استبداد المثقف والعلمانية العوراء ومحنة الفلسفة... مراد وهبة نموذجاً

الثلاثاء 9 نوفمبر 202104:55 م

في عام 1999 سقطت طائرة مصرية في المحيط الأطلسي بعد إقلاعها من نيويورك، ومن ضحاياها 33 ضابطاً، كانوا عائدين من مهمة تدريب. قلت آنذاك إنني أحتمل أن يحكمنا حسني مبارك 25 سنة، ولا يحكمنا جابر عصفور سنة.

كان الدكتور جابر في ذروة عنفوانه، الرجل الثاني في وزارة الثقافة بعد وزيرها العتيد فاروق حسني. يسهل التحايل على جاهل أو نصف جاهل يداري جهله بالتخلّي عن العناد أحياناً، وينصت مُبدياً المرونة بادعاء الفهم. ولا يفلح التذاكي مع المثقف. من يملك أدواتك تفشل معه المناورة. جرّب هذا الاختلاف، ستجد استثناءات ديمقراطية تؤكد قاعدة استبداد المثقف الذي لا يمكن الحكم عليه إلا داخل تجربة.

وفي عام 2019 فوجئت بكارنيه اتحاد الكتاب يحمل صورة رئيسه علاء عبد الهادي بجوار رؤساء الاتحاد السابقين. اتسع جيبي للرؤساء الموتى والرئيس الحي، وضاق صدري باختلاط الملامح والروائح. كنت بجوار بيت بهاء طاهر، وهاتفه غير متاح. أعدتُ تأمّل الكارنيه؛ لأتأكد. وتأكد لي الارتفاع غير المسبوق في منسوب البارانوايا، وكتبتُ: "لكل سائل وشامت: لسنا بخير. مصر الآن متّسقة مع نفسها. تسلمتُ أمس كارنيه اتحاد الكتّاب يحمل صورة رئيسه. لو حكمَنا سنترحم على لَخْفنة السيسي". واللَّـخْفنة، بالمصري الفصيح، تعني اللخبطة والتوهان. علاء منظّم جدا، يرتّب الأوراق بجوار أسياخ الحديد. وفي 18 يناير 2017 كتبت تعليقا عنوانه "اتحاد الكتاب ثكنة عسكرية في الزمالك".  

أترك الدكتور عصفور، ورئيس اتحاد الكتاب المُـفرط في ضخّ البيانات الداعمة لرئيس الجمهورية، متجاهلاً عاصفة التنازل عن جزيرتين لملك الحجاز، وأكتب عن أستاذ الفلسفة مراد وهبة، مستشهداً بموقف وقع فيه "مثقف في تجربة".

من محن الفلسفة سير أستاذها وراء السياسي بخطوة، وقراءة وقائع متغيرة كنهاية للتاريخ، وتلخيص القضية بوصفها صراعاً فلسطينياً إسرائيلياً، والتفرّغ للدفاع عما يراه حقاً لكيان احتلالي

سفري أجّل كتابة المقال لينشر في 13 أكتوبر 2021، عيد الميلاد الخامس والتسعين للدكتور مراد. وأستعجل الكتابة ليقرأها، بعد حزني على موت الدكتور فوزي فهمي، قبل أيام، وهو طرف في قضية تخص كاتبا اتهمه بالخضوع لجهات أمنية، ورفض تعيينه مدرساً بأكاديمية الفنون. حمّلت الشكوى للشاعر أسامة عفيفي، فقال له الدكتور فوزي: "فوزي فهمي يأمر الأمن، ولا يتلقى الأوامر. هذه ليست دكتوراه، وإنما دراسات حرة دون مستوى الليسانس".

رئيس الاتحاد ورئيس الجمهورية كلاهما رئيس. الأول حرّ في تعقّب قرارات الثاني بالإشادات، باسمه وباسمه مجلسه، ويحق لرافضي استبداده القول: "ليس باسمنا". والدكتور مراد وهبة حرّ في اعتبار إسرائيل دولة طبيعية أبدية الوجود، وأن يكون التطبيع وجهة نظر، وأن يكون أبطاله أنور السادات ودونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي، وأن يتهم جمال عبد الناصر وباراك أوباما وهيلاي كلينتون بالميل إلى تنظيم الإخوان، وأن يتجاهل الأساطير الدينية المؤسسة لإسرائيل، وإصرار قادتها على الطبيعة الدينية للدولة، ونسف قواعد ومفاهيم العلمانية والمواطنة للفلسطينيين داخل بلادهم، وألا يشير إلى قرار التقسيم لفلسطين التاريخية رقم 181، الصادر من الأمم المتحدة عام 1947، وهو لا يسقط بالتقادم.

من محن الفلسفة سير أستاذها وراء السياسي بخطوة، وقراءة وقائع متغيرة كنهاية للتاريخ، وتلخيص القضية بوصفها صراعاً فلسطينياً إسرائيلياً، والتفرّغ للدفاع عما يراه حقاً لكيان احتلالي، ومدح عبقرية السادات، والتحسّر على مصير إسحق رابين. من البؤس هبوط المنحنى إلى التعليق على بيانات رسمية، وله أن يرى ذلك "تأملات فلسفية"، فمعاهدة إبراهيم الإماراتية الإسرائيلية "توفر تفكيراً جديداً حول أسلوب تناول مشاكل المنطقة وتحدياتها"، ويدلل على تأملاته الفلسفية في مقال في الأهرام (15 سبتمبر 2020) بقول كبير مستشاري ترامب جاريد كوشنر: "إن الفلسطينيين لا يمكنهم الاستناد إلى الماضي في صياغة السلام"، ويشيد بإلغاء الإمارات في أغسطس 2020 قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1972.

أداؤه تقليد للمعلقين على مبارايات الكرة، ولا أظنه نزولاً بالفلسفة من التجريد إلى الفضاء العمومي، بل تفريغها من سؤالها، فلا يبقى من جوهرها النقدي إلا انتقاد جرائم الجماعات الإسلامية، وليس كل سلفية تنطلق من الدين لشرعنة سلوك السياسي، وترسيخ العدوان، كما في حالة إسرائيل. من البؤس أن يكون رئيس العدو أكثر شجاعة، ويعتذر يوم 29 أكتوبر 2021 إلى أهل قرية كفر قاسم، ويطلب "العفو" من عائلات 49 فلسطينيا ضحايا مذبحة عام 1956. تصريح إسحاق هرتسوغ يحرج من يتوسلون بعلمانية عوراء ترى بعين واحدة، وتتنكّر لحقيقتها التي يعرّفها الدكتور مراد بأنها "التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق".

المثقف ليس فوق السؤال، ومن المهم اختبار صدق مقولاته، بدلاً من ردّ الفعل الغاضب على سؤال يستهدف المعرفة وحدها

حدود خيال السياسيّ ومدى إدراك إعلاميي السلطة وذوي الثقافة الشفاهية هي تقريبا ما يراه الدكتور مراد، تسطيح قضية مركبة بعنوان "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي". أما المهموم بالفلسفة فينشغل بالظاهرة الصهيونية في سياقها، والمفكر يبحث الظاهرة عبر التاريخ، ومآلاتها المحتومة كحادث سير مضاد للتاريخ، وتفكيكها حتى بعد زوال الكيان الصهيوني، كما زالت كيانات عدوانية عنصرية بانتهاء الغرض منها، وتخلّي رعاتها عنها منحازين إلى بدائل أعظم فائدة وأقل تكلفة. وعلى الرغم من هذا كله، لم يعترض أحد على خيارات أستاذ الفلسفة مراد وهبة. له أن يؤمن بما يشاء، وأن يبشّر بما يؤمن. وليس له منعُ غيره من مناقشة أفكاره، حين وقع في "تجربة".

والتجربة لم تكن صراعاً على شيء. مجرد ندوة عابرة، بسيطة وليست بسيطة بقدر ما هي دالّة وكاشفة. أزهد في حضور الندوات والمحاضرات، وأسرح بعيداً، تأخذني أفكار أكثر جاذبية، بعضها تافه أحياناً. في الجامعة كنت أجلس في الصف الأخير بالمدرج، ومنه يمكن التسلل والتخلص من الملل. وإلى الآن أعتبر المقعد الأخير يخصّني، وكان محجوزاً لي، مساء 29 أغسطس 2004، في ندوة عنوانها "مراكز البحث في الوطن العربي.. مركز زايد نموذجا". وقد نظم مركز زايد، منذ تأسيسه عام 1999، أنشطة وأصدر دراسات تنقض المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة، وتنتقد مشاريع التهجير والاستيطان، حتى أغلقه الشيخ زايد، عام 2003، بعد اتهمامه بمعاداة السامية.

كان المعلَن أن منتدى ابن رشد سيستضيف أستاذ الفسلفة بجامعة بجامعة بافالو في نيويورك بول كيرتس. وقال كيرتس رئيس "مركز البحث الحر" إن الجماهير بحاجة إلى تغيير رؤيتها الكونية، للوصول إلى الطبيعة العلمية التي تفسر الظواهر الطبيعية تفسيراً علمياً، وإن التطور العلمي سيغير المفاهيم الأخلاقية، وإن البحث العلمي يقترن بالحرية، بعيداً عن الخوف والوصاية والرقابة والنظرتين الدينية والأيديولوجية. واقترح استئناف النشاط بين مثلث (نيويورك، القاهرة، أبوظبي) بمؤتمرات للتوعية بالعلوم، وتطوير التعليم. ثم نهضت زميلتي نعمة عزّ الدين، الصحفية في جريدة "الوفد"، وصورت المنصة والحضور بلا اعتراض، فالندوة ليست مغلقة، وفجأة أصبح وجود الصحافة مزعجاً، بعد التحول من الإنصات إلى السؤال.

السؤال اختبر القدرة على الاتساق مع الذات. سألتْ زميلتي عن مصادر تمويل "مركز البحث الحر". سؤال أوصل الكهرباء إلى أسلاك وأعصاب وأفكار عارية. تكهرب الجو، وفي الهرج دِيست أفكار عظيمة، وسقطت شعارات. في القاعة استنكر أعضاء جمعية ابن رشد وجود الصحافة، كأنهم اكتشفوها بالسؤال لا بالكاميرا. ومن المنصة سألت الدكتورة منى أبو سنة: "من سمح للصحافة بالحضور؟"، وأبعدت الميكروفون، وتخلّت عن وقار الأستاذية، وانفعلت قائلة: "الصحافة تقاطع جمعية ابن رشد وتتآمر عليها وتتهمها بالتطبيع". طلبتُ الكلمة، فالتقط الدكتور مراد الميكروفون، وقال: "انسَ العقد النفسية المسيطرة. علاقتنا (هو وكيرتس) فلسفية تتجاوز الجنس. يوجد هاجس مَرَضيّ في عقل المثقف في الشرق الأوسط".

كلامه ذكرني بنظرية الإسقاط في علم النفس. حيلة لا شعورية للدفاع عن النفس بإنكار صفة مَرَضية، وإسقاطها على الآخر. ولم يسمح المجال بجدال سيكولوجي، فأمامي تأثير فوري لكهرباء عالية الفولت جعلت أستاذ الفلسفة يتهم المثقفين، بتعميم غير علمي، يساوي المثقف العضوي الملتزم بالسلطوي التطبيعي.

قدّمتُ نفسي، تفادياً للحساسيات الفلسفية من الصحافة، بأنني "كاتب قصة قصيرة"، وقلت: "يا دكتور وهبة، سأتكلم عن قضية أزعجتني الآن للغاية، وأنت أستاذ كبير، وصاحب كتاب عنوانه "ملّاك الحقيقة المطلقة"، وترفض فكرة الوصاية، والتأويل بالباطل، واتهام الناس بالشبهات.. الأستاذة نعمة سألت سؤالاً يحقّ لأي مواطن أن يطرحه عن فلسفة الجمعية وتمويلها وأعضائها، ولم تتحدث عن التطبيع".

حسدت نفسي على هدوئي، وأضفت أن المثقف ليس فوق السؤال، ومن المهم اختبار صدق مقولاته، بدلاً من ردّ الفعل الغاضب على سؤال يستهدف المعرفة وحدها، ويُفترض أن الداعي إلى الديمقراطية أول من يتحمس لها، ويتحمل تبعاتها، ومنها السؤال.

هدأ الدكتور مراد، وقال إن بحث هذه القضية يحتاج إلى مؤتمر. قلتُ: "أريد اختبار مقولاتك على هذا المشهد، وفيه لم يحتمل المثقف أن يسأله أحد". فتدخلت الدكتور منى أبو سنة، وقالت إن الاجتماع خاص بأعضاء الجمعية، "كما لا يحق لأحد حضور مناقشة شأن داخلي للصحفيين في نقابتهم". شعرتُ بقوة موقفي، وأوضحت خطأ المقارنة. الجمعية ليست سرية، والندوة عامة. وقالت الدكتورة: "كلام فارغ".

إي والله وصفت جدالي الهادئ بأنه "كلام فارغ". وكان عليّ الخروج من ضيق القاعة، بمكتب للمحاماة في شارع الدكتور طه حسين بالزمالك، وأنا أردد قول السيد المسيح: "ولا تدخلنا في تجربة". آمين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard