فيلم "نومادلاند"... كيف حول بؤس المهمشين إلى صورة شاعرية فاستحق الجوائز؟

الجمعة 30 أبريل 202103:41 م

في النظام الرأسمالي، من يفلت من تروس آلاته الطاحنة لن يُرحم؛ صورة قاتمة لمصير مرعب يهدد عدداً ضخماً من الأمريكان، في حال فقد وظيفة أو صحة أو بيت. ليس هناك في أكبر دولة رأسمالية ما يضمن حياة كريمة عند التقاعد لبشر دفعوا الكثير من شقائهم في نظام تأميني فاشل، وربما قادهم حظ تعس إلى دفع فاتورة أزمة اقتصادية لا دخل لهم بها ولا ذنب!

هناك قاعدة في أمريكا ـ أرض الأحلام ـ تقول إن من يفقد بيته يفقد كل شيء. وبعد أزمة الرهن العقاري والركود العظيم عام 2008 طُرد الكثيرون من بيوتهم، وأُجبر كبار السن من المتقاعدين على الخروج إلى الطريق، والمحظوظ منهم فقط من كان لديه مال يشتري به سيارة ڤان أو "RV" لتحميه من التشرد وليبدأ حياة جديدة ليست كالحياة!

حياة هؤلاء يصورها فيلم "Nomadland" بهدوء يليق بالطبيعة التي صور فيها الفيلم، ونعومة وشاعرية تتنافى مع صحارى قاسية وحياة بائسة حاولت المخرجة المؤلفة الموهوبة كلوي تشاو تجميلها. فهل نجحت في ذلك؟

"Nomadland" يحصد الجوائز... كتاباً وفيلماً

منذ عرض الفيلم، خريف 2020، وهو صائد للجوائز، مستحوذ على الذهب والإعجاب في مهرجانات فينيسيا، تورونتو، غولدن غلوب، وكل الجوائز الأمريكية. ومنذ الحين وبمجرد أن شاهدتُه أدركت أنه فيلم عام 2020 بلا منازع.

توقعت فوزه بأهم جوائز الأوسكار وقد حدث، وتوج الفيلم بالأوسكار كأفضل أفلام العام، واقتنصت مخرجته كلوي تشاو، الشابة الذكية، أوسكار أفضل إخراج لتكون أول آسيوية تفوز بالجائزة الأكثر أهمية وشهرة عالميًا ،وفازت المخضرمة فرانسيس ماكدورماند بأوسكار أفضل ممثلة لدور رئيسي عن دورها العبقري في الفيلم الذي تبنته وشاركت في إنتاجه، وكانت سبباً في تحويل كتاب "أرض الرُحّل: البقاء على قيد الحياة في أمريكا في القرن الواحد والعشرين" للصحفية اللامعة جيسيكا برودر إلى فيلم.

كتاب "Nomadland... Surviving in the Twenty First Century" هزّ المجتمع الأمريكي، وكشف عورته منذ سنوات، عن الرحّل الذين أجبرتهم الظروف على التنقل في ولايات الغرب الأمريكي، للعمل في معسكرات بعدما وصلوا إلى سن التقاعد، وفقدوا منازلهم في نظام لا يؤمّن لمواطنيه حياة كريمة تليق بهم بعدما أفنوا حياتهم في العمل.

وثّقت جيسيكا برودر في الكتاب حياة مئات الآلاف ممن نسيهم المجتمع الأمريكي، وهم يناضلون من أجل البقاء على قيد الحياة، بعدما فقدوا بيوتهم واضطروا إلى العيش في سيارات يجوبون بها المدن بحثاً عن عمل موسمي قد لا يناسبهم، ويتعرضون لاستغلال بشع من شركات عملاقة مثل أمازون التي تجد في أولئك المسنين فرصة لعمالة رخيصة، فلا نقابة تحميهم ولا ظهير.

أخذت المخرجة من الكتاب شخصياته، والتقت بهم وأقنعتهم بالاشتراك في الفيلم بشخصياتهم الحقيقية، لكنها لم تظهر الجانب البائس المظلم في حياتهم

فاز الكتاب الصادم بجوائز كثيرة. ومنذ صدوره عام 2017، ألهم كثيرين لينشروا تحقيقاتهم في أكبر الصحف الأمريكية، لكن لم يتغير من الأمر شيء، واستمر سوء الأنظمة التأمينية في أمريكا، وجاءت جاءت كلوي تشاو ـ بالاتفاق مع فرانسيس ماكدورماند ـ لتحوّل الكتاب إلى فيلم، فخاصمت الهدف، وخانت روح كتاب يقف في صف العمال وقضاياهم وحقهم في حياة كريمة تليق بسنوات الكفاح في بلد لا يرحم من يفلت من تروسه أبداً.

أخذت المخرجة من الكتاب شخصياته، والتقت بهم وأقنعتهم بالاشتراك في الفيلم بشخصياتهم الحقيقية، لكنها لم تظهر الجانب البائس المظلم في حياة هؤلاء. خلقت المخرجة من وحي خيالها شخصية "فيرن" التي جسدتها ماكدورماند، وهي لامرأة ستينية تفقد وظيفتها ومنزلها، بعدما فقدت زوجها مصدوماً بإغلاق مصنع الجبس بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى.

ترحل "فيرن" بحافلة، وتعيش حياة البدو القاسية، وتذهب في بداية الأحداث إلى معسكر أمازون، لتتسلم عملها وتتعرف هناك على "ليندا ماي"، ستينية من البدو، وبابتسامة تقول لها إنها "تحب العمل"، وعن أمازون تقول "إنهم يدفعون أموالاً جيدة"!

هكذا في البداية يخاصم الفيلم روح الكتاب. فأمازون عملاق إلكتروني يخصص برنامج وظائف موسمياً للمتقاعدين الذين يأتون بسياراتهم ومنازلهم الخاصة، ويقبلون العمل الشاق بأجور زهيدة. وتوفر لهم الشركة مكاناً للسيارات ووصلة كهرباء فقط، وتتركهم بلا ضمان أو تأمين. يَصبّ الأمريكان غضبَهم الآن على أمازون وما شابهها، حيث يعملون في ظروف قاسية وبشروط مجحفة ظالمة لصالح شركة حقق صاحبها مئة مليار دولار أرباحاً في عام واحد، في حين لا تمنح شركته موظفيها الحقَّ في الراحة، أو بدل مخاطر أو تأمين صحياً، أو إجازات آدمية.

محاولة لغسل يد النظام ورموزه من ذنب "الرُّحَّل"

كانت سعادة وابتسامة فيرن وزملائها في معسكر أمازون، وقد سمحت لهم الشركة بالتصوير في موقعها الحقيقي. هي خيانة لواقع العمال وتزييف لا داعي له، وأدى إلى جدل كبير بين من شاهد الفيلم في أمريكا ومعظمهم ناقم عليه؛ فلا تسمح قواعد العمل في أمازون براحة سوى نصف ساعة للغذاء، ولا يُسمح بالبطء، وهناك مساحة زمنية محددة لإنجاز العمل لو تجاوزها الموظفون سيتمّ فصلهم، والعمل بالمعسكرات والمخازن شاقّ وقاسٍ ولا مجال فيه لتبادل الحديث والابتسامات. وليندا ماي نفسها التي اشتركت بالفيلم، يؤكد الكتاب إصابتها أثناء العمل الشاق بأمازون، ولم يكن لها الحقُّ في العلاج، بحجة أنها موظفة موسمية.

حاولت المؤلفة المخرجة تجميل الواقع، وغسل يد النظام الفاشل طوال الأحداث، بابتسامة وسعادة بالحرية والحياة أكدتها "فيرن" وأصدقاؤها الذين أجبروا على حياة البدو، وانطلقوا يتعلمون التعايش مع أوضاعهم الجديدة من النوم في العربات إلى الاستحمام في صالات الألعاب الرياضية (الجيم) المتاحة باشتراك. الأكل سهل ومتاح ما دام هناك عمل، وإخراج الفضلات في دلو مهين.

ويبقى السؤال: وماذا بعد؟! إلى متى سيتحمل العجائز هذه الحياة القاسية، مهما يكن جمال الطبيعة وروعة الشروق وسحر الغروب؟! في النهاية سيفترق الجميع، كلٌّ في طريق، ولا يعرف متى وأين وكيف ستكون نهايته، بعضهم اختار نهاية دافئة مع أسرة أو أقارب، والبعض ينتظر الموت بالسرطان، وآخر يقرر أن ينهي حياته منتحراً، إلخ.

مشاهد البدو الحقيقيين، أو تلك المستوحاة من الكتاب، كانت حزينة مؤلمة. لم ينجح دهاء المخرجة باستغلال روعة المناظر الطبيعة وإظهار البدو مختارين الترحال كأسلوب حياة، ففي النهاية ورغم رفض "فيرن" لحياة دافئة مع صديق وأسرته، وتأكيدها لرغبتها في الحرية واكتشاف ماهية الحياة والطبيعة خارج سجن الجدران، إلا أننا سنشعر بالخزي والألم بعد كلمة النهاية لو كنا أمريكيين، أو ننتمي إلى هذا العالم الأول الذي لم يكلف خاطره ليرى صفوفه الأخيرة التي نسيها، وغسل يده من ذنبها، وفضل أن يستغلها ويبني تفوقه الاقتصادي على استضعافها.

في خريف 2020، شاهدتُ الفيلم وانبهرت بالصورة والأداء العبقري لماكدورماند، ونظرة عينيها التي اختزلت ما لم يفصح عنه الحوار، ووجهها الطبيعي المجهد بتجاعيد وتعبيرات تليق بقسوة الطبيعة التي صور فيها الفيلم، وأبدع في تصويره الموهوب جوشوا چيمس ريتشارد (الذي اشترك مع تشاو في فيلمها الثاني "The Rider")، واستحق جائزة أوسكار أفضل تصوير بكل المقاييس.

ريتشارد، صديق المخرجة الذي لا يفترق عنها، ترجم كل أحلامها في الصورة، فصنع لوحات تشكيلية من الطبيعة الساحرة للغرب الأمريكي، واعتمد على الإضاءة الطبيعية في معظم اللقطات حتى الليلية في الصحراء والتي كانت أكثر إبهاراً.

وفي زيارة لأمريكا حيث أسرتي هناك، وجدتُ النقاشات تحتدم؛ كثير منهم لا يحبون الفيلم، ليس لطبيعته الهادئة التأملية أو للصورة القاتمة التي فشل الفيلم في تزيينها رغم محاولات ذكية للمخرجة، وإنما لأن الفيلم كشف عورة المجتمع، وأزاح الستار عن بشر منسيين في الصحراء، يناضلون من أجل البقاء على قيد الحياة.

باختصار، قلّب الفيلم المواجع، وذكّرهم بما حدث في الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تتشابه مقدماتها مع ما يحدث منذ الإغلاق المستمر بسبب كوفيد 19. هناك مصانع هُجرت، وأعمال صُفّيت، وعمال فقدوا وظائفهم يُهددون بفقد البيت وهو أهمّ وأغلى ما يمكن الحصول عليه في أمريكا.

في زيارة لأمريكا حيث أسرتي هناك، وجدتُ النقاشات تحتدم؛ كثير منهم لا يحبون الفيلم

ويأتي الفيلم، من دون قصد، ليدقَّ ناقوس الخطر القادم سريعاً، ولم تعلن الحكومة الأمريكية حتى الآن عن أي قرار بشأن سداد أقساط البيوت، ولكنها أجلت سدادها فقط، ولم يتمّ إلغاؤها، وتستعد البنوك لحصر من سيتمّ إخراجه من بيته نهاية هذا العام!

الفيلم أعاد المواجع إلى الواجهة، ومنح الكتاب المهمّ حياة جديدة. وقد قرأتُ الكتاب، وتراجع إعجابي بالفيلم درجات، ولكني ما زلت منبهرة بالتقنية والصورة والأداء، وإن صدمتُ في تزييفٍ متعمد لواقع فضحته الصحفية الجريئة جيسيكا برودر بمغامرة قاسية تدافع عن حقوق العمال، وحولته المخرجة الشابة بنعومة إلى أسلوب حياة يتحدى قسوة الطبيعة والظروف، وكأن أبطالها قد اختاروا حياة البدو حباً، وهم الذين فقدوا البيت والعمل والمال، فاضطروا إلى الرحيل، للحفاظ على كرامة لم يعد لديهم غيرها.

المخرجة صينية المولد، لم تخفِ انتماءها إلى أمريكا، وافتتانها بالحياة الأمريكية، بداية بحياة الأوائل من السكان الأصليين. وكانت أحداث فيلمها الأول "Songs My Brothers Taught Me" قد دارت في محمية لأمريكيين أصليين في ساوث داكوتا، وقد استعانت بهم كممثلين أيضاً. وهي تعلن عشقها للطبيعة الأمريكية بما فيها الأرياف والصحارى والسهول. وكررت أنها تتمني العيش كرحالة، حيث تجد نفسها بين البدو والطبيعة البدائية.

الفيلم كشف عورة المجتمع، وأزاح الستار عن بشر منسيين في الصحراء

تنتمي تشاو إلى عائلة صينية ثرية، والدها كان مديراً لمصنع ضخم للحديد والصلب، وهي لا تعرف شيئاً عن هموم العمال، ولعلها لا تدرك معنى المعاناة والنضال من أجل لقمة عيش وجدران تحميك من الضياع في عالم لا يرحم الضعفاء.

وفي حفل الأوسكار وجهت تشاو تحيتها للطيبين في هذا العالم، وأهدت الجائزة إليهم وإلى من لديه الإيمان والشجاعة للتمسك والحفاظ على تلك الطيبة، ولم تذكر بلدها الأصلي الصّين، وقد سبق وصرّحت في ما سبق بأن "الصين بلد مليء بالأكاذيب"، في حين تؤكد انتماءها إلى أمريكا في كل لقاءاتها الصحفية: "أمريكا هي بلدي".

ومنذ بضعة أشهر، وبعد إعلان الغضب الصيني عليها كانت شركة "مارفيل" توقع معها عقداً لإخراج فيلمها القادم، وكان لا بدّ أن تحمل المخرجة جائزة الأوسكار هذا العام (2021)، وقد أصبحت "الأنسب" في ظل اهتمام مبالغ فيه بالأقليات والمهاجرين والمرأة، بعدما كانت "الأفضل" فنياً في موسم ضعيف، لتحمل الفارس الذهبي في حفل أوسكاري باهت لم يحظ باهتمام وبريق، بسبب ما سببه فيروس كورونا من اكتئاب وإحباط سيطرا على المجتمع الأمريكي الذي يعاني بشدة رغم المساعدات الحكومية.

وتفيد التقارير تراجع نسبة المشاهدة لحفل الأوسكار إلى نحو 60 في المئة عن أسوأ نسبة حققها في تاريخه، فلم يصل عدد مشاهديه في الولايات المتحدة إلى عشرة ملايين!

طموح المخرجة إلى التزييف لم ينجح تماماً، رغم شاعرية الصورة والسيناريو والحوار والأداء العبقري للمخضرمة ماكدورماند التي اجتهدت في إبراز السعادة والرضا على وجه بائس دوماً، فخرج الفيلم المغزول بنعومة كالدانتيللا صفعة مدوية على وجه نظام أمريكي يتجاهل ملايين يصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة، ويعملون معظم ساعات اليوم من دون رحمة، متحملين قسوة الطبيعة وأصحاب العمل بدلاً من السجن مقابل الديون!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard