"كسروا بخاطري يا ابن عمي"... من لقائي مع "أم ماريو" بطلة فيلم "ريش"

السبت 23 أكتوبر 202102:32 م

- "كسروا بخاطري يا ابن عمي... ربنا يسامحهم".
لاذت "أم ماريو"، بطلة فيلم "ريش"، طوال الأيام الماضية، بالصمت، بعد عودتها إلى بيتها أمس الأول، على الرغم من كم التصريحات التي خرجت على لسانها، وتأويلات المؤيدين والمعارضين لتلك التصريحات المفبركة من الأساس. لم تهتم بالرد، ولا تعرف ما الذي يمكن قوله، وما لا يجوز، فالأمر أكبر منها، ومن قدرة عقلها البسيط على تحليل كل همسة وغمزة، قبل الكلمة التي قد تحمل "طبطبةً"، أو شركاً يُنصب للطيبين أمثالها، لركوب "التراند". قام أحدهم بعمل صفحة باسمها، وإطلاق التصريحات بلسانها، وكل طرف يأخذ منه ما يلزمه، ويحيكه بطريقته، ليخدم قضيته وأفكاره، لكن أحداً لم يهتم بمشاعر هذه المرأة، بعد الضجة كلها التي صاحبت عرض فيلم "ريش"، في مهرجان الجونة السينمائي، وبما قد يحدث لها جراء هذا الجنون كله.
زرت بطلة الفيلم، فور عودتها من الجونة. اختفت الفرحة التي رأيتها على وجهها في أثناء زيارتي لها، قبل شهرين، بعد فوز الفيلم بالجائزة الكبرى في مهرجان كان، وحلت محلها نظرة رضا فحسب، ودهشة مما يثار حول الفيلم. لا تعرف كيف لفيلم يأتي لمصر بكل تلك الشهرة والجوائز والتقدير، أن يوصف بالعمل المسيء إلى البلد؟ كل هذا النجاح والاحتفال، وهذه الفرحة، تتبخر في بلدها، ومن أهلها وناسها. قال لها المخرج عمر الزهيري، ومن يعرفونها كلهم، أن لا تتكلم مع أحد الآن... وهي تؤمن بأن "الله يدافع عنكم وأنتم صامتون" (سفر الخروج).

- "دول غيرانين منك يا عبيطة". قال لها "أبو ماريو"، محاولاً احتواء حزنها. زوج السيدة دميانة نصار، يعدّل من وضعية قطعة الفحم المشتعلة فوق "الجوزة" الصغيرة التي يمسكها بيده، ويخبرها بثقة، أن "الممثلين دول كلهم كان نفسهم يعملوا ربع اللي إنتِ عملتيه، وما عرفوش"

- "دول غيرانين منك يا عبيطة".

قال لها "أبو ماريو"، محاولاً احتواء حزنها. زوج السيدة دميانة نصار، يعدّل من وضعية قطعة الفحم المشتعلة فوق "الجوزة" الصغيرة التي يمسكها بيده، ويخبرها بثقة، أن "الممثلين دول كلهم كان نفسهم يعملوا ربع اللي إنتِ عملتيه، وما عرفوش".
يتمتع "أبو ماريو" بذكاء يبدو في عينيه، ويثق في تحليله لهجوم بعض الفنانين المصريين على الفيلم، وصنّاعه، بأنه محض غيرة. إنه رجل اختبر الدنيا، وسافر كثيراً، ومقتنع تماماً بتفسيره للأمر، إذ كيف لـ"فلاحة غلبانة" أن تأتي، وتسحب منهم الأضواء والجوائز؟ تبتسم الزوجة محاولةً الاقتناع برأي زوجها الذي تثق به، أكثر من ثقتها بعقلها هي، وتطلب من ابنتها الكبرى أن تحضّر لنا الشاي، قبل أن يبث لها ابنها "ماريو"، خبر فوز الفيلم بجائزة فنية كبرى من الصين، حسب صفحات الأخبار على فيسبوك، لتتسع ابتسامة الأم، ويزيد الرضا، وتتمتم: "أنا اللي صعبان عليّ إن ولاد بلدي اللي بيعملوا كده، والأجانب هم اللي فرحانين بينا". ولا تدرك أن ما تقوله هو ما يروّج له المزايدون، عن اهتمام المهرجانات العالمية والأجانب بأفلام الفقر والعشوائيات، لتشويه سمعة البلاد الطاهرة العفيفة، ولن أخبرها بذلك، إذ يكفيها ما هي فيه من حيرة.

"أنا اللي صعبان عليّ إن ولاد بلدي اللي بيعملوا كده، والأجانب هم اللي فرحانين بينا"

بعد الهجوم على فيلم "ريش"، من قِبل بعض الفنانين، الذين لم يكتفوا بالخروج من عرضه، والتصريح برأيهم فيه، وقدّموا مداخلاتٍ في برامج توك شو مصرية شهيرة، لاستكمال الهجوم على العمل، وصنّاعه، والمطالبة بمحاسبتهم، ومنع الفيلم من العرض، وبدأ من بعدها التصعيد الرسمي ضد العمل، وصنّاعه، إلى حد البلاغات الرسمية، والاستجوابات البرلمانية. ذلك كله، جعل ما يشغل بالي أكثر، مسألة تأثير ذلك كله، على رأي الأهالي في قرية البرشا، مسقط رأس بطلة الفيلم. هؤلاء الذين كانوا يحتفون ويهتفون باسم ابنة بلدهم، ويفتخرون بما أنجزته، هل تأثر رأيهم بالاتهامات التي وُجّهت للفيلم، وصنّاعه، وطالت بطلته أيضاً، لا سيما مع تأثير إعلاميين مثل أحمد موسى، وعمرو أديب، على عقول البسطاء، إذا تعلّق الأمر بـ"سمعة مصر"، وبـ"نظرية المؤامرة على تشويه بلادنا"؟
ساورني القليل من القلق، فلا شيء مضموناً، إذ بين ليلة وضحاها قد يحوّل الإعلام -لغرضٍ أو بغباء- البطل، إلى متّهمٍ في لحظة، لكن قلقي تلاشى فور متابعتي تعليقات الجمهور على الاتهامات الموجهة إلى الفيلم، والدعم الكامل من أغلبية المعلّقين على الأخبار في مواقع السوشال ميديا، له ولصنّاعه، والسخرية التي طالت المنتقدين، والتي جعلت بعضهم يتراجع عن تصريحاته وهجومه على الفيلم، بعد أن نالته هو الانتقادات والتعليقات اللاذعة من المتابعين.

وقبل ذلك كله، أشعل أهالي المنيا مواقع التواصل، دفاعاً عن الفيلم الذي يناقش مشكلات الفقراء، ودفاعاً عن بطلتهم "دميانة" التي أسعدتهم بظهورها وتألقها، والتي حصدت القلوب والجوائز، ببساطتها وعفويتها وصدقها. صدّقوها لأنها منهم، وأظهروا في تعليقاتهم وحماسهم استعداداً لحشد التظاهرات من أجلها، ليس لأنها "مسيحية" مثلهم فحسب، هذه المرة، لكن لأنها تمثّل شعباً كاملاً من الفقراء، والبسطاء، الذين يحلمون، ولا يسمحون بمصادرة أحلامهم.
عادت "أم ماريو" إلى حياتها الطبيعية. لم تعرف رأي نجيب ساويرس في الفيلم، ولم تهتم. لم تردّ على تصريحات شريف منير، ولا علاقة لها بما ذُكر على لسانها بخصوص مبادرة "حياة كريمة". لكنها تثق أنها لم تفعل إلا الصواب. وأن ما يقال عن الفيلم، كله كذب وافتراء. لا تعرف معنى كلمة "تنمّر" التي وصفوا بها تعامل المذيعة بوسي شلبي معها، في لقائهما في الجونة. تقول "أنا ما عدتش فاهمة". فقد كانت أولى من ذكرت اسمهم "أم ماريو" أمامي، في لقائي معها، عندما سألتها عن تعامل الناس في الجونة معها، بوسي شلبي، وأكدت أنها احتفت بها، وقبّلتها على وجنتيها، كأنها صديقتها، وكانت تلعب مع الأطفال، وتضحك معهم، حسب قولها. كان ذلك بعدما سألتها عما قالتها لها الممثلة هالة صدقي، بعد عرض الفيلم، إذ هاجمتها في ردهة قاعة العرض، وعاتبتها على المساهمة في إظهار صورة الصعايدة بهذا الشكل، وهي صعيدية مثلها، ولم ترَ هذه المشاهد في المنيا، فاكتفت "دميانة" بالرد عليها بقولها: "يبقى أنت ما تعرفيش حاجة عن المنيا، ولا الصعيد".

عادت "أم ماريو" إلى حياتها الطبيعة، تنشغل بتجهيز ابنتها المقبلة على الزواج، ومتابعة دروس بقية أبنائها، ومذاكرتهم، ولا يهمها سوى عودة زوجها إلى بيته سالماً، بعد سفر، وغربة، وشقاء

عادت "أم ماريو" إلى حياتها الطبيعة، تنشغل بتجهيز ابنتها المقبلة على الزواج، ومتابعة دروس بقية أبنائها، ومذاكرتهم، ولا يهمها سوى عودة زوجها إلى بيته سالماً، بعد سفر، وغربة، وشقاء. وفي المساء، تجلس مع جاراتها أمام المنزل، يضحكن ملء قلوبهن، بصفاء نية لا تعرفها المهرجانات الفنية، ولا الباحثون عن "التراند". تعرف أن عرض الفيلم، وأصداءه، مستمران، لكنها تحاول ألا تنجرف وراء كل كلمة. فرحت عندما علمت بفوز الفيلم ومخرجه بجائزة في مهرجان الجونة، في دورته الحالية، وتعدّ ذلك مكافأةً من الله لهم، وأكبر ردّ على من هاجموا الفيلم، واتهموه بالإساءة إلى مصر وفقرائها، قبل أن يخرج رئيس مبادرة "حياة كريمة" بتصريح عن الفيلم وأزمته، مؤكداً على أهمية الفن وحرية التعبير، ومعترفاً بوجود فقر في مصر، إذ لا يوجد عمل فني يمكنه أن يشوّه مصر، ما كان بمثابة الضربة القاضية لمنتقدي الفيلم، والمزايدين على وطنية صنّاعه، وانتمائهم. لعلهم "يختشون"، ويتركون الفن في حاله، ولا يزجّون باسم مصر، وسمعتها، وسط كل جملة، لينالوا الرضا، والبركة، أو لتصدّر المشهد بالطرق والأساليب نفسها، التي مورست طوال قرن مضى، ويجب عليهم البحث عن طريقة جديدة للظهور والمزايدة الرخيصة، بالتحريض ضد كل رأي، أو عمل فني، ليس على هواهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard