فيلم Eternals... صراع "الأبديين" و"المنحرفين" للحفاظ على البشرية

الجمعة 12 نوفمبر 202110:04 ص

سقف الحريات الواسع الذي تتمتع به السينما الغربية يسمح لها بمناقشة الكثير من الموضوعات التي يُمنع الاقتراب منها عندنا في الشرق الأوسط بتعقيداته الدينية، وسلطاته الديكتاتورية، مثل مناقشة الأنبياء وأصل الكون وتجسيد الشخصيات التراثية المهمة...

هذه الحرية جعلتنا نتابع أفلاماً تدور أحداثها في عالم ما بعد الموت مثلاً، بل ونشاهد المسيح مجسَّداً، سواء في شكله التراثي المتخيل، أو بتصورات حداثية تحاول رؤيته بيننا الآن بنفس ملابسنا وقصَّات شعرنا، يرتاد الأماكن التي نرتادها ويأكل ويشرب مثلنا، إلخ، كما سمحت بتصوير العلاقة بين الخالق ومخلوقاته، ومسألة التسيير والتخيير (الإرادة) كما حدث في فيلم Eternals أو "الأبديين" الذي عُرض لأول مرة منذ أيام، وثارت ضجة حوله في بلداننا أدّت إلى منعه من العرض.

الذين يمنعون فيلماً كهذا في مصر، بعد منعه في السعودية وقطر والكويت، لا يمكن أن يقولوا إنهم ضد مناقشة هذه الأفكار المبدئية، بل قالوا إن المنع بسبب مشاهد لعلاقات مثلية، ومشاهد لممارسة الجنس الصريح. وبعد أن شاهدتُ الفيلم (مدته ساعتان و25 دقيقة)، أكثر من مرة، لم أجد سوى ظل ممارسة جنسية في مشهد قصير يحدث أعمق منه في أفلام أخرى مسموح بعرضها، وقبلة سريعة ليست عميقة بين رجلين: فاستوس وأحد أفراد عائلته، تصادف أنه هاز سليمان أو حسن علي الحاج سليمان، وهو ممثل أمريكي لبناني، يتحدث باللغة العربية في جملة واحدة، وهذا يحيلنا إلى أن أبطال الفيلم متنوعو الجنسيات، بين بيض وسود وملونين وعرب، ربما لإعطاء الموضوع صبغة كونية تناسب فكرة الخلق والفناء.

دورات الخلق والفناء

يتصور منتجو فيلم "الأبديون" أن هذه الحياة التي نعيشها على كوكب الأرض هي إحدى دورات الخلق، فقد أراد الخالق، آريشيم، حسب صناع الفيلم، أن يترك كل دورة كي تكتمل بوصول البشر إلى عدد معيّن، وبعدها يظهر "السماوي"، الذي يحتاج إلى طاقة جميع البشر كي يخلق الشمس، والتي تُخلق من طاقتها الجاذبية وشروط الحياة الجديدة، لهذا يفني البشر جميعاً بحصول السماوي على طاقتهم. الخالق بنفسه هو الذي يزرع بذور "السماويين" في مختلف الكواكب، ويظهرون تباعاً حسب إرادته كل مليون سنة.

ما بين الخلق والفناء، ثمة "تطورات ذاتية" تحدث يمكن أن تعطل الخطة الموضوعة سلفاً. فلكل كوكب مفترِساته، تلك الحيوانات المفترسة التي لا تجد أقوى منها ليفترسها. يرسل آريشيم "المنحرفين" لإفنائها. "المنحرفون" سُمُّوا كذلك لأن بهم خطأ تكوينياً يجعلهم ينفصلون عن الخطة ويعملون لحسابهم، ويصيرون هم المفترسين، ويبدؤون بأكل البشر وإنقاص عددهم، وهو ما يعطّل ظهور السماوي الجديد. ولذلك يصنع آريشيم كائنات صناعية لا تتطور، "الأبديين"، لمحاربة "المنحرفين" حتى الظهور، وبعدها يمحو ذاكرة "الأبديين" ويرسلهم إلى كوكب جديد لأداء الدور نفسه، دون أن يعرفوا شيئاً عن حيواتهم القديمة.

"الأبديون" عشرة أشخاص، رجال ونساء، لا يكبرون ويتمتع كل منهم بقوة خارقة ما. إيكاريس (قام بدوره ريتشارد مادين) أقواهم، لديه قدرة على الطيران ويقذف حمماً نارية فتَّاكة من عينيه؛ وسيرسي (قامت بدورها جيمَّا شان) تضع يديها على الصخر فيتحول إلى ماء؛ وثينا (قامت بدورها أنجيلينا جولي) محاربة؛ وجلجامش (قام بدوره دون لي) ذو قبضة فولاذية قاهرة؛ وفاستوس (بريان تيري هنري) يطور البشرية باختراع وسائل تكنولوجية متدرجة ليستفيدوا منها، وهكذا.

آجاك (قامت بدورها سلمى حايك) كانت هي البطل الأبدي الأعلى. تتصل مباشرة مع آريشيم بواسطة كرة مزروعة في عنقها، وهي التي تقود زملاءها وتنقل إليهم التعليمات، وبالتالي تعرف سر فناء الكون وبداية كون جديد على كوكب آخر، السر الذي لا يعرفه الآخرون ويتصورون أنهم يحاربون "المنحرفين" من أجل إرساء الخير فقط. آجاك كانت تحب زميلها إيكاريس، الأكثر إخلاصاً لآريشيم، ونقلت إليه ما تعرفه.

صراع التسيير والتخيير

عقدة الفيلم تبدأ بالصراع الذي تولَّد داخل آجاك حول إنْ كان ضروريّاً إفناء هذا الكون بكل ما فيه من بشر من أجل ولادة سماوي جديد. قالت لزميلها وحبيبها إيكاريس: "فكرة آريشيم لا تستحق كل هذا الثمن، ليس هذه المرة ". أدركت آجاك أنها وزملاءها لا يختلفون عن "المنحرفين": كلهم أدوات قتل يحركها آريشيم من أجل الظهور. فكرت آجاك بأنه لو كان الظهور ضروريّاً فليكن بدون قتل كل هذا العدد من الناس، كما أنهم، بتعليمات آريشيم، لا يتدخلون في نزاعات وحروب البشر، رغم أنهم يستطيعون، لأن هذه النزاعات تساعد على التطور العلمي، وبالتالي تقلل حالات الموت، فيسير الكون إلى نهايته أسرع.

"فكرة الخالق لا تستحق كل هذا الثمن، ليس هذه المرة "... فيلم #الأبديون Eternals الذي مُنع من العرض في السعودية وقطر والكويت ومصر

هذا الصراع جعل "الأبديين" أنفسهم يتصارعون معاً: المخلصون لآريشيم بقيادة إيكاريس الأقوى، والمعارضون له بقيادة سيرسي التي نقلت لها آجاك القيادة والكرة التي توصلها بآريشيم، وبمساعدة فاستوس الذي يستطيع أن يطور الأدوات المستخدمة بالتكنولوجيا، فيحرك الأمور إلى الوجهة التي يريدها فريقه. هو صراع الأتباع الأعمى والإرادة، صراع التدين والعقل، صراع التسيير والتخيير.

هذا النظام الدقيق اختُرق بشيئين: الأول "ثينا"، إلهة الحرب التي لم تفقد ذاكرتها بالكامل، فكانت تتذكر أشياء وفظائع من الحيوات السابقة التي فُنيت، وبالتالي كانت تعارض ما هو مرسوم لهم، والثاني أن "المنحرفين" تطوروا، بحيث استطاعوا قتل بعض "الأبديين"، مثل جلجامش وآجاك، وامتصاص قدراتهم، وهو ما جعل عملية القضاء عليهم صعبة، بل مستحيلة.

الفناء البيولوجي مقابل الخلود الإبراهيمي

قصة الخلق هي أكثر القصص المحيّرة للإنسان الذي يعيش على الأرض، معلوماتنا التاريخية لا تتخطى حوالي سبعة آلاف عام، عرفناها من فك شيفرات اللغات القديمة، وقراءة المحفور على الجدران الباقية من الحضارات في مصر وبلاد النهرين واليمن والصين.

تتفق الديانات الإبراهيمية الثلاث على قصة واحدة للخلق، قصة آدم وحواء اللذين خلقهما الله وأسكنهما الجنة وأمرهما بألا يأكلا من "هذه الشجرة"، فوسوس لهما الشيطان، فأكلا منها، فكان عقابهما أن ينزلا الأرض، ومعهما إبليس، وأن يتزوجا وينجبا، وأن يحاسبا وذريتهما أمام الله يوم القيامة، فمَن عمل صالحاً دخل الجنة، ومَن أفسد فيها أُدخل النار.

القصة الدينية تحاول أن تجعل لحياة الإنسان، القصيرة جدّاً بالنسبة إلى عمر الكون، قيمة ما، ونهاية يعود فيها الإنسان شريكاً، ويحصل على مكافأته عما قدَّم للبشرية، بالتنعم في الجنة دون عمل، من أكل وشراب وجنس بلا حدود، أو يحصل على حسابه عما اقترف من ذنوب، وتقدّم بديلاً عن فكرة الوجود والفناء البيولوجي.

صوّر العلاقة بين الخالق ومخلوقاته، ومسألة التسيير والتخيير... فيلم #الأبديون Eternals الذي مُنع من العرض في السعودية وقطر والكويت ومصر

لكن مشكلة القصص الدينية أنها بلا دليل ملموس، هي محض قصص، وكثير منها لا يوافق العقل الحديث، غير أن "مغريات" الجنة من الأكل والشراب والحور العين تناسب البعض بينما لا تغري تماماً رجالاً آخرين.

مصالحة العقل مع الخيال

يخلط الفيلم بين الرمز والفانتازيا والخيال العلمي بشكل يحيّر الذين يقيسون الأحداث على المازورة التي تعلموها، كما فعلوا مع فيلم "ريش". فعلى الرغم من استخدام أدوات الخيال العلمي في خلق دوائر تربط "الأبديين"، وإعطاء كلاً منهم قوة خارقة مختلفة عن الآخرين، وعلى الرغم من تداخل العوالم والألوان، والتنقل بسلاسة بين الأزمان والأمكنة، وتجسيد الخالق العظيم، آريشيم، محاطاً بهالة حمراء غامضة وصوت عميق آمر، فإن الفيلم صوّر رموزاً للأنبياء، وكلاء الله على الأرض الذين يتلقون منه الأومر والتعليمات ويوزعونها على مَن حولهم. الفيلم سمَّى رمز النبي بالبطل الأبدي الأعلى، وكان آجاك ثم بعد موتها أصبحت سيرسي.

لكن الملاحظ هنا أمران: الأول أن آريشيم اختار أبطاله العلويين من النساء رغم وجود الرجال، والثاني أن "البطل العلوي" امتلك قدرة معارضة الخالق، وإفساد خطته، وفرض خطة جديدة بنفس الأدوات والقوى التي اكتُسبت منه، فآريشيم هو الذي صنع "الأبديين" في مصنع خاص، وأعطاهم القوى التي يتمتعون بها... فماذا كانت ردة فعله على هذا "الخرق" و"التحدي" و"عدم الطاعة"؟

في نهاية الفيلم، وبعد انتصار الخيِّرين من "الأبديين" ومنعهم ظهور السماوي وفناء البشر جميعاً، استدعى آريشيم سيرسي، البطلة الأبدية الأعلى المنتصرة، وقال لها: "لقد اخترتِ التضحية بسماوي من أجل سكان هذا الكوكب، سأبقيهم، لكن ذكرياتك ستظهر لي إنْ كانوا يستحقون العيش، وحينها سأعود لأحاكم"، في عودة إلى فكرة الثواب والعقاب الإبراهيمية، لكي يتصالح العقل مع الخيال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard