حكم الموظفين… الفصل من العمل باسم محبة الرئيس

الأربعاء 10 نوفمبر 202108:07 م

في صباح اليوم التالي لإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان، كنت على موعد كي أكون أول من تطبق عليهم الاستراتيجية الجديدة، حيث قررت محكمة الاستئناف في حكمها البات (النهائي) غير المسبوق "عدم صرف أي تعويض لي أو مستحقات أطالب بها"، من خلال الدعوى المرفوعة مني بعد فصلي من قطاع البترول الذي أعمل به منذ 21 عامأ.

كنت قد فصلت من عملي في أول كانون الثاني/ يناير 2018، بعد تنفيذ قرار بالإيقاف عن العمل "بسبب آرائي السياسية" وما أكتبه من مقالات وأتحدث به من أراء على الشاشات.

خضعت إلى تحقيق سياسي بامتياز، بالمخالفة لكل قوانين العمل والمواثيق الدولية. ومن أبرز المفارقات المضحكة في التحقيق، لكنه ضحك كالبكاء، كان حديث رئيسة الشؤون القانونية بالشركة قبل دقائق من بدء التحقيق. قالت لي "القانونية" نصاً:

"إزاي تغلط في حبيبي؟"

 سألتها: "حضرتك أنا مش فاهم! عذراً! مين حبيبك ده ؟!"

قالت: "السيسي حبيبي"

قلت: "بس حضرتك إزاي ممكن تحققي معايا وإنتي أصلا بتعلني هذا الانحياز؟".

ونظرت إلى زميلها الذي يحمل نفس الدرجة الوظيفية وقلت له: "لا يوجد الآن إلا واحد من أمرين لا ثالث لهما؛ الأول انصرافي ولكن بعد تسجيلك لانسحابي المسبب بعد إعلان رأيها، والثاني أن يكون التحقيق معي من خلالك ولا تقوم  هي بتوجيه أي سؤال لي".  فطلب مني منحه بعض الوقت والانتظار خارج المكتب، وبعد دقائق طلبني، وجلست هي في زاوية تتابع التحقيق من دون تدخل .

استمر توجيه الأسئلة لي 4 ساعات ونصف من الأسئلة الهزلية العبثية شديدة الركاكة. أجبت بتسجيل إجابتين في كل الخانات التي تجاوزت الخمسين.

قبل دقائق من بداية التحقيق معي، قالت لي الموظفة المسؤولة عن الشؤون القانونية والمكلفة بالتحقيق معي: "إنت إزاي تغلط في حبيبي؟"

الأولى؛ أنني مصرٌ على كل ما أكتبه وما أتحدث به للقنوات الفضائية، هذه قناعاتي واستشرافي السياسي، والثانية؛ أن كل الأمور التي يجري التحقيق معي فيها تتعلق بحرية الرأي والتعبير التي يكفلها الدستور المصري واللوائح والقوانين، وقبل ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبالتالي "ليس من حقكم أبداً كل ما تقومون به تجاهي".

انتهى التحقيق، وكان القرار بعدها بعدة أيام الفصل من العمل والحرمان من المستحقات، على الرغم من كل تقارير الأداء داخل عملي التي كان معظمها امتياز وأقلها جيد جدا. رفعت دعوى أول درجة وأنا في مصر، وجاء الحكم سريعاً في 28 نيسان/ أبريل 2018، وبطريقة هزلية، بتعويضي بمبلغ 17 ألف جنيه مصري من إجمالي مستحقات تبلغ مليون ونصف المليون جنيه.

كنت أعمل في شركة "سيدي كرير للبتروكماويات" وأتحصل في الشهر الواحد على راتب يبلغ إجمالي متوسطه 30 ألف جنيه شهرياً.

بالطبع بعد الحكم والفصل نصحني الجميع بضرورة الخروج من مصر، وألح عليّ في ذلك المعلم والصديق "أمين المهدي" لروحه السلام. لكن قبل الخروج مباشرة، وقبل انقضاء الفترة القانونية لتحصين الحكم، تقدمت بطلب الاستئناف (إعادة النظر في الحكم). واستمرت القضية متداولة قرابة ثلاث سنوات وسبعة أشهر، وفي 12 أيلول/ سبتمبر الماضي، صدر الحكم النهائي: "ملكش فلوس عندنا. أنت لك رأي معارض. حققنا معاك وأنت كان عندك إصرار وقلت إن ده من حقك في القانون والدستور. خلي القانون والدستور ينفعوك. إحنا بننصب عليك وبنستبيح أموالك".

 هذا هو ملخص الحكم. لم تراع الدولة المصرية عادتها في تستيف الأوراق، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على الغضب العارم من قبل السلطة، لممارستي للسياسة بالخارج في المنفى من خلال الاشتراك مع زملاء أخرين بعدة عواصم في تأسيس إحدي الحركات المعارضة.

الحكم يمثل شهادة وفاة رسمية للقضاء في مصر، وقد قام "العسكر" بإعلان ذلك من خلال منطوق الحكم وبملء الفم.

استمر توجيه الأسئلة لي 4 ساعات ونصف من الأسئلة العبثية شديدة الركاكة، كان ردي أن آرائي السياسية والتعبير عنها من حقوقي التي لن أتنازل عنها

يومآ بعد يوم تتراكم فاتورة حكام مصر معي. البداية: فصلي من عملي، وملاحقتي حتى لم يعد أمامي سبيل إلا الخروج. أعقب ذلك وفاة والدي حسرة وألماً، بعد مرضه عندما تيقن من استحالة عودتي إلا حال رحيل العسكر. ثم اعتقال العسكر لمعلمي وصديقي المفكر أمين المهدي، ثم وفاته الغامضة بمجرد إخلاء سبيله. وأخيراً، استحلال أموالي واستباحة "شقى عمري" بعد عمل 21 عامأ في قطاع البترولقضيت معظمها منهمكاً في العمل حتى أني كنت في أوقات كثيرة لا أرى أولادي وزوجتي. تخيلوا إلى أي مدى وصل الظلم؟

بالتاكيد أنا في حال أفضل مليار مرة ممن فقدوا حياتهم، أو من تم تصفيتهم وقتلهم بدم بارد في مصر، وممن يقعبون داخل سلخانات نظامية يقال أنها سجون، ويقدر عددهم بعشرات الآلاف من سجناء الرأي، وأفضل حالاً ممن هجِّروا من منازلهم في سيناء بعد اقتراف جرائم كاملة ممنهجة ضد الإنسانية بحقهم وطبقا لتقارير أمنيستي وهيومن رايتس ووتش ووزارة الخارجية الأمريكية "التقرير الأخير" عن حالة حقوق الإنسان في مصر .

لذا أتمنى ان لا يأخذ مقالي في نطاق الندب على مظلمة شخصية، ما أقصده هو إلقاء الضوء على فجر في الخصومة وصل إلى حد إعلان انتحار العدالة، وتجاهل القوانين المصرية والدستور المصري الحاكم لتلك القوانين.

في نهاية مقالي أؤكد أنه لا يوجد أمامي إلا طريق واحد لاغير، وهو النضال مع رفاقي بكل ما أوتيت من قوة لكي أكون رقماً فارقاً، وفاصلاً ينتهي عنده كل هذا العبث، حتى يعود العسكريون إلى الثكنات، من أجل دولة يستحقها المصريون وهي دولة "الحرية والسلام والمساواة".

كتب هذا المقال مساء يوم الثلاثاء 9 نوفمبر في العاصمة السويدية ستوكهلوم

- رصيف22 غير مسؤول عن الآراء الواردة في المقالات والشهادات الشخصية 

---------------------------

** وافق البرلمان المصري على إصدار مشروع قانون مقدم من الحكومة يقضي بالفصل "بغير الطرق التأديبية" للموظفين المنتمين إلى جماعات إرهابية أو معادية للدولة المصرية، وهو قانون يطبق على ذوي الآراء والتوجهات السياسية التي تعتبرها الدولة المصرية معادية. لكن القانون الصادر برقم 135 لسنة 2021، صدر بعد ما يزيد على العامين من فصل كاتب المقال.

وبحسب أوراق الدعوى التي تلقى رصيف22 نسخة منها، تم فصل كاتب المقال من وظيفته بموجب قانون العمل (قبل تعديله)، استناداً إلى اتهامه بـ"الخروج على نطاق وثيقة أخلاق العمل الوظيفي بالإساءة إلى مؤسسات الدولة على شاشات التلفزيون". "وثيقة أخلاق العمل" هي وثيقة يوقع عليها العاملون بأجهزة الدولة المصرية أو الشركات التابعة لها عند تعيين وظيفتهم.








إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard