متاهة في القضاء اللبناني... معركة تنحية المحقق بانفجار المرفأ انتقلت إلى قصر العدل

الخميس 11 نوفمبر 202112:17 م

في قضية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، شربكة دعاوى، ودعاوى مضادة، تستحق توصيفها بالمتاهة المجنونة. الضغوط السياسية والميدانية والإعلامية، فشلت نسبياً، حتى الساعة، في منع القضاء من الاستمرار في عمله، ومن وقف مسار التحقيق. الضغوط السياسية عطّلت الحكومة التي انتُظر تشكيلها منذ التفجير المشؤوم الذي دمّر نصف العاصمة بيروت، في الرابع من آب/ أغسطس 2020. الضغوط الميدانية تخطّت نطاق التحركات في الشارع، إلى حد عراضة تُذكّر بالحرب الأهلية اللبنانية. والضغوط الإعلامية وصلت إلى حد محاولة تفريق أهالي الضحايا، عبر إنشاء لجنة جديدة لا تخرج عن طوع "حزب الله".

في المقابل، المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مستمر في تحقيقاته، ولم يعلّق مطلقاً على ما يحصل. أمام هذا الواقع، نقل المدّعى عليهم في القضية، المعركة إلى داخل البيت القضائي، لمحاولة عرقلة التحقيق، فبدأت الجهات المدّعى عليها بإغراق القضية بالدعاوى المضادة في وجه البيطار. 

الضغوط الميدانية تخطّت نطاق التحركات في الشارع، إلى حد عراضة تُذكّر بالحرب الأهلية اللبنانية. والضغوط الإعلامية وصلت إلى حد محاولة تفريق أهالي الضحايا، عبر إنشاء لجنة جديدة لا تخرج عن طوع "حزب الله"

في القضية اليوم، أكثر من دعوى رد، ونقل، ومخاصمة، رفعها وزراء سابقون يرفضون المثول أمام المحقق العدلي. المحامي فاروق المغربي، الذي يعمل على كشف الثغرات والتعديات في هذه الدعاوى، للقيام بالمقتضى القضائي لردّها، شرح طبيعة الدعاوى المرفوعة في وجه البيطار، قائلاً: "هناك دعوى الرد التي توقف نظر القاضي في القضية، ودعوى النقل التي تُنقل بموجبها القضية من يد القاضي الحالي إلى قاض آخر، كما حصل مع القاضي فادي صوان، وهناك دعوى المخاصمة التي توقف نظر القاضي في ملف الشخص المدّعي".

التطور الأخير في القضية، هو مباشرة المدّعى عليهم تقديم دعاوى لرد القضاة الذين ينظرون في دعاوى الرد بحق البيطار، مثل دعوى رد القاضي نسيب إيليا، والقاضية المستشارة في الغرفة معه، عن النظر في الملف رقم 69 المقدّم من قبل الوزير السابق يوسف فنيانوس، لردّ القاضي بيطار عن قضية المرفأ. هذه الدعاوى فتحت الباب أمام دعاوى جديدة، وهي دعاوى الرد بحق القضاة الناظرين في ملفات القضاة الناظرين في رد المحقق العدلي في قضية المرفأ، مثل دعوى رد القاضي حبيب مزهر عن النظر في الملف رقم 72، لرد القاضي نسيب إيليا عن النظر في الملف 69، لرد القاضي طارق البيطار. يصف المغربي ما يحصل بـ"متاهة الجنون".

أصدر نادي قضاة لبنان بياناً رأى فيه أن "ما يحصل هو محاولة لتطويع ما تبقى من قضاة خارجين من قبضة السياسيين"، وطالب بـ"رفع اليد عن القضاء، رحمةً للبلاد والعباد، وليكمل المسار القضائي طريقه من دون أي تعسف، أو إساءة".

أمام هذا الواقع، أصدر نادي قضاة لبنان بياناً رأى فيه أن "ما يحصل هو محاولة لتطويع ما تبقى من قضاة خارجين من قبضة السياسيين"، وطالب النادي الذي تأسس لنصرة استقلالية القضاء، بـ"رفع اليد عن القضاء، رحمةً للبلاد والعباد، وليكمل المسار القضائي طريقه من دون أي تعسف، أو إساءة، لأن محكمة التاريخ لن ترحم".

وقال قاضٍ مقرّب من نادي القضاة لرصيف22، إن "ما يحدث اليوم سببه عدم وجود استقلالية للسلطة القضائية. لو أن المراكز القضائية متحررة من الطبقة السياسية، لما تمكّنوا من استخدام أدواتهم الموجودة في القضاء. وكان هامش المناورة ليكون أضيق بكثير، لو كان هناك قضاء مستقل. فما كان محامي أحد المطلوبين ليتجرأ أن يقول إنه يحكم العدلية بجزمته، لأن خطته لعرقلة التحقيق لم تمرّ. ولا كان اللواء عماد عثمان (مدير عام قوى الأمن الداخلي)، ليرفض تنفيذ مذكرة صادرة عن النيابة العامة، لجلب أحد الموقوفين، كاسراً بذلك تبعية الضابطة العدلية للنيابة العامة".

انتقلت المعركة اليوم، من مواجهة المحقق العدلي من الخارج، إلى داخل البيت القضائي، فبعض القضاة "أصبحوا رأس حربة في هذه المعركة"، حسب تعبير المصدر القضائي الذي يشرح: "الخصم له حق التقدّم بدعوى مخاصمة، أو رد، أو نقل، لكن الأمر المشروع يصبح غير مشروع، ويتحول إلى تعسف إذا كانت الغاية منه عرقلة التحقيق. فمن يسعى إلى مخاصمة القاضي بوسائل قضائية لضرب التحقيق، هو يلجأ إلى وسائل مشروعة لخلق بلبلة سياسية وإعلامية، وهو بذلك يتخطى النص الذي وضعه المشرّع".

آخر الشكاوى في القضية، هي الشكوى أمام مجلس القضاء الأعلى، وأمام هيئة التفتيش القضائي، بحق القاضي حبيب مزهر، والتي تقدّم بها المغربي، ولجنة المحامين للدفاع عن الضحايا الأجانب في انفجار مرفأ بيروت. فحوى الشكوى هو التزوير في وقائع قرار القاضي مزهر، الذي أوقف بموجبه القاضي بيطار عن التحقيق في قضية المرفأ. يتبين في قرار مزهر، وكأن القاضي نسيب إيليا قد تنحّى عن النظر في الملف 69، أي طلب الوزير السابق يوسف فنيانوس رد الرئيس بيطار، وهذا لم يحصل.

"الأمر كان محصوراً لدى مزهر بأن يقبل رد القاضي إيليا عن النظر بدعوى رد بيطار، أو أن يرفضه. هنا ابتدع مزهر أن إيليا تنحّى عن قضية رد القاضي بيطار، فأخذ مكانه، ودخل إلى قضية رد المحقق العدلي، وأصدر قراراً بوقفه عن العمل".

وكان فنيانوس قد تقدّم بدعوى أخرى لرد الرئيس إيليا عن النظر في طلب رده لبيطار، بناءً على أن إيليا سبق وردّ دعاوى مشابهة من مطلوبين آخرين بحق البيطار. القاضي إيليا الذي يرأس الغرفة الناظرة في طلبات الرد، تنحّى بطبيعة الحال عن النظر بطلب ردّه، أي عن الملف 72، فكلّف القاضي مزهر بالقضية، أي بالنظر في الملف 72. يقول المغربي: "الأمر كان محصوراً لدى مزهر بأن يقبل رد القاضي إيليا عن النظر بدعوى رد القاضي بيطار، أو أن يرفضه. هنا ابتدع الرئيس مزهر أن الرئيس إيليا تنحّى عن قضية رد القاضي بيطار، فأخذ مكانه، ودخل إلى قضية رد المحقق العدلي، وأصدر قراراً بوقفه عن العمل، وإلزامه بتقديم ملف التحقيق الذي يحمل الطابع السرّي".

"القضاة يتأملون بالوصول إلى نتيجة في مسار التحقيق في قضية انفجار المرفأ، لكن ذلك يشترط احترام مسار التحقيق، وحمايته من الضغوط والتدخلات"

يبقى السؤال الأهم اليوم حول ما إذا كان مجلس القضاء الأعلى والتفتيش القضائي سيتدخلان لوضع حد لما يحصل؟ يقول المصدر: "القضاة متمسكون بالقضاء الوطني، وبعدم اللجوء إلى القضاء الدولي. فالقضاة يتأملون بالوصول إلى نتيجة في مسار التحقيق في قضية انفجار المرفأ، لكن ذلك يشترط احترام مسار التحقيق، وحمايته من الضغوط والتدخلات".

يضيف: "يبقى أن الفراغ في بعض المناصب القضائية أفضل من المحسوبية"، والقاضي الذي عُيّن بالأمس في مجلس القضاء الأعلى، أي مزهر، هو من يحاول عرقلة التحقيق اليوم. هنا، يسأل المصدر القضائي: "هل سيعرقل ما يحدث اليوم إقرار قوانين استقلالية القضاء؟ فقاضٍ مستقل واحد، ولم يتحملوه، فكيف إذا كانت السلطة القضائية بالكامل مستقلةً؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard