنه موضة تنتحل شارب الممثل كلارك غيبل، مع فارق الوسامة والأناقة. ثم يغادر المدير تاركاً المهمة التأديبية لمدرب الفتوة، ويأتي هذا الأخير، وبيده ماكينة حلاقة يدوية يبدو أن مهمتها الأساسية عض الشعر، وليس حلاقته.

يمررها في مقدمة رؤوسنا، ثم يبتسم، ويغمز بطرف عينه المعلمة وصال، التي لقسوتها، وصوتها "الزاعق" دائماً، كنا نظنها زوجته. ينظر إليها بحنان وحب، ثم يقول بلهجة لئيمة منتصرة: "وهاي عملنا لكل واحد أوتوستراد بنص راسو، شو رأيك؟" (هذه العقوبة التي سنرتاح منها سنوات عدة لاحقاً، ثم ستعود إلينا في الخدمة الإلزامية، كتشريع لا بد منه في أعراف وقوانين العقوبات المذلة).

"كل واحد بيروح عند هاد الحلاق الجديد خاين. تاني مرة بكسر إجرك إذا بتروح غير عند أبو نضال"

تبتسم المعلمة، وتشير إلينا بالعصا، لنذهب إلى صفوفنا بسرعة البرق، ونكمل اليوم المدرسي بملامح مشوهة، ونسترق النظر إلى نظرات الحبيبات الحزينات على ملامحنا، أو صديقاتهن الشامتات، ويصير لا بد لنا من أن نذهب إلى الحلاق أبي نضال، لنرمم الخراب الذي أحدثه مدرب الفتوّة، بخراب جديد يكمله أبو نضال بدقة عالية، وننتظر دورنا بملل، ونراقب صور قائد المسيرة على الجدران، وشعارات الحزب، والمنظمات التابعة له. ثمة صورة لشيخ ذي لحية رمادية، يضع على رأسه عمامة سوداء، وينظر بذكاء حاد، وكثيراً ما كنت أتحدى صاحبها بالنظرات، وهو يحدّق بي بعيون ذئب، وأنا أمدّ له لساني بجرأة المتأكد من أن خصمه مكبّل بصورة، وتحت الصورة كُتب بخط أنيق: "الثورة الإسلامية الإيرانية"، وأمامنا على الطاولة أعداد مجلة المناضل العربي التي يصدرها الحزب، ومجموعة من النشرات التي تؤكد انتصارنا على الإمبريالية العالمية، وأذيالها، وعلى الإقطاع، والتخلف، والقوى الرجعية في البلاد، والاستعمار، والسرطان الذي وُضع في قلب أمتنا العربية. وبينما تكون غارقاً في نشوة الانتصارات غير المسبوقة على ما سبق كله، تأتيك صفعة أبي نضال لتذكرك بأن دورك قد حان. لوهلةٍ، كنت أظن أن الرجل ذا اللحية الرمادية، مد يده من الصورة، ليرد على لساني الممدود بهذه الصفعة، وإن كانت خفيفة.

في عصر أحد أيام العطلة الصيفية، وقفنا مشدوهين نتفرج على واجهة محل جديد في حيّنا. ثمة صورة لشاب يملك شعراً أشقر مصففاً بعناية شديدة، ومكتوب تحت الصورة بخط ذهبي لامع: "المزين مضر للحلاقة الرجالية... سبايكي... بانكي، وكل التسريحات العصرية".

كان جهاداً حقيقياً أن نقنع أهلنا بفكرة استبدال الحلاق أبي نضال، بالمزيّن مضر، وتستمر الجدالات من دون حسم واضح، ولا أحد حتى اليوم يعرف لماذا تحديداً، كان الأهل يرفضون الفكرة. لكننا في النهاية، كنا نغافل الأهل في طريقنا إلى الحلاق أبي نضال، لندخل محل مضر خلسةً، كأننا ندخل ماخوراً. كل شيء هنا مختلف. إنه عالم من السحر والرقة، وابتسامة مضر المرحّبة، وكلامه اللطيف، وأغانيه الحلوة بـ"ريتم" سريع، والتي لم تكن تتكلم عن الانتصارات، ولا يقطعها صوت المذيع، ليسرد على مسامعنا نشرة الأخبار التي لا نفهم منها حرفاً واحداً، إلا كلمتي "استقبل وودّع". لم يكن مضر يسألنا أسئلة جدول الضرب المباغتة، لذا لن نخطئ، ولن نتلقى أي صفعة تذكيرية خفيفة.

لم تكن على جدران المزين مضر، إلا صور عدة، من بينها واحدة فقط للقائد، بلاصق شفاف عند أطرافها، وثمة لوحة تؤطر "آية الكرسي". كنت حينها أتساءل ما سرّ وجودها في محال الحلاقة؟ وأيّة كرسي يقصد الله بالتحديد؟!

كان يملك ماكينة كهربائية غاية في اللطف والدقة، وأمشاطاً عدة بأشكال غريبة، ويغسل شعرنا بماء دافئ، ثم يجففه بلطف، بجهاز ينبعث منه هواء ساخن، ثم يضع عليه مادة لزجة تثبته، وتجعله لامعاً. ذلك كله، يذكّرنا بلسعات الماء البارد الذي كان يبللنا به حلاقنا القديم، لإزالة زغب الرقبة بموس يجرح، بينما الأصدقاء المنتظرون دورهم، لا يبدو عليهم التململ أو السأم، بل كنتَ تلمح في وجهوهم مزيجاً من التعابير التي لا يمكن تفسيرها، أو فهمها بدقة، ويقلبون بأصابع متلهفة صفحات مجلات "الشبكة"، و"الموعد"، وصفحات ملونة، وممثلات ومغنيات بثياب شهية، وفي الصفحات الأخيرة هناك الكثير من الصور لحفلات باذخة، وأجساد مذهلة، وطاولات كبيرة، وكؤوس وزجاجات ثمينة، وقوالب كاتو، وجميعهم يضحكون في الصور، يضحكون كثيراً، هذا كله تحت عنوان عريض: "مجتمع"، وكنا نقلبها ألف مرة في كل زيارة وانتظار، حتى صرنا نشكّك بكلام معلم "التربية الوطنية القومية"، حين يشرح لنا معنى المجتمع.

ولم تكن على جدران المزين مضر، إلا صور عدة، من بينها واحدة فقط للقائد، بلاصق شفاف عند أطرافها، وثمة لوحة تؤطر "آية الكرسي". كنت حينها أتساءل ما سرّ وجودها في محال الحلاقة؟ وأيّة كرسي يقصد الله بالتحديد؟! كما كانت هناك صورة لصبية بشعر غجري، تلبس قميصاً أبيض شفافاً، بأزرار مفتوحة عند الصدر، وكانت تضم عند مفترق نهديها، زجاجة بيرة خضراء، يرشح زجاجها من البرودة، وثمة قطرات تسيل على نهدها الأيسر.

وحين نصل إلى البيت، نستدير مرات عدة، لتطمئن الأم، وتستكشف مدى نجاح الحلاقة، ودقة الحلاق، وعلى مضض تتقبل الأمر، بعد أن تكتشف أننا بدّلنا حلّاقنا، وتعجبها النتيجة، لكنها تخفي ذلك بعبارة تخفف شعورها بالذنب: "بس بضل أبو نضال خبرة قديمة". وحين يسمع أبي هذه الجملة، ينهض من مكانه، ويقف مثل مارد قبالتي، مؤنّباً: "كل واحد بيروح عند هاد الحلاق الجديد خاين. تاني مرة بكسر إجرك إذا بتروح غير عند أبو نضال"... خفت، وارتبكت، وقلت له من دون أن يسمعني: "أنا فقط أهرب من جدول الضرب، ومن الصفعات التي لا تنتهي، ومن ماكينته التي تعض بلؤم، ومن الماء البارد الذي يرشنا به".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard