كيس الحليب والبطاطا يفسدان حملة الوعود الانتخابية في الجزائر

الخميس 11 نوفمبر 202105:12 م

 لا شيء يوحي في الجزائر العاصمة وجود حملة انتخابية بين مرشحين أحرار، وآخرين يمثلون أحزاباً سياسية، للتباري للانتخابات البلدية المزمع تنظيمها في السابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. فلا حديث في الشارع سوى عن أسعار البطاطا والزيت والعجائن والبقوليات بمختلف أنواعها وحتى كيس الحليب الذي بات الحصول عليه صعب المنال.

انطلقت الخميس 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الحملة الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية عن طريق الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة، وهي الاستحقاقات التي تعتبر استكمالاً لمسار البناء المؤسساتي للدولة تماشياً مع الدستور الجديد.

ويأتي هذا الاستحقاق الانتخابي بعدما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، نهاية آب/أغسطس الماضي، حل المجالس الشعبية البلدية والولائية وتنظيم انتخابات مبكرة في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني، واستبق هذه الخطوة بحل المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري) وأعيد انتخاب هذه الهيئة التشريعية في 12 يونيو/ حزيران الماضي.

وكشفت ثلاثة تشكيلات سياسية مقاطعتها للانتخابات البلدية ويتعلق الأمر بحزبي "العمال اليساري" بقيادة لويزة حنون و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، أقدم حزب علماني معارض وأيضاً حركة النهضة الجزائرية (حزب محسوب على التيار الإسلامي في البلاد)، فيما قرر حزب "جبهة القوى الاشتراكية (أقدم حزب معارض في البلاد) المشاركة في الانتخابات بعد أن قاطع الانتخابات البرلمانية الماضية، ومن المرتقب أن يحصد حصة غريمه "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" الذي يعرف اختصاراً بـ "الأرسيدي" في منطقة القبائل شرق البلاد باعتبارها عقر دار قواعدهما النضالية.

وأعلنت في وقت سابق بيانات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن أن 5848 قائمة ستخوض المنافسة في الانتخابات المقبلة في 1541 بلدية و58 ولاية، بينها 4860 قائمة تمثل 40 حزباً سياسيا،، فيما قدم المستقلون 988 قائمة ستتنافس في البلديات.

"ما يهمني اليوم هو النيران التي اشتعلت في الأسواق، والبطاطا التي أصبح سعر الكيلوغرام الواحد منها دولاراً أمريكياً، ومعاشي الذي يكفي لتغطية حاجات عشرة أيام وأقل"

البطاطا تغطي الحدث

"ما يهمني اليوم هو النيران التي اشتعلت في الأسواق، والبطاطا التي أصبح سعر الكيلوغرام الواحد منها دولاراً أمريكياً، ومعاشي الذي يكفي لتغطية حاجات عشرة أيام وأقل، فحالما أتسلمه يذهب جزء كبير منه لتغطية الديون".

هكذا رد "عبدو"، سائق سيارة عمومية في العقد الرابع من عمره وأب لثلاثة أطفال عند سؤاله عن موقفه من الانتخابات البلدية التي ستنظم بعد 17 يوماً.

أكثر ما يشغل عقل الرجل هو كيفية توفير لقمة عيش أطفاله في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار مختلف المواد ذات الاستهلاك الواسع كالغذاء أو الدواء أو حتى المياه الصالحة للشرب التي صارت تستنزف هي الأخرى الجيوب بسبب الجفاف الذي ضرب الأرض.

يقول عبدو لرصيف22 إنه لم يعد بإمكانه سوى توفير الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها مثل الخبز والحليب وسداد فاتورة اشتراك الكهرباء والماء وبدل الإيجار حتى لا نجد أنفسنا في الشارع".

وبعبارات مليئة باليأس والإحباط رد "حمزة"، شاب في العقد الرابع من عمره، موظف حكومي، على سؤال بشأن الانتخابات: "لا أمل. ولا شيء يشجع على الأمل للانخراط في الانتخابات. سنكون أمام نفس الأكاذيب والفقاعات الانتخابية، ففي كل محطة انتخابية يتم بيع الأوهام للسكان خاصة لقاطني المناطق النائية والجنوب الكبير بهدف استغلال أصواتهم. لكن بمجرد الفوز يتم إقصاؤهم ولا يتحقق شيء مما وعدوا به".

ويتابع حمزة: "سماسرة الانتخابات يغزون الساحة في كل دورة انتخابية ويغرقونها بالوعود والمشاريع المزيفة ثم يرحلون دون أن ينفذوا ما وعدوا به، وخير دليل على الأمطار التي تعري مشاريع البنى التحتية مثلما حدث الثلاثاء الماضي في قرية مول الديوان" التابعة لبلدة ذراع بن خدة بتيزي وزو، إذ تسببت مياه الأمطار بانهيار البنى التحتية المغشوشة بعدما جرفتها السيول، ناهيك بالأرصفة والمساحات الموحلة بين الأبنية، والتي تدفع السكان إلى وضع ممرات بأنفسهم حتى يتسنى لهم العبور إلى بر الآمان".

سوق بالجزائر - ويكي كومونز 

مخاوف من العزوف الصادم 

ولكسر الفتور الانتخابي واستدراج الناخبين، يحاول المرشحون للانتخابات البلدية تحقيق مآربهم باستعمال شتى الطرق كإقامة المآدب والولائم، إذ أشعلت صور الشخشوخة (من أشهر المأكولات الشعبية بالجزائر) وضعت داخل "البرويطة" (العربة اليدوية الصغيرة المعروفة ذات العجلة الواحدة بمقبضين طويلين) مواقع التواصل الاجتماعي وحركت مشاعر الغضب في قلوب النشطاء. 

وأبرز ملاحظات الأسبوع الأول من الحملة الدعائية تتعلق بوجود إقبال باهت على المشاركة في التجمعات الانتخابية وغياب التفاعل الشعبي.

"سماسرة الانتخابات يغزون الساحة في كل دورة انتخابية ويغرقونها بالوعود والمشاريع المزيفة ثم يرحلون دون أن ينفذوا ما وعدوا به"

ويقول مرشح لرئاسة إحدى البلدات في العاصمة الجزائرية زايدي عمر (اسم مستعار) ونبرة الخوف واضحة في حديثه: "الوضع لا يختلف إطلاقاً عن الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو/ حزيران الماضي، فالإقبال الشعبي على التجمعات ليس كبيراً، والتفاعل الشعبي يتراجع يوماً بعد يوم، رغم طبيعة الانتخابات البلدية إذ يصادفك مرشح أو مرشحة في كل حي أو شارع تمر منه، ولذلك اتجه المرشحون نحو مواقع التواصل الاجتماعي من أجل استمالة الناخبين ومحاولة استدراجهم بالوعود الانتخابية".

ويعترف مدير الاتصال والقيادي في حزب جيل جديد، حبيب براهمية، بصعوبة استدراج الناخبين، ويقول لرصيف22 إن هناك أزمة ثقة عميقة بين المواطن وممارسي السياسة، ولذلك نتوقع أن تكون نسبة المشاركة منخفضة وهو نفس السيناريو الذي عشناه في الانتخابات البرلمانية في 12 يونيو/ حزيران الماضي، والتي سجلت أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات الجزائرية عندما لم تتجاوز 30 في المئة بمقاطعة بعيش فيها أكثر من 18 مليون ناخب.

ويضيف: "الجزائريون لا يؤمنون بالعملية الانتخابية، وهو ما يثبت حالة التخبط التي يعيشها المشهد السياسي في البلاد اليوم، فهناك مشكل عويص يتعلق بثقة المواطن بأهداف الانتخابات ومدى تحقيق التغيير المنشود، وقد يعود هذا إلى الممارسات التي كانت سائدة من قبل".

ويختم براهمية تصريحاته بالقول إن المشكل عميق ويحتاج إلى نقاشات فعلية من أجل التغلب على ظاهرة عزوف الجزائريين عن صناديق الاقتراع.

وفي نفس السياق، طالب رئيس حزب "صوت الشعب" البروفيسور لمين عصماني الأحزاب السياسية المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي بإعادة النظر في مستوى الخطاب السياسي وطبعه بالواقعية من أجل إقناع الجزائريين بالمشاركة السياسية.

ووفق لمين عصماني، فإن الإشكال القائم اليوم هو العزوف الانتخابي الكبير، والغريب أن المجتمع الذي قام بحراك شعبي كبير لم ينخرط في العملية السياسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard