من ينال الامتيازات يحتمل التّبعات... كيف يفكر المثقف الأجير الهارب من حضن السلطة؟

الجمعة 6 نوفمبر 202010:52 ص

حين تتجمّل السلطة بتقريب مثقف، فهي تستخدمه أو تستعبده، وهو يعي أنه ترس صغير في آلة كبرى؛ تمحو ملامحه، وقد يسحقه جبروتها ولا تبالي، وتواصل الدّوران ما دام قد ارتضى اللّحاق بها، وتعاقد على الولاء التامّ، أو الصّمت، وهو أضعف درجات الولاء. وإذا اتسعت المسافة بين واجباته الوظيفية وما يؤمن به يتحتم عليه الاختيار. والوقوف على حدّ السيف لا يتيح رفاهية التأني، وعليه إلقاء نفسه في جانب لا رجعة منه؛ فإن كان نحو السّلطة لاحقته وصمةٌ لا يزيلها اعتذار، وإن كانت قفزة الفراق إلى ضميره بدأ طريقاً جديداً، حياة تقطع الصلة بجذورها، وتنسيه الماضي بمسرّاته بما فيها التباهي بقرار التمرّد.

ليس مطلوباً من المثقف أن يثور وهو قليل الحيلة، لا يحمل سيفاً ولا يضمن رفاقاً، ويكفيه أن يرفع شعاراً اهتدت إليه فطرة المصريّ الأمي: "السلطان من لا يعرف السّلطان، ولا يعرفه السلطان". مفهوم السلطة ملتبس، والحدود بين السلطة والاستقلال أقرب إلى التخوم؛ مساحات رمادية ومنبسطة. فرجل النيابة سلطة يفترض أنها مستقلة وإن كانت تابعة بشكل ما للسلطة التنفيذية، وأستاذ الجامعة أيضاً قاض في موقعه ولو أنه محكوم بقوانين تضعتها سلطة ممثلة لجهاز الدولة. وحين يتواطأ المثقف مع السلطة، ويستجيب لأوامرها ويكون يدها الباطشة، فهو ليس مضطرّاً، وإنما يثق بحصاد الثّمن، والسلطة تدرك حدود التعاقد الصامت، وتفتعل إذلاله أحياناً لضمان الانحناء.

مهام القضاء، والنيابة أولى درجات هذا السلّم، تقتضي مهارات إنسانية تفوق استسهال توجيه الاتهامات إلى الناس. وقد عملتُ محرّرا للحوادث والقضايا، في نهايات القرن العشرين، واكتشفت فقر الخيال لدى قضاة ووكلاء للنائب العام. فاجأني رؤساء للنيابة لا تستقيم لهم جملة، وأضحكتني أساليبهم الإنشائية القادمة من أزمنة المماليك، وهم يقرأونها بثقة وحماسة تنفخ عروق أعناقهم. وقلّما تكون لأحدهم علاقة بالثقافة العامة والخبرة المعرفية والميدانية بالفطنة الشعبية، ولو إشارة إلى كتاب قرأه. ولهذا يكتفون بتطبيق "النصّ" بصرامة منزوعة الفقه. وفي يوليو 2017 أذاعت فضائيات مصرية جلسة من محكمة لقاض مصري يخطئ، في قراءة آية قرآنية، أخطاء فاضحة وفادحة لا تليق بطالب ابتدائي.

حين يتواطأ المثقف مع السلطة، ويستجيب لأوامرها، فهو ليس مضطرّاً، وإنما يثق بحصاد الثّمن، والسلطة تدرك حدود التعاقد الصامت، وتفتعل إذلاله أحياناً لضمان الانحناء

لوكيل النيابة سلطة حفظ التحقيق إذا اطمأنّ ضميره إلى افتراء الشرطة على بريء. حفظ القضية أقوى من الحكم بالبراءة إذا أحيلت القضية نفسها إلى القضاء. يؤثر وكيل النيابة ولاءه الوظيفي فيريح نفسه بإطلاق اتهامات مثل تلك التي ارتبطت بقتل "شهيدة الوردة"، شيماء الصباغ، في القاهرة، وهي تحمل طوقاً من الورد، عام 2015 في ذكرى ثورة 25 يناير 2011. ما الذي يدعو ضابطاً إلى قتل سيدة في وقفة سلمية على رصيف؟ ولكن النيابة اتهمت شهود الإثبات بالإخلال بالأمن والنظام العام، ولولا أن الشهيدة قيادية في حزب، وأثار قتلها تعاطفاً دولياً، لأفلت القاتل الذي حكم عليه، في يوليو 2020، بالسّجن سبع سنوات.

سلوك وكيل النيابة، قاسم أمين، مع عبدالله النديم، "خطيب الثورة العرابية"، درسٌ قانوني وأخلاقي. أصدر النديم جريدة "التنكيت والتبكيت"، عام 1881 قبل اندلاع الثورة، وارتبطت حياته بمصيرها، وبعد فشلها اختفى تسع سنوات، ورصدت السلطة المدعومة من الاحتلال البريطاني ألف جنيه مكافأة لمن يرشد عنه، فابتكر فنوناً في التخفي، حتى وشى به "مرشد" عاقبه أهل قريته بتجنّبه ورفض التعامل معه حتى مات كمداً.

سيق النديم إلى سجن طنطا، وحقّق معه قاسم أمين الذي سيؤلف كتابيْ "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، وهو يعرف قدر "المتهم". فأمر للنديم بالقهوة والدخان على حسابه، والاعتناء بتنظيف زنزانته. وتزامنت نهاية التحقيق مع أمرٍ خديوي بنفيِه إلى يافا.

كان النديم يسمي الصحف التي يموّلها الاحتلال وتنطق باسمه "جرائد الأجراء"، ومنها "المقطم" التي صدرت عام 1889، وفي نهاية العام نفسه صدرت جريدة وطنية هي "المؤيد"، لصاحبها الشيخ علي يوسف. وفي عام 1896 أثيرت "قضية التلغراف"، بنشر "المؤيد" برقيةً سرّية عنوانها "أحوال الجيش المصري في الحدود"، أرسلها اللورد كتشنر سردار الجيش المصري، باللغة الفرنسية في 566 كلمة، إلى ناظر الحربية عن الأحوال الصحية المتردية للجيش المصري في حملته على دنقلة. وتلقى البرقية مكتب تلغراف الأزبكية، وأرسلها إلى ناظر (وزير) الحربية، وفوجئوا بها مترجمة ومنشورة، بعد يومين، في "المؤيد" المعارضة للحملة على السودان، وحامت الشبهات حول توفيق أفندي كيرلس الموظف بالتلغراف.

الشاعر الحزين العاجز عن الدفاع عن النظام ذهب إلى وزير الثقافة، يطلب إجازة بدون مرتب، فخيّره بين الاستمرار والاستقالة. واجهه بالحقيقة: من ينال الامتيازات يحتمل التبعات؛ تلك هي المعادلة

قبل يومين من نشر البرقية، انتقدت "المؤيد" بشدة الحملة التي تخدم مصالح الإنكليز، وتلحق أضراراً بالجيش. وأنكر موظف التلغراف إمداد الصحيفة بالبرقية، في تحقيق تولاه وكيل النيابة الشاب محمد بك فريد. ولم ينته التحقيق إلى دليل اتهام يوجه إلى الصحيفة، ولم تجد النيابة وجهاً لإقامة الدعوى. ولم يعجب ذلك سلطة الاحتلال، فأوعز جونسون باشا، المستشار القضائي الإنكليزي الموجود بوزارة الحقانية (العدل) إلى ناظر الحقانية بوجوب إعادة التحقيق لتقديم علي يوسف إلى المحاكمة، "ولم يعارضه الناظر الذي سبق فأمر بحفظها"، كما سجل محمد فريد في مذكراته. سلوك النيابة العامة انتقدته مقالات في صحف مصرية وأجنبية، كانت "المؤيد" تعيد نشرها.

قضت المحكمة، برئاسة القاضي محمود بك خيرت، بحبس موظف التلغراف ثلاثة أشهر، بتهمة إفشاء تلغراف السَّردار، وبراءة صاحب المؤيد. لم يكن الحكم على هوى السلطة، فصدر أمر بنقل القاضي من محكمة عابدين. وطلب الإنكليز من النائب العمومي نقلَ محمد فريد إلى نيابة بني سويف، ولكنه رفض تنفيذ أمر النقل، وآثر الاستقالة احتجاجاً على المساس باستقلال القضاء، وقال في مذكراته: "وبذلك تخلصت من خدمة الحكومة التي لا تقبل إلا كلّ خاضع لأوامر الإنكليز ميت الإحساس غير شريف العواطف." وعمل فريد بالمحاماة، وبدأ مرحلة جديدة مع صديقه مصطفى كامل في تأسيس "الحزب الوطني"، وقيادة الحركة الوطنية بعد وفاة مصطفى كامل عام 1908.

محمد فريد حسم أمره فوراً. وقاسم أمين تصرّف في حدود الأمان الوظيفي. أما صلاح عبدالصبور فعانى تمزقاً نفسياً، وأصيبت روحه بنزيف انتهى بوفاته في أغسطس 1981، وما عصمه الله من التجربة ولا أنجاه "من الشرير". بعد توقيع معاهدة السّلام عام 1979، قال أنيس منصور للسادات إن مناحيم بيغن "زعلان" لأن معرض القاهرة الدولي للكتاب رفض مشاركة إسرائيل. فأمر الرئيس وزير الثقافة باستدعاء إسرائيل للمشاركة في المعرض الذي يرأسه عبدالصبور، بحكم رئاسته للهيئة المصرية العامة للكتاب. كانت الصدور مثقلة بتلاحق الأحداث: انتفاضة الخبر في يناير 1977، ذهاب السّادات إلى القدس في نوفمبر 1977، غير مبال باستقالة وزيرين للخارجية، اعتراضاً على المقامرة.

تأسست اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع، ومعظمها من اليسار الذي هاجم عبدالصبور، لمشاركة إسرائيل بجناح خاص، للمرة الأولى والأخيرة، في معرض القاهرة للكتاب في يناير 1981. كان المعرض في أرض الجزيرة، وأثار الجناح والعلم المرفوع غيرةَ طلاب وشباب، فتظاهروا وأحرقوا العلم، وطاردهم رجال الأمن، فلجأوا إلى مكتب عبدالصبور، الموقع الوحيد الذي يضمن حمايتهم، ولكنه أدار لهم ظهره، وتظاهر بتأمل أشجار الحديقة، كما روى فاروق عبدالقادر، "حتى أوسعهم رجال الأمن ضرباً، وقبضوا عليهم". الشاعر الحزين العاجز عن الدفاع عن النظام ذهب إلى وزير الثقافة، يطلب إجازة بدون مرتب، فخيّره بين الاستمرار والاستقالة. واجهه بالحقيقة: من ينال الامتيازات يحتمل التبعات؛ تلك هي المعادلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard