عندما كانت الحيوانات آلهة وكان الإنسان نباتياً في الجنة

الجمعة 23 أكتوبر 202010:24 ص

أقامت العديد من الحضارات علاقة قوية بين الإنسان والحيوان، وبعضها قام بتهجين الجنسين لصنع جنس ثالث، كان جزءاً هاماً على المستوى الفني، الأسطوري، الفلسفي، الأدبي والديني حتى، إذ تعدى حضورها في الحضور الحضاري البشري مجرد كونها طعاماً أو عنصراً مساعداً في اليوميات: لقد شكل الحيوان مصيدة ثقافية أيضاً جعلته "مرهوناً" للوجود البشري برمته.

الحيوانات المقدسة

منذ العصور السحيقة، سعى البشر لتمثيل يومياتهم، طرق عباداتهم، آلهتهم وحتى أصداءهم باستخدام الحيوانات وتمثيلاتها، بالعودة إلى العلامات والرموز التي تمّ اكتشافها بالكهوف والأثريات القديمة، يحتل الحيوان مكانة بارزة كشكل جمالي في الفنون البدائية كشخصية تجاور الإنسان قبل أن يتحول إلى عنصر بألوهية كاملة قبل ظهور التوحيد، فكانت الآلهة حيوانات كاملة أو كائنات هجينة بين الحيوان والإنسان.

في الهند لا يزال غانيش، إله الفطنة والحكمة، يتمثل برأس فيل وجسد ولد وأربع أياد، وهانومان، إله الإنسان والقرد، يكرسان حتى اليوم، كما هناك العديد من الحيوانات التي تحتفظ الديانة الهندوسية بتقدسيها، بحيث لا يساء إليها أبداً ولا تؤكل، كالبقرة والقرد والظباء، الطواويس والنمور.

كما تعج المعابد المصرية والنواويس والمقابر والأهرامات بالعديد من المخلوقات والآلهة الحيوانية، وأنوبيس هو بلا شك أفضل مثال على ذلك، كإله رئيس لمصر القديمة، وهو الاسم الإغريقي له كإله للموت، التحنيط، الحياة السفلية والمقابر، ويتميز بجسد رجل ورأس كلب أو ابن آوى.

إذا أردنا تعداد الآلهة الحيوانية القديمة التي اهتمت الحضارة المصرية بتقديسها فقد لا ننتهي، من الحيوانات القوية كالأسد والأفعى والعقرب إلى الأضعف والأقل أذى كالخنفساء والضفادع والجنادب. إن الآلهة المصرية تجمع تقريباً لوحة طبيعية متنوعة للمساعدة على العبور إلى الحياة الأخرى، أو للربط بين كونين، وبهذا تم العثور على بعضها محنطة ناهيك عن النقوش التي ازدانت بها المقابر الفرعونية القديمة.

هذا الاختلاط بين الإنسان والحيوان دفع الإنسان لتأليه الحيوان وعبادته وتقديم الهدايا إليه وتكريمه حسب مقدرته، لقد اختاره كاستعارة للقوة والحكمة والعديد من الأفكار الأخرى التي صبغت منطقه الأخلاقي

الحيوانات والآلهة

بالرغم من تشعّب العلاقة بين المقدس والحيوان، إلا أن الأساطير اليونانية والرومانية القديمة هي من وضعت الآلهة بسمات حيوانية بشرية مشتركة، مثل القنطور والساتير، ومن ذلك أن جميع آلهة الأولمب تتوافق مع حيوان يرمز لها: زيوس يرمز له بالنسر، أفروديت بالحمامة، بوسيدون بالحصان، هيرميس بالكبش والسلحفاة....

وبدرجة أقل، نجد هذه الظاهرة في الكتاب المقدس، حيث لكل إنجيل من الأناجيل الأربعة قصة رمزية للإنسان أو الحيوان: يوحنا النسر، مرقس الأسد، لوقا الثور، متى الإنسان، أما الروح القدس فيتمثل على شكل حمامة والنفس البشرية بالحمل.

هذا الاختلاط بين الإنسان والحيوان دفع الإنسان لتأليه الحيوان وعبادته وتقديم الهدايا إليه وتكريمه حسب مقدرته، لقد اختاره كاستعارة للقوة والحكمة والعديد من الأفكار الأخرى التي صبغت منطقه الأخلاقي.

الأخلاق والروحانيات

الأديان السماوية الثلاثة تأمر بالسلام والرحمة مع الحيوانات، بشكل عام، رغم أنها "تصنفها" أخلاقياً لحد ما، لكنها أيضاً جميعها لديها تقليد التضحية بالحيوان من أجل استخدامه كطعام أو قربان.

الأمر يتعلّق بدقة أكثر بالدم، الذي يجب أن "يُسفح" كعمل رمزي وسلفي قوي. وفي الواقع، حلّت فكرة التضحية بالدم الحيواني محل فكرة القرابين البشرية، واليوم فقد الحيوان طابعه الإلهي، والتوحيد لم يمنحه اهتماماً خاصاً، وإذا كانت الزيادة في التركيبة السكانية فرضت هذا التدهور في استخدام الحيوانات كمصدر للإطعام، انتقلت البشرية إلى إبادة جماعية معترف بها بل وقانونية تماماً ومشجعة ومرغوبة. في بضعة قرون نزل الحيوان من الأولمب ليصل إلى أماكن قذرة ومظلمة ودنيئة، حيث يعيش في أقفاص وحظائر قبل ذبحه أمام عائلته، في ممارسة همجية.

بصيص أمل

ومع ذلك ثمة بعض الآراء القليلة والمجموعات الصغيرة التي تقدم قراءة أخرى للنصوص الدينية التوحيدية، وترى أنها تحض على اتباع "النباتية" في المأكل والابتعاد عن سفح دم الحيوانات.

في اليهودية طرح بعض النباتيين أن الطريقة التي تتم معاملة الحيوانات بها في المزارع تنتهك تماماً التعاليم اليهودية، بالإضافة إلى أن الدولة العبرية تحتل المرتبة الثانية في العالم من حيث عدد النباتيين، ووفقاً لبعض علماء التوراة، إن التضحية بالنباتات في المعابد ستكون مقبولة ومرضية لله، نقرأ في سفر إشعيا: ما الذي يهمني بكثرة تضحياتك؟ يقول الرب. لقد تشبعت بمحارق الكباش ودهن الضحايا، دماء ثيران وحملان وماعز لا أريدها..."، وبالتالي، إن على الإنسان المثالي ألا يأكل اللحوم لأن القيام بذلك يؤدي إلى قتل مخلوقات الله.

 إذا كان من الممكن أن تضم بعض النصوص الدينية أذناً بأكل لحوم الحيوانات فهي ليست إحدى الوصايا واجبة الاتباع، لنتذكر أنه في جميع الديانات السماوية وحسب كل الأساطير، كان الإنسان في الجنة نباتياً فقط

وبالمثل في المسيحية، دعت بعض مجموعات المسيحيين النباتيين إلى احترام الحيوان، ويؤكدون أن الحمل الذي حُمل على أكتاف الراعي يرمز للروح التي خلصها المسيح، ولم يكن مقصوداً أن يؤكل: لقد كان الأمر برمته مجازاً.

بالنسبة لهم من غير المعقول أن ننقذ مخلوقاً من أجل الله ثم نذبحه، ويذكرون أن مسيحيي اليونان والإسكندرية وبيزنطة وفلسطين، حتى القرن الرابع، كانوا ضد استهلاك اللحوم والكحول، وهذا دليل على البساطة والرصانة.

وبالمثل رابطة نباتيي المسلمين تشرح أن الطعام النباتي والعضوي حلال تماماً وأن تربية الحيوان كالآلة ليس كذلك.

إن الحيوانات تستحق الرحمة لأنها مخلوقات الله مثل البشر، ويؤكدون أن التضحية بكبش في عيد الأضحى ليست ركناً من أركان الإسلام، وكما أن الصوفيين كانوا غالباً نباتيين، وفي الإسلام، حسب بعض الفتاوى، تحرّم الألعاب العنيفة والعدوانية التي تضم حيوانات، كمصارعة الثيران وقتال الديكة.

في الختام، هناك حفنة من البشر من أديان مختلفة، روحانيون للغاية، قد اختاروا احترام الحيوان، لأن إذا كان من الممكن أن تضم بعض النصوص الدينية أذناً بأكل لحوم الحيوانات فهي ليست إحدى الوصايا واجبة الاتباع، لنتذكر أنه في جميع الديانات السماوية وحسب كل الأساطير، كان الإنسان في الجنة نباتياً فقط.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard