"في تلك الأيام السحيقة"... ملامح انقسام الربة الأم الكبرى بين نساء المشرق القديم

الأحد 7 نوفمبر 202101:59 م

اتفق الدارسون لمرحلة عصور ما قبل التاريخ على أن تماثيل الأنثى ضخمة الثديين والفخذين والبطن تمثل الربة الأم الكبرى، وأن ثقافات عصور ما قبل التاريخ اشتركت في هذه العبادة الموغلة في القدم.

تختلف وجهات نظر الدارسين في ما بعد حول زمن ومعنى ظهور تمثال الإله الذكر، وما يمثله من صعود أو انتصار للنظام الأبوي. يتعقد الأمر أكثر مع بداية الكتابة وانتقال المعتقد من المحفوظ على اللسان والذاكرة إلى التسجيل. إذ على الرغم من ظهور العديد من الربات الإناث بمسؤوليات متنوعة، فثمة ما يشبه الإجماع على اعتبار عشتار أو إنانا استمراراً لعقيدة الربة الأم الكبرى، فهي الربة الأم وإلهة  الخصب والحب والجنس.

إن الجنس والحب لا يختصران أبعاد الخصوبة، حيث لا بد من توفر فعاليات متصلة بالخصب بمعناه: في الخلق، والإنجاب (العلاقة مع الابن) والترابية (العلاقة مع الأرض)، فهل إنانا/عشتار هي حقاً الربة الأم الكبرى في الثالوث؟

الأم الترابية الرهيبة

يقدم نائل حنون في كتابه "ملحمة جلجامش" نصاً سومرياً يتحدث عن هبوط أنكيدو إلى العالم السفلي، معنوناً بـ "في تلك الأيام السحيقة"، يهمنا فيه سطران يصف فيهما أنكيدو لجلجامش إلهة العالم السفلي (أريشكيجال) عندما قابلها بقوله: "تلك المتضطجعة أمام الإله ننازو، تلك المضطجعة فوداها الطاهران غير محجبين برداء، نهداها مثل جرتين في حوض، غير مشدودين".

يقترب هذا النص، عند وصف الثدين وحالة الاضطجاع، من تماثيل الربة الأم الكبرى، والإشارة إلى منطقة ما بين العين والأذن غامضة، فهي طاهرة وغير محجبة. يكمن جزءٌ من الإجابة في بعض تماثيل الربة الأم التي وصلتنا كاملة، وتظهر ما يشبه القبعة أو غطاء الرأس القصير كما يقدمها كتاب جيمس ميلارت "أقدم الحضارات في الشرق الأدنى" أو كتاب "عبادات آلهات الخصوبة في الشرق القديم" لعيد مرعي، لمواقع شهيرة في مراحل ما قبل الفخار، والإجابة جزئية، لأن بعض تماثيل الربة الأم كانت بدون غطاء رأس أيضاً! فيصعب الاستدلال على معناه أو قيمته. حسبها الإشارة في نص أنكيدو لوصف القسم غير المغطى من الرأس ونخمن الداعي إلى ذكره.

اتفق الدارسون لمرحلة عصور ما قبل التاريخ على أن تماثيل الأنثى ضخمة الثديين والفخذين والبطن تمثل الربة الأم الكبرى، وأن ثقافات عصور ما قبل التاريخ اشتركت في هذه العبادة الموغلة في القدم

أمومة سيدة الموتى

إن إرفاق الإله ننازو هو ابن الإلهة مع أريشكيجال في نص مقابلة أنكيدو لها متوقعة، لأن تماثيل الربة الأم القديمة كانت تترافق أحياناً مع ابنها الذي اعتبره مؤرخو تلك الحقب بعشيق الربة الأم أو طفل الربة الأم. فأنكيدو لم يقابل حاكمي العالم السفلي، بل حاكمة العالم السفلي وابنها.

يقدم نائل حنون في كتابه "عقائد الموت ما بعد الموت في حضارة بلاد الرافدين" أمومة إلهة العالم السفلي المختلطة الأبناء، فالنصوص الشهيرة تجعل من نرجال زوجا لها، ولكن ثمة نصوص تعتبر إله الشفاء ننازو زوجها وأن ابنهما هو نن كشزيدا، بينما اعتبُرَ الأخير في نصوص أخرى أباً لـ ننازو وزوجاً لأريشكيجال! وثمة نصوص أخرى جعلته ابناً لإنليل وننليل، ما أوحى للأستاذ كريمر في كتابه "من ألواح سومر" أن ننليل وأريشكيجال شخصية واحدة .

ننكشزيدا اسم سومري يعني "سيد الأشجار الجيدة"، وثمة نص مرثية بالصياغة السومرية، في كتاب "أدب الرثاء في بلاد الرافدين" لحكمت الأسود، يتحدث عن موته وشكوى زوجته التي تدعى أزيما. إن الخلط الشديد بين أزواج وأولاد أرشكيجال في نصوص تعود لفترات متقاربة، يعطي مؤشراً على أنماط من الزواج كانت مألوفة في عصور قريبة.

يرد في كتاب "العراق القديم دراسة تحليلية لأحواله الاقتصادية والاجتماعية" لمجموعة من علماء الآثار السوفييت مقالة لستروف، يتحدث فيها عن نص ذي ميزة رفيعة من مدونات الملك المصلح أوركجينا، ملك مدينة لجش، أوضح فيها أن النساء السابقات لعصره كنَّ يستطعن أن يتزوجن من رجلين، وأن النساء الآن يتم رجمهن بالحجارة (يقصد في زمانه) بسبب ذلك.

إن الخلط بين أزواج وأولاد أريشكيجال يدل على جانب قديم جداً من شخصيتها. استمر هذا الجانب ببقاياه في النصوص تذكر تعدد الأزواج، واضمحل لمصلحة صعود شخصية زوجها نرجال. فيكون السؤال المنطقي: كيف أصبحت أريشكيجال حاكمة للعالم السفلي؟

الأب والنتيجة الصراع

جاءت قصة أريشكيجال في تسلم مسؤوليتها في نص غريب بقي منه 12 سطراً أكثرها غير كامل. تدل القصة كما يستعرضها كريمر في كتاب "من ألواح سومر" على أنها كانت إلهة سماوية، وخطفت إلى العالم السفلي من قبل الشيطان "كر"، الأمر الذي جعل الإله أنكي "والدها" يركب سفينته ويحارب هذا الشيطان الذي يعني اسمه الجبل.

تختلف وجهات نظر الدارسين في ما بعد حول زمن ومعنى ظهور تمثال الإله الذكر، وما يمثله من صعود أو انتصار للنظام الأبوي. يتعقد الأمر أكثر مع بداية الكتابة وانتقال المعتقد من المحفوظ على اللسان والذاكرة إلى التسجيل

وبينما ترجم كريمر الحدث إلى الخطف، يعترض ياكوبسون ويقدم نائل حنون ترجمته الجديدة التي اقتراحها ياكوبسون لنفس الأسطر: "بعد أن أخذ آنو السماء، بعد أن أخذ إنليل الأرض، وبعد أن أهديت الأـرض إلى أريشكيجال مهراً لها في العالم السفلي"، وبغض النظر إن كان هبوط أريشكيجال قسراً أو طوعاً، فإن مصيرها حدد في صراع والدها ضد الشيطان "كر" الذي اسمه من أسماء العالم السفلي، أي – كر وتعني بيت الجبل بالسومرية ويقابلها في الأكدية ايكرو.

مشكلة الاسم

يعني اسم أريشكيجال سيدة الأرض العظيمة، فاسمها مركب من مقطعين صوتيين سومري وأكدي، إيرش أكدي ويعني سيدة ويقابله بالصياغة السومرية نن / أو / كاشان وكي السومرية وتعني أرض، وجال السومرية وتعني عظيمة.

فلا أعلم بمعلوماتي المتواضعة عن إله أو إلهة حمل اسمهما مقطعين صوتيين مختلفي الصياغة. وحدها إلهة العالم السفلي نالت هذا الامتياز، ويبقى البت بمعنى هذا الأمر بيد المختصيين بالمسماريات، وهو ما أعتقد أنه يدل على زمنها الموغل في القدم.

أمام وضوح فاعلية الأمومية لإلهة العالم السفلي في الجانب الترابي، باعتبارها حاكمة عالم الموتى تحت الأرض، ألّا أنها من جهة بقية فعاليات إلهة الأم الكبرى من إنجاب غامضة، وإذا جاز التعبير، قبورية، فهي المتلقية السلبية لفاعلية تكاثر الإنسان.

سيدة الجبل المقدس

هي ننخرساك والتي يعني أسمها في الصياغة السومرية سيدة الجبل المقدس وزوجة الإله أنكي. مرضعة الملوك القدماء كما تفاخروا في نصوصهم.

يعدد عيد مرعي ألقابها في كتابه "عبادة آلهات الخصوبة في الشرق القديم"، ننماخ في السومرية (السيدة العظيمة) ننكي (سيدة الأرض) نينتو (السيدة الولود) بيلت إيلي بالأكدية (سيدة الآلهة) دامكينا (الزوجة الوفية) ويضيف نائل حنون في كتابه "عقائد الحياة والخصب" إلى هذه الألقاب، آرورو أي واهبة النسل، ننتو اما كلاما وتعني (السيدة الولود أم البلاد).

أدوارها رئيسية في الأساطير إلى جانب الآلهة الكبار آنو وإنيليل وزوجها أنكي، في فعالية خلق العالم والإنسانين الأولين أوليكارا وزولكارا والبشر، أو الخلق في الحالات الطارئة مثل أنكيدو نتيجة شكوى أهل أوروك، أو خلق الآلهة لتعالج الأمراض في جسد زوجها أنكي.

على الرغم من ظهور العديد من الربات الإناث بمسؤوليات متنوعة، فثمة ما يشبه الإجماع على اعتبار عشتار أو إنانا استمراراً لعقيدة الربة الأم الكبرى، فهي الربة الأم وإلهة  الخصب والحب والجنس

الأم الكاملة... ولكن

إن فعالية ننكي الترابية عميقة الجذور، فقد اعتبر المؤرخون أنها كانت الإلهة الأقدم للأرض وأن أنكي هو الزيادة الحادثة، فالنصوص التي تتحدث عن دور إنليل (ورمزه الفأس المستخدم في الفصل بين الأب والأم) يذكر بعضها خزعل الماجدي في كتاب "متون سومر" مثلاً (تولى برعايته فصل السماء عن الأرض من أجل أن تنمو الكائنات التي خلقت) جعلت المؤرخين يعتبرون أن ننكي هي الإلهة القديمة.

يقول ثوركلد ياكوبسن بمشاركته في كتاب "ما قبل الفلسفة" بعد توضيح دلالة الأرض الأم وقربها من الإنسان، أنها "أكثر غنى وأشد تنويعاً من أن تعبر عنها فكرة واحدة" ويوضوح ياكوبسن: "في الأزمنة التاريخية نجد أن اسم أنكي والدور الذي يلعبه في بعض الأساطير هما وحدهما اللذان يشيران إلى أنه هو والماء العذب الذي يرمز إليه لم يكونا إلا وجهاً من أوجه الأرض"، وأن العراقي القديم وجد في تجربته الذاتية للماء قوة خلاقة وإرادة إلهية تمثل قوى الأرض، "ولكن هناك فرقاً بين الاثنين، هو الفرق بين السالب والموجب، فالأرض أو كي أو ننخرساج، أو أي اسم آخر نطلقه عليها، لا تتحرك.

فخصبها إنتاجية منفعلة أو سالبة. أما الماء فيجيء ويذهب، ويجري في الحقل ويرويه ويلتف ويراوغ، ثم يتناقص ويغيض. فكان له إرادةٌ وهدفٌ. فهو الإنتاجية الفاعلة، الفكر الواعي".

يفسر هذا الفهم السبب الذي نشاهد فيه أنكي، وعلى سبيل المثال، خالقاً للنباتات وعمليات غزل النسيج، من خلال تجاوزه الأعراف بتناسله مع بنته ثم حفيدته ثم ابنته، ومتخطياً الحدود التي أوضحتها زوجته ننكي، فيمرض ولا يستطيع شفاء نفسه (وهو المشهور بشفائه لأمراض الآلهة) وأمام عجز جميع الآلهة، تعود زوجته وتشفيه بخلقها للآلهة الشافية.

الأمومة الفخورة والصراع

يهمنا في استعراض العلاقة مع الابن أسطورة سومرية تتحدث عن معركة عنيفة لابن ننخرساك وهو نينورتا (إله الحرب والصيد)، مع شيطان يدعى آساك وتمكنه من قتله، فتحل الكوارث في البلاد، لأن المياه الأولى الموجودة في العالم السفلي في مكان (يسمى باسم كور) هو مكان إقامة الشيطان آساك، صعدت إلى الأرض وطغت على المياه العذبة، مانعة إياها من ري المزارع.

يتدخل نينورتا ويبني سداً عظيماً بهيئة جبل ليحمي البلاد من تدفق المياه من تحت الأرض، يذكر نائل حنون أثر فعلة نينورتا بعودة الوفرة والغلال بـ "لقد أزال الإله الحزن من البلاد وأسعد أرواح الآلهة"، وننماخ التي تسمع ببطولة ابنها، تزوره وقد فاضت مشاعرها بالزهو والعطف تجاه ابنها. وموقفها هذا أثار مشاعر نينورتا الذي قرر إطلاق اسم خرساك على ذلك الجبل: "فليكن اسم الجبل الذي كدسته، أنا البطل، خرساك ولتكوني أنت ملكته"، فكان اسمها ننخرساك.

لقد تغلب نينورتا على شيطانٍ من نفس المكان الذي واجه فيه أنكي في النص المتعلق بـ أريشكيجال والذي كانت نهايته وصول ابنة أنكي إلى حكم العالم السفلي بينما ينتصر نينورتا، ابن ننماخ على الشيطان بوضوح.

كان تقسيم الآلهة وتوزيع المسؤوليات جزءاً من صيرورة الإجابة والرجاء للبشر أمام حدثي الموت والولادة، فخصص التقسيم الأبوي أنثى للولادة وأنثى للموت وأنثى للحب، مقسماً الربة الأم الكبرى إلى وجوه تتماهى مع النظام الأبوي المنتصر بقوانينه وقيوده بهرمية واضحة حتى بين الآلهة سماوية وأرضية وسفلية

وليست زيارة أمه ننماخ ومظاهر الفخر إلا نقيضاً لصراع أنكي وثمنه، والأكثر إثارةً أن اسم خرساك من جهة هو من أسماء العالم السفلي، ومن جهةٍ أخرى تتحدث الأسطورة عن مظاهر الخصب التي تعم الجبل الذي ينتج جميع أنواع الحشائش والجعة والعسل، ومختلف أصناف الأشجار والمعادن والمخلوقات من ذوات الأربعة.

إن النتيجة التي وصل إليها الأب مختلفة عن النتيجة التي وصل إليها الابن في صراعهما مع شيطان يعتدي على أحد مظاهر خصوبة.

النص الغريب

يقدم كتاب "أدب الرثاء في بلاد الرافدين" لحكمت الأسود، نص مرثية غريبة لإلهة تدعى ليسن، عبدت مع أخيها آشكي في مدينتين أدب وكيش في بلاد الرافدين، حملت لقب الإلهة الأم وصفت كابنة لننخرساك. تنوح على ابنها (الذي لا نعرف اسمه) بتعبير فني رائع، والغريب في النص هو الدافع المرعب وغير المألوف في أيٍّ من النصوص الأدبية أو المرثي؛ حيث تتهم الإلهة ليسن والدتها الإلهة ننخرساك بأنها التي قتلت ابنها.

"مع من سوف أقارنها؟ بطلي الشاب، أمي قتلته، مع من أستطيع مقارنتها؟ أمي التي حملت بي، ننخرساك. أمي قتلته، أنا مع من سوف أقارنها؟ مع الذئبة التي ليس عندها رحمة، سوف أقارنها مرة أخرى وأخرى". يقدم النص ننخرساك في وجه غير مألوف لقائدة تعاقب بالموت.

إننا أمام عائلة ترابية فأرشكيجال ابنة أنكي من إلهة تدعى نن جلا، ونينورتا ابن ننخرساك من إنليل. يجمع ننخرساك وأريشكيجال خلق الإنسان بفعلة أولى وتلقيه ميتاً عند الثانية، وشيطان وجبل. أمام هذا التناظر الشبيه بالمرآة بينهما، أين إنانا أو عشتار؟

أنثى الجنس والحب

إذا كانت غراميات إنانا في قصصها مع تموز، وتبيان حالاتها النفسية والمزاجية الحادة والمتقلبة قبل الخطبة وأثناءها، وبعد زواجها وخاصة بعد ترملها، واشتراكها في دوري الندب على زوجها وخياناتها الشهيرة، فإن معنى الإنجاب عندها هامشي وظهر بابنها شارا، الذي ورد اسمه في نص واحد يكاد يكون مجهولاً من قبل غالبية الباحثين. إن مسؤولياتها الإلهية مسجلة في واحدة من أطول الأساطير السومرية (أنكي وتنظيم الكون) 466 سطراً، فبعد أن وزع أنكي المسؤوليات على الآلهة والإلهات تأتي الإلهة إنانا تشكو أبيها أنكي من غيرتها من أمتيازات آورور الموصوفة بأخت إنليل التي استلمت مسؤولية الإنجاب، لأنها "حملت لنفسها إناء آلا المقدس.

لقد أصبحت مولدة البلاد وفي يدها وضعت الملك الوليد والسيد الوليد"، أما هي: "وأنا المرأة، لم عاملتني معاملة مختلفة، أنا إنانا المقدسة أين هي امتيازاتي؟"، فيرد عليها أنكي: "إنليل قد زين لك وجعلك ترتدين ثوب (قوة الفتى الشاب) وأنت هيمنت على الكلمات التي ينطق بها الفتى الشاب، وأشرفت على العصا والصولجان والمحجن فماذا نزيدك على كل هذا أيتها العذراء إنانا؟ وأنت التي تجيبين على أسئلة ما يخص الحروب والغزوات وأنت التي تجدلين الخيط المستقيم وتعدلين الخيط المفتول فأصبح مستقيماً وفصلت الأردية ولبست الأثواب ونسجت المك ولففت الوشيعة في .. صبغت خيط .. بالألوان المتعددة يا إنانا. أنت حطمت ما لا يتحطم وأتلفت مالا يتلف وأنت أمسكت رق الأحزان .. وأنت التي لا يمل المغرمون من التطلع إليها".

إن اتفاق الرواية السومرية والآشورية في قصة نزولها إلى العالم السفلي في توقف الحيوانات والبشر عن ممارسة الجنس، دليل على أن فعالية إنانا/عشتار الحقيقية متجسدة في الحب واللذة الجنسية. وعندما يعدد جلجامش عليها غرامياتها الخاصة، فتشتكي إلى الإله آنو (أكبر الآلهة) فيكون جواب آنو في صلب طبيعة مسؤوليات إنانا/عشتار: "فتح آنو فاه وقال لعشتار الجليلة: أنت تحرشت فجنيت الثمرة فعدد جلجامش فحشاءك وعارك ومثالبك"، فإذا هي المرأة بجميع أحوالها باستثناء الإنجاب والأمومة التي كانت مسؤولية ننخرساك.

لا عبرة للقب الأم التي تحمله إنانا أو عشتار فقد حملته الكثير من الإلهات القديمات بدون أن تكون لهن صلة بمسؤوليات الأمومة، حتى إن تموز نفسه حمل لقب (أما شمكال) ويعني أم التنين.

 يرجع نائل حنون سبب انفصال مهمة إنانا عن الأمومة إلى الميل الطبيعي الذي تشترك فيه المجتمعات الإنسانية عموماً في الترفع عن إقران الأمومة بكل ما يجلها من تكريم وتقديس بالوصال الجنسي، بما يعنيه من اندفاع غريزي وحمى اللذة الجنسية المنفصلة عن الأمومة.

فالسعي نحو ممارسة الجنس وما يحيط به من تخفٍّ وكبت وموانع بدراجات مختلفة، أمر لا تريد المجتمعات الإنسانية بشكل عام التخلي عنه، فثمة تحرج من الربط بين الأمومة والاعتراف بالغريزة الجنسية، وهو أمر ما زالت المجتمعات المعاصرة  تعاني منه وبدرجات متفاوتة. فالجواب الرقيق الشعور الذي تقدمه إحدى نساء الزولو، كما يقدمه فرويد في كتابه "الطوطم والتابو" عن سبب منع الصهر الكلام مع حماته إلا إذا كانت في مكان آخر لا يراها بـ "ليس من الصواب أن يرى الرجل الثديين اللذين أرضعا زوجته"، يدل على تاريخ الاجتماع الإنساني المغرق بالمشاعية ثم القيود، وربما بتأمل هادئ بقيود وأخلاقيات النظامين الأمومي والأبوي.

من هي الربة الأم الكبرى؟

كان تقسيم الآلهة وتوزيع المسؤوليات جزءاً من صيرورة الإجابة والرجاء للبشر أمام حدثي الموت والولادة، فخصص التقسيم الأبوي أنثى للولادة وأنثى للموت وأنثى للحب، مقسماً الربة الأم الكبرى إلى وجوه تتماهى مع النظام الأبوي المنتصر بقوانينه وقيوده بهرمية واضحة حتى بين الآلهة سماوية وأرضية وسفلية.

وإذا كانت المفاضلة بين الإلهتين في القدم والتي تقترب من مفهوم الربة الكبرى، فأتصور أنها أريشكيجال؛ فأمام الموت تتجلى حقيقة أعقد روابط الدم ورابط الأرض والقبول السلبي لظاهرة الحياة، وهذه هي صفات النظام الأمومي تماماً. يتساوى بعد الموت جميع الناس، فهناك الأم التي تحب كل أطفالها على نحو متشابه ومن غير شروط، فحبها قائم على أنهم (الموتى) أطفالها لا على إنجازهم خاص، إنه مبدأ الشمول الأمومي القديم لا القيود الأبوية بتفضيل من يطيع السلطة.

كان نزول أريشكيجال إلى العالم السفلي في نتيجته انتظام لظاهرة الموت في الحياة التي تتطور، وهو انتظام تم بيد أبوية تخطط لهذا التطور، أما انتصار الحياة لتستمر فكان بيد الابن، فكان معيناً للأم في نظام أبوي أحكم انتصاره وتوزيع الأدوار على الجميع، وكان نصراً بلا ثمن وتضحيه تمس بالحياة، وهذا سر فخر أمه به، وليس غريباً أن يتطور دور نينورتا في ما بعد ليأخذ دور الفلاح؛ العابد القديم للأم الكبرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard