هدأت العاصفة... فهل حقًا فتح فيلم ريش باباً يصعب إغلاقه؟

الأربعاء 24 نوفمبر 202110:03 ص

حصد فيلم ريش في مهرجان قرطاج السينمائي أربع جوائز، منها جائزة التانيت الذهبي، لأفضل فيلم روائي طويل، ليزيد من حالة الجدل حوله، والتي سببها منذ أيام في مهرجان الجونة السينمائي، وزاد الجدل أكثر عندما اقتنص جائزة أفضل فيلم عربي روائي طويل في المهرجان ذاته، فالفيلم الذي لم يلفت الأنظار إلا عندما حاز على الجائزة الكبرى لأسبوع النقاد في مهرجان كان السينمائي، قد تجاوز حدود عمل فني قُدِّم من قبل مخرج شاب ومجموعة من الممثلين غير المحترفين، فلاقى احتراماً وتقديراً في المهرجانات الدولية، إلى حديث لا ينقطع عن السياسة والاقتصاد وحال المجتمع.

سجال جديد/قديم

فتح فيلم "ريش" الباب لسجال أكثر عمقاً حول حدود تناول السينما لآلام ومعاناة البسطاء، وهو تناول تسابقت إليه السينما العالمية وكان مدخلها لنيل الجوائز، فمنذ عامين حصد فيلم "الطفيلي" الكوري الجنوبي (الذي صنف ككوميديا سوداء رغم أنه فيلم يصعب تصنيفه) لعدة جوائز، أهمها جائزة مهرجان كان وجائزة الأوسكار، وقبل ذلك بعام، حصل الفيلم الياباني "شوب ليفترز" على جائزة مهرجان كان السينمائي، وقبل تلك التجربتين وبعدهما، جاءت تجارب سينمائية عدة، جعلت من حياة المهمشين موضعها الرئيس، هؤلاء التعساء الذين لا يلتفت ولا يشعر بوجودهم أحد، لكن بمجرد أن تتسلط عدسة الكاميرا عليهم فتظهر وجوهم الشاحبة على الشاشة الفضية يتغير كل شيء، فتحصد أفلامهم الجوائز وتنال التقدير والاحترام بشكل لافت في المهرجانات العالمية.

هل هي تعاطف، أو فضول أو شعور بالمسؤولية تجاه الذين تم إسقاطهم عن عمد في زحمة الحياة، التي تبتلع الفقراء بلا رحمة وتسحقهم دون أدنى إحساس بالذنب؟

يرى الناقد الفني أحمد سعد الدين أن فيلم "ريش" لم يفتح أبواباً ولن يغلقها، فالأبواب كانت وستظل مشرعة على مصراعيها للتجريب والإتيان بكل ما هو جديد، وأن فيلم "ريش" ربما يحمل في طياته أفكاراً جيدة، لكن المخرج عمر الزهيري والذي قام بكتابة الفيلم بمساعدة السيناريست أحمد عامر، لم يوفق في تقديمها بالشكل الأمثل، وحصوله على جوائز عالمية مرتبط بالأساس بنظرة الغرب إلى الشرق، وهو ما تجلى في تجارب سابقة كفيلم "كفر ناحوم" للمخرجة نادين لبكي، والذي اقتنص جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي في العام 2018، لكنه بلا شك ليس أفضل أفلام المخرجة اللبنانية والتي لها عدة تجارب أكثر نضجاً وإلهاماً من هذا الفيلم.

فتح فيلم "ريش" الباب لسجال أكثر عمقاً حول حدود تناول السينما لآلام الناس، وهو تناول تسابقت إليه السينما العالمية وكان مدخلها لنيل الجوائز

ويرى سعد الدين أن الفيلم لا يدعو للفزع، كما يدعي البعض ويزايد على المساس بسمعة مصر، فمصر دولة عريقة لم تهزها حروب ولم تفككها محن مرت بها على مدار آلاف السنين، و"ريش" مجرد تجربة من مخرج شاب يتلمس طريقه في عالم الإخراج السينمائي، وربما كان هذا سبباً، بالإضافة إلى عدم وجود ممثلين محترفين في العمل، في خلق هذا الجدل، وتقليل هامش المراوغة في إظهار وجهات النظر إلى أقصى حد، فنقد الفيلم جاء بلا أدنى قدر من المجاملة، وخلق حالة خالية من المحاباة.

يتفق المخرج مجدي أحمد علي مع هذا الطرح، والذي لا يرى في الجوائز العالمية مقياساً دقيقاً لجودة الفيلم من عدمه. فهناك أفلام تصنع على مقاس هذه الجوائز وأعين المخرجين منذ الوهلة الأولى تترصدها، دون أدنى اعتبار للذائقة الخاصة للمشاهد العربي عموماً والمصري خصوصاً.  

أما الفنان التشكيلي محمد عبلة، والذي يدرس بأكاديمية الفنون لطلبة معهد السينما وقريب من طموحاتهم وأحلامهم، فيرى أن "ريش" مجرد تجربة تحمل بعض الأفكار الجيدة والكثير من الملل والرتابة، فالفيلم لا يرقى لأن يكون تياراً لسينما جديدة، وقد سبقه في هذا المضمار أفلام أكثر حرفية، كفيلم "أخضر يابس" تأليف واخراج محمد حماد، وفيلم "يوم الدين" تأليف واخراج وانتاج أبو بكر شوقي، وهي أفلام مستقلة، ويتحفظ عبلة على استخدام لفظ "مستقلة" بلا ضوابط، فالأفلام من وجهة نظره كلها مستقلة بعد أن رفعت الدولة يدها عن صناعة السينما، أما بالنسبة لجماليات الصورة كما أفصح، ودلالات الظل والنور في المشاهد والكادرات، فلم يجد التشكيلي الكبير سوى الظلام في مشاهد الفيلم القاتمة، والتي أراد المخرج بها التعبير عن فكرته التي تحمل قدراً كبيراً من السوداوية .

رسائل مبطنة

يرى سعد الدين أن الفيلم لا يدعو للفزع، كما يدعي البعض ويزايد على المساس بسمعة مصر، فمصر دولة عريقة لم تهزها حروب ولم تفككها محن مرت بها على مدار آلاف السنين، و"ريش" مجرد تجربة من مخرج شاب يتلمس طريقه في عالم الإخراج السينمائي

وعلى ذكر الفن التشكيلي وما حمله فيلم "ريش" من "كادرات" تعبيرية أثارت جدلاً بين صناع السينما أنفسهم، وعاصفة لم تهدأ لدى قطاع كبير منهم، كمدير التصوير والمخرج سعيد الشيمي، فمن حيث التكنيك المتبع والشكل، كان هناك العديد من الملاحظات والأخذ والرد الذي ربما لم ينقطع حتى الآن، أما من حيث المضمون الذي حمّله البعض رسائل مبطنة وُصفت بأنها شديدة الخبث، كان للتشكيلية اللبنانية دلال قيسي رأي آخر، ففلسفة الفن والجمال، سواء كانت في السينما أو غيرها من الفنون، لا تقتصر على نمط واحد.

فالجمال قد ينبع من رحم الشقاء وفي بعض الأحيان يأتي لنا الفن بجمال يشوبه الكثير من الغموض، كما هو موجود في لوحة الصبي الباكي لجيوفاني براغولين أو عازف القيثار لبيكاسو ولوحة الطبيب لفان جوخ، وغيرها من الأعمال التي كانت المعاناة عنوانها الرئيس، فصارت علامات فارقة في تاريخ الفن، فالفن ربما يبحث عن الجمال في أكثر الأشياء مدعاة للنفور.

وفي السينما العربية والمصرية العديد من النماذج التي صورت الواقع بشكل مؤلم، وربما صادم، لكنها لم تخلُ من مسحة جمال وإن بدت مستترة، ففيلم "الطوق والأسورة" لخيري بشارة، و"الكيت كات" لداود عبد السيد، و"عفاريت الأسفلت" للمخرج أسامة فوزي، وغيرهم العديد من التجارب الصادمة والفاضحة لواقع رصده صناع تلك الأفلام، فكان ملامس لواقع الحال أو سابح في الخيال، لكنهم استطاعوا تصويره بشكل مثير للدهشة والجدال.

ما هو الأثر النفسي لهذه الأعمال كما يراهما علماء النفس وخبراء علم الاجتماع؟ ترى د. منى قابل، الأديبة المصرية  وخبيرة العلاقات الأسرية، أن مثل هذه النوعية من الأفلام ضارة جداً لمرضى الاكتئاب والذين يعانون من مشاكل نفسية بالأساس، فعلى الرغم أنه لا أمراض نفسية بالمعنى المفهوم واضحة المعالم يمكن تحليلها لأبطال فيلم "ريش"، إلا أن الحالة العامة للفيلم والتي تشبه حداداً مستمراً، والمشاهد السوداوية الغارقة في الكافكوية لا تنقطع.

ما يجعل متابعتها مجهدة لمن يعانون من مشاكل واضطرابات نفسية، وربما يفسر ذلك حالة الفزع التي انتابت البعض حينما شاهد الفيلم، أو عندما يشاهد أفلاماً مماثلة تقدم في السينما العالمية، وأكدت د. قابل من خلال مشاهدتها للفيلم أن المخرج خرج بشكل تام عن نطاق الزمان والمكان، رغم الإشارة أن أحداث الفيلم تدور في إحدى قرى الصعيد، لكن ما قدم في الفيلم كان بعيداً كل البعد عن الواقع، ربما قصد المخرج بهذا الخروج أن يتحرر أكثر فيفعل ما يحلو له دون ضابط، لكنه بلا شك قدم عملاً صادماً خانقاً شديد القسوة.

في السينما العربية والمصرية العديد من النماذج التي صورت الواقع بشكل مؤلم، وربما صادم، لكنها لم تخلُ من مسحة جمال وإن بدت مستترة، ففيلم "الطوق والأسورة" لخيري بشارة، و"الكيت كات" لداود عبد السيد، و"عفاريت الأسفلت" للمخرج أسامة فوزي، وغيرهم العديد من التجارب الصادمة والفاضحة لواقع رصده صناع تلك الأفلام

أما من الناحية الأدبية وبعيدا عن علم النفس ودروبه، ترى د/ منى أن الفيلم نُفِّذ بشكل سيء، والفكرة فقط هي ما تستحق الجائزة: امرأة تحاول أن تستعيد زوجها من دجاجته، فالفقر الذي قدم لا يشبه فقر القرى المصرية، فمن خلال تجاربها وعملها زارت العديد من القرى الفقيرة التي تفتقر لأدنى مقومات العيش الكريم، إلا أنها لازالت تنبض بالحياة، أما ردود أفعال أبطال فيلم "ريش" فمقيتة ومميتة، والحسنة الوحيدة في الفيلم هو الطفل الصغير المشاغب، الذي يعترض بأفعاله على كل ما يدور من حوله.

لم تتوقف ردود الأفعال عن فيلم "ريش" حتى وقتنا هذا، ورغم كل ما أثير حوله من لغط، إلا أنه من المؤكد، عن قصد أو دون قصد، أنه قد فتح مجالاً واسعاً للنقاش في العديد من المواضيع، فمن صناعة السينما وحال صنّاعها لحال المجتمع عموماً، ومن السياسة والاقتصاد المتحكمين في كل شيء من حولنا، إلى أغوار النفس البشرية التي تتحكم في كل ما يصدر منا من أفعال، والتي لا تتوقف عن إثارة البهجة تارة والكآبة تارة أخرى، ومن حرية الرأي والتعبير واحترام خيال المبدع وعدم مصادرة رأي وإن اختلف مع أفكارنا، إلى محاولة جاهدة للوصول إلى نقطة تلاقٍ نستطيع فيها أن نتقابل دون تخويف أو تخوين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard