التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في مهبّ "الشارع"

الخميس 14 أكتوبر 202110:28 ص

يبدو أن قضية انفجار مرفأ بيروت بدأت تأخذ أبعاداً دراماتيكية خطرة خصوصاً بعد تهديد الثنائي الشيعي باللجوء إلى الشارع من أجل التدخّل في مسار التحقيق عبر التخلّص من قاضي التحقيق في هذه القضية طارق بيطار.

الحملات الإلكترونية التي يخوضها الثنائي الشيعي في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى تقارير إعلامية ومقالات نشرتها وسائل إعلام مرتبطة بهما، أظهرت أن النيّة قائمة في تصعيد الموقف إلى حدود قصوى، خصوصاً بعد صدور بيانات لعشائر تنتمي إلى الطائفة الشيعية وتتهم بيطار بالسعي إلى تفجير فتنة طائفية والتآمر على المقاومة وعلى حزب الله وحركة أمل.

كما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي رسائل صوتية ودعوات للتحرك الميداني والوقوف وقفة احتجاجية، اليوم، أمام قصر العدل. ومهرت الدعوة بأسماء كل من حركة أمل وحزب الله وتيار المردة.

التوتّر ليس وليد اللحظة

حمل حزب الله طرح الإطاحة بالقاضي بيطار على عاتقه، بدعوى "تصويب" التحقيق، ودَفَع بإمكاناته الإعلامية والشعبية وبوزرائه من أجل تنفيذه. ولم يكن موقف هذا الحزب وليد اللحظة الراهنة، بل هو حصيلة سياق متدحرج يمكن رصده عبر متابعة مواقف أمينه العام حسن نصر الله الذي انتقل في تشكيكه بنزاهة التحقيق من مطالبته القاضي بالإفراج عن التحقيق الفني، وصولاً إلى التصعيد الكبير في خطابه الأخير الذي أظهر فيه الموقف الصارم من القاضي.

فقد جزم نصر الله في خطابه الأخير بأن التحقيق لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل، وحدد فيه ما يشبه المهلة الزمنية الحاسمة، بقوله: "هيدا الموضوع ما بكمّل هيك خصوصاً بالأيام المقبلة".

سبق ذروة التصعيد الخطابي ضد التحقيق وضد بيطار ما حُكي عن "رسالة
تهديد" أوصلها مسؤول الأمن والارتباط في حزب الله وفيق صفا إلى القاضي بيطار. وعلى الرغم من محاولة ماكينة حزب الله الإعلامية تكذيب هذه الحادثة، فإن القائلين بصحتها يعتبرون أن التصعيد الحالي "يؤكد المؤكد".

موقف حزب الله التصعيدي بدا مستغرباً، خصوصاً أن أياً من عناصره أو من الوزراء والنواب والموظفين المحسوبين عليه ليسوا في دائرة الاستجواب. فالأسماء السياسية التي استدعاها القاضي بيطار إلى التحقيق تنتمي إلى حركة أمل وإلى تيار المردة بالإضافة إلى النائب والوزير السابق نهاد المشنوق.

قضية انفجار مرفأ بيروت بدأت تأخذ أبعاداً دراماتيكية خطرة خصوصاً بعد تهديد الثنائي الشيعي باللجوء إلى الشارع من أجل التدخّل في مسار التحقيق عبر التخلّص من قاضي التحقيق في هذه القضية طارق بيطار

الاتفاق على محاربة بيطار والتصويب عليه اتّخذ عناوين عديدة، فالنائب نهاد المشنوق بإمكاناته الإعلامية وعبر إطلالاته التلفزيونية وعبر موقع "أساس ميديا" الإلكتروني التابع له صوّب على القاضي من الموقع الطائفي بادّعائه أن الأخير هو جزء من حلقة تغوّل الطائفة المسيحية على الطائفة السنيّة.

أما التصويب الذي حمل لواءه الثنائي الشيعي فيدور حول اتهام القاضي بتنفيذ أجندة أجنبية والتشديد على دور الثنائي في التصدي لها من أجل "حماية ظهر المقاومة"، هذا الشعار الذي كثيراً ما يلجأ إليه حزب الله لتبرير مواقفه.

آخر فصول التصعيد ألقت بظلالها على الواقع الحكومي. فالحكومة اللبنانية حديثة النشأة، والتي أمامها، كما أعلنت في بيانها الوزاري، تحدّيات إيقاف الانهيار المالي والاقتصادي الحالي، تقف الآن أمام إمكانية التشظي والسقوط، بعد أن أعلن الوزراء المرتبطون بحركة أمل وتيار المردة وحزب الله نيتهم مقاطعة جلسات مجلس الوزراء إذا لم يُبَتّ في قضية القاضي بيطار، وهو ما أدى إلى تأجيل جلسة مجلس الوزراء التي كانت مقررة يوم الأربعاء بعد أن فُضّت جلسة الثلاثاء نتيجة للخلاف حول القضيّة.

تحويل قضية بحجم انفجار مرفأ بيروت إلى قضية يحكم فيها ضغط الشارع ويُدفع القاضي فيها إلى التنحي هي ضربة قاسية، وقد تكون قاضية، لإمكانية قيام قضاء حقيقي في لبنان

المفارقة هنا تكمن في أن الحكومة تشكّلت تحت عنوان الاستقلال عن التأثير المباشر للتيارات السياسية وهمومها المباشرة. ولكن ها هي تناقض هذا العنوان إذ حمل الوزراء إليها مطالب زعماء طوائفهم وجعلوا منها مادة انقسام.

خلفية القضية

المسألة المباشرة التي ساهمت في تفجير الأزمة الحالية هي مذكرة التوقيف التي صدرت بحق القيادي في حركة أمل ووزير المالية السابق علي حسن خليل، بعد أن تبلّغ سابقاً باستدعائه إلى التحقيق وتمنّع عن الحضور.

وخليل واحد من الوزراء الذين استدعاهم بيطار بالإضافة إلى الوزراء السابقين غازي زعيتر المحسوب بدوره على حركة أمل، ويوسف فينيانوس المحسوب على تيار المردة الذي يرأسه المرشح الدائم إلى رئاسة الجمهورية سليمان فرنجية، والوزير السابق نهاد المشنوق.

وسبق أن رفع كل من المشنوق وزعيتر وخليل دعاوى تطالب بكفّ يد بيطار عن التحقيق لكن محكمة الاستئناف في بيروت ردّت هذه الطلبات. واعتبر الإعلام المرتبط بحزب الله هذا الرد خضوعاً من قبل القضاء لإملاءات الخارج والضغط الشعبي غير المحق والموجّه.

وأجرى الوزير علي حسن خليل مقابلة تلفزيونية على قناة الميادين المقربة من حزب الله وإيران، رغم صدور مذكرة التوقيف بحقه، قال فيها إن قرارات بيطار تحظى بمباركة "أجنبية"، وذلك في سبيل دعم الحجة التي يحملها والتي تدّعي أن التحقيق يشكل جزءاً من مخطط يستهدفه ويستهدف "المقاومة".

وأثارت مسألة ظهور خليل الإعلامي، رغم صدور مذكرة توقيف بحقه، الاستغراب عند كثيرين من المتابعين.

هذا وقد رسي الأمر قضائياً إلى حينه على مسألة كفّ يد بيطار، مرة جديدة، موقتاً، عن التحقيق بانتظار البت في دعوى جديدة رفعها مؤخراً وكلاء كل من الوزيرين خليل وزعيتر.

مما لا شك فيه أن تحويل قضية بحجم انفجار مرفأ بيروت إلى قضية يحكم فيها ضغط الشارع ويُدفع القاضي فيها إلى التنحي هي ضربة قاسية، وقد تكون قاضية، لإمكانية قيام قضاء حقيقي في البلاد. وهذا ما سيدفع لبنان حكماً إلى مستقبل أكثر سوداوية، خصوصاً إذا عطفنا هذا الواقع المتوتر اليوم على الانهيار المالي والاقتصادي والمعيشي الذي يقصم ظهر اللبنانيين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard