من تحريم التبغ إلى الحشد الشعبي... الأدوار السياسية للمرجعية الشيعية المعاصرة

الخميس 11 نوفمبر 202109:44 ص

لعب الكثير من مراجع الشيعة الكبار أدواراً مهمة على الصعيد السياسي، في كل من العراق وإيران على وجه التحديد، الأمر الذي يمكن رصده في العديد من المواقف، بدايةً من تصدي الشيرازي الكبير للامتياز البريطاني بالتصرف بالتبغ في إيران، ومروراً بكل من ثورة العشرين في العراق، والثورة الإسلامية الإيرانية، ونهايةً بتحرير الموصل على يد قوات الحشد الشعبي التي تشكّلت بناء على فتوى من السيد علي السيستاني.

وتُعَدّ مرجعية التقليد من أهم المراتب عند الشيعة في العصر الحالي، والسبب في ذلك حجم السلطة والنفوذ الذي يتمتع به صاحب تلك المرجعية داخل الأوساط الشيعية التي تقلّده.

مرجعية التقليد... النيابة عن الإمام الغائب

بحسب السردية الشيعية، كان الأتباع، في القرون الأولى من تاريخ تشكّل المذهب، يذهبون إلى الإمام الذي يوجد في زمانهم، فيسألونه ويستفتونه في المسائل والمشكلات التي تعترضهم، وكان الإمام يجيب عليهم ويفتيهم ويبيّن لهم أحكام الدين.

وبقي ذلك المنهج في التعامل بين الشيعة وأئمتهم قائماً حتى عام 260هـ، عندما غاب الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري هرباً من الملاحقة العباسية المستمرة له، في فترة عُرفت بـ"الغيبة الصغرى". وكان التواصل بين الإمام وأتباعه في تلك الفترة، يتم عن طريق وكيل أو سفير للإمام، وتعاقب أربعة أشخاص على ذلك المنصب.

وفي عام 329هـ، أبلغ الإمام أتباعه، عن طريق علي بن محمد السمري، وهو أحد السفراء، أن الأخير هو آخر سفرائه إليهم، وأن الإمام سيدخل في "الغيبة الكبرى"، ولن يخرج مرة أخرى إلا في آخر الزمان، ليعيد الحق والعدل مرة أخرى بعد استشراء الظلم والجور.

السؤال المُشكل الذي فرض نفسه في الأوساط الشيعية طوال عصر الغيبة، كان ذلك الذي يدور حول كيفية التصرف أثناء تلك الفترة؟ وإلى أين يذهب الشيعة عندما يواجهون مسائل ومشاكل لا يستطيعون حلها؟

الإجابة على ذلك السؤال كانت قد قُدمت من قِبل الإمام نفسه قبل تغيبه، ذلك أنه أخبر أتباعه بأن يرجعوا إلى الفقهاء والعلماء، ومن ذلك قوله "أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم"، حسب ما يذكر الشيخ الصدوق (ت. 381هـ) في كتابه "كمال الدين وإتمام النعمة". وشيئاً فشيئاً ظهر مفهوم مرجع التقليد، وأصبح كل مسلم شيعي يختار واحداً من كبار الفقهاء والعلماء ليكون مرجعاً له.

من غير المعروف على وجه التحديد مَن كان أول مَن شغل منصب المرجع في التاريخ الشيعي الإمامي، وأغلب الظن أنه كان العالم والفقيه المعروف بابن أبي عقيل العماني (ت. 340هـ تقريباً)، وبعده ظهر كثيرون من العلماء والفقهاء الذين أضحوا من مراجع الشيعة المعتبرين والذين يتبعهم الملايين من أهل المذهب، والذين فرض عليهم منصبهم الديني المشاركة، بشكل من الأشكال، في ميادين السياسة والحكم.

محمد حسن الشيرازي وثورة التبغ

ولد محمد حسن الشيرازي في مدينة شيراز، عام 1815، وفي سن مبكرة سافر إلى أصفهان لتلقى العلوم الدينية على يد شيوخها وعلمائها، وفي عام 1879 سافر إلى العراق واختير مرجعاً وتدفق عليه الطلبة من كل مكان.

يظهر الدور السياسي في حياة وسيرة الشيرازي الكبير في موقفه المعارض للسلطة الإيرانية في المسألة التي عُرفت في ما بعد بانتفاضة التنباك أو ثورة التبغ، عام 1890. بدأت القصة مع اتفاق الشاه ناصر الدين القاجاري مع بريطانيا على منحها امتياز حرية التصرف بالتبغ الإيراني، سواء أكان ذلك داخل البلاد أو خارجها، وقوبل هذا الاتفاق بمعارضة من الشيرازي فأرسل إلى الشاه القاجاري معترضاً على تلك الاتفاقية، وبيّن ما فيها من اعتراف ضمني بالسيادة البريطانية على الأراضي الإيرانية، ولكن الشاه لم يلتفت إلى رسائله المتكررة، فقام عندها الشيرازي بإصدار فتوى جاء فيها "إن استعمال التنباك حرام بأي نحو كان، ومَن استعمله كان كمَن حارب الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف"، ثم أتبع تلك الفتوى بأخرى، هدد فيها بشكل صريح ومباشر بالدخول في مواجهة عنيفة ضد السلطة القائمة في إيران، وظهر ذلك بوضوح في قوله: "إذا لم يُلغَ امتياز التنباك بشكل كامل، سأعلن الجهاد خلال 48 ساعة".

فتوى ثورة التنباك الصادرة عن ميرزا محمد حسن الحسيني الشيرازي - 1890مـ

بدايةً من تصدي الشيرازي الكبير للامتياز البريطاني بالتصرف بالتبغ في إيران، ومروراً بكل من ثورة العشرين في العراق، والثورة الإسلامية الإيرانية، ونهايةً بتحرير الموصل... أدوار سياسية كبيرة لعبها مراجع الشيعة

بمجرد أن شاع خبر تلك الفتاوى في عموم الشعب الإيراني، حدث تجاوب كبير معها، وقام كثيرون من الإيرانيين بترك التدخين وكُسرت كل نرجيلة وكل آلة للتدخين، حتى قيل إن نرجيلة الشاه القاجاري كسرها الخدم في قصره. واضطر الشاه في نهاية الأمر إلى فسخ تعاقده مع الشركة الإنكليزية ودفع مبلغاً مالياً كبيراً مقابل ذلك.

محمد تقي الشيرازي وثورة العشرين في العراق

وُلد محمد تقي الشيرازي في شيراز في إيران ثم انتقل إلى العراق في شبابه، وأقام في كربلاء بعض الوقت وبعدها قصد سامراء حيث طلب العلم على يد الشيرازي الكبير وتتلمذ على يديه، وبعد وفاة المجدد الشيرازي اختير محمد تقي لخلافته في منصب المرجعية.

ظهر الدور السياسي لمحمد تقي الشيرازي أثناء اندلاع ثورة العشرين في العراق، عام 1920، إذ لعب دوراً كبيراً ومهماً في قيادة تلك الثورة، وذلك بعدما تدفق عليه زعماء العشائر القبلية، يطلبون منه الرأي والنصيحة ويستفتونه في إعلان الثورة ضد الإنكليز.

وبعد تأكد الشيرازي من صدق نواياهم وأخذه عليهم العهود والمواثيق بحفظ الأمن والنظام في البلاد، استجاب لطلبهم بإعلان الثورة وأيّدهم وقال لهم: "إذا كانت هذه نواياكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم"، ثم أصدر فتواه الشهيرة التي دُشنت بها ثورة العشرين، والتي جاء فيها "إن المطالبة بالحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم، رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية، إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم".

وكما هو متوقع، أدت تلك الفتوى إلى اشتعال الثورة في شتى أنحاء العراق، وقام الشيعة بقتال القوات الإنكليزية وأوقعوا بها خسائر بشرية ومادية فادحة، فردت السلطات البريطانية على المرجع الشيرازي باعتقال ابنه وعدد من المقربين منه وبعض قادة الثورة ونفتهم، وقمعت المحتجين حتى هدأت الأوضاع في العراق.

أيضاً، كان من بين المواقف السياسية المهمة التي اضطلع بها المرجع محمد تقي الشيرازي، موقفه عندما حاولت السلطات البريطانية إكراه العراقيين على انتخاب المندوب السامي البريطاني ليكون رئيساً لحكومة العراق الجديدة، فقد أفتى المرجع بحرمة ذلك، وكان من ضمن كلامه في ذلك الموقف: "ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين"، حسب ما يذكر الدكتور كامل سلمان الجبوري في كتابه "محمد تقي الشيرازي القائد الأعلى للثورة العراقية الكبرى 1920".

أبو القاسم الكاشاني وحكومة مصدّق

وُلد السيد أبو القاسم الكاشاني في طهران عام 1877، وتلقى علومه الأولية في إيران، قبل أن يهاجر مع أبيه، السيد مصطفى الكاشاني، إلى العراق، حيث كان لهما دور قيادي مهم في أحداث ثورة العشرين.

بعد انتهاء أحداث الثورة، رجع أبو القاسم إلى إيران، وتعرض للاعتقال من قِبل الحكومة المتحالفة مع الإنكليز، وبعدها أفرج عنه، ونفي إلى بيروت ليمكث فيها لفترة، قبل أن يعود من جديد إلى إيران ليمارس عمله الدعوي، وليتبوأ مع الوقت منصبه كأحد أهم المرجعيات الشيعية في حوزة قم.

عام 1890، أفتى الشيرازي الكبير بأن "استعمال التنباك حرام" وبأن "مَن استعمله كان كمَن حارب الإمام المنتظر ثم أتبع فتواه بأخرى هدد فيها بإعلان الجهاد، فاضطر الشاه إلى إلغاء امتياز حرية التصرف بالتبغ الإيراني الذي منحه لبريطانيا

في 1952، لعب الكاشاني دوراً مهماً على الساحة السياسية في إيران، بعد أن وصل الدكتور محمد مصدق إلى السلطة، وعُيّن رئيساً للوزراء، وأصدر قراره الشهير بتأميم النفط الإيراني وإلغاء الامتياز الممنوح لشركة النفط الإيراني البريطاني.

الكاشاني الذي كان في تلك الفترة يشغل منصب رئيس البرلمان الإيراني أعلن تأييده لقرارات مصدق، واستغل شعبيته الكاسحة وسط الجماهير في تسيير تظاهرات حاشدة للترحيب بقرارات تأميم النفط.

رغم ذلك التوافق المبدئي، إلا أن الخلافات سرعان ما دبت بين الرجلين، بعدما رفض مصدق طلب رجال الدين بمنع تداول الخمور، وبعدما رفض الكاشاني المقترح الذي قدمه مصدق بمنح النساء حرية التصويت في الانتخابات النيابية، الأمر الذي حدا بكاشاني للتهديد بمغادرة طهران والتوقف عن دعم حكومة مصدق.

هذا الخلاف أفقد مصدق جزءاً كبيراً من التأييد الشعبي، خصوصاً بعد أن أشاع رجال الدين في عموم إيران أن رئيس الوزراء شيوعي يعمل ضد الدين ويخالف الشريعة الإسلامية، ما سهل الانقلاب على حكومته في 19 آب/ أغسطس 1953، بتدبير مخابراتي أمريكي معروفة باسم "العملية أجاكس"، حسب ما يذكر فهمي هويدي في كتابه "إيران من الداخل".

الخميني والثورة الإسلامية

روح الله الخميني الموسوي هو رجل دين ومفكر وسياسي شيعي وُلد عام 1902، وتدرج في المناصب الدينية حتى وصل إلى منصب آية الله العظمى، بما رسّمه كواحد من أهم المرجعيات الدينية الشيعية في القرن العشرين.

في 1963، بدأ صعود نجم الخميني على مسرح الأحداث السياسية في إيران، بالتزامن مع قيام الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، المتأثر إلى حد بعيد بالخطوات الإصلاحية التي طبقها مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، بالبدء في تنفيذ أولى الخطوات في مشروعه الإصلاحي المعروف باسم الثورة البيضاء، وهي ثورة تضمنت العمل على التقارب مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتهميش التشريعات الدينية، وإضعاف رجال الدين، ومنح المرأة هامشاً أكبر من الحرية، حسب ما يذكر زهير مارديني في كتابه "الثورة الإيرانية بين الواقع والأسطورة".

تلك الخطوات الإصلاحية أثارت حفيظة القيادات الدينية الإيرانية، وعلى رأسها آية الله الخميني الذي ندد من معقله في قم المقدسة بمشروع الشاه، وانتقده في الكثير من خطاباته الحماسية التي أطلقها من قم.

رد الشاه على انتقادات الخميني كان عنيفاً، إذ اعتقله وسجنه وسط تظاهرات شعبية صاخبة، ثم نفاه إلى تركيا حيث مكث لعدة شهور، قبل أن يغيّر مكان منفاه إلى العراق، حيث بقي لمدة 14 عاماً، وعمل على تدريس نظرياته السياسية في حوزة النجف الأشرف، كما نشر كتابه الشهير "الحكومة الإسلامية"، والذي وضع فيه الأطر العامة لنظريته الخاصة في ولاية الفقيه.

بعد طرده من العراق، بسبب صدامه مع السلطة، توجه الخميني إلى منفاه الأخير في باريس، ومن هناك دعا جموع الشعب الإيراني للثورة على النظام الشاهنشاهي، الأمر الذي تحقق بالفعل ليهرب الشاه، وليعود الخميني مرة أخرى إلى طهران، في الأول من شباط/ فبراير 1979، ليشغل منصب القائد الأعلى للثورة الإسلامية، وهو المنصب الأهم في إيران بعد الثورة، إلى أن توفى عام 1989.

السيستاني وتشكيل الحشد الشعبي

عقب وفاة أبي القاسم الخوئي عام 1992، تولى السيد علي السيستاني قيادة المرجعية الشيعية في مدينة النجف الأشرف، وصار أهم مراجع التقليد الذين يتبعهم الملايين من الشيعة الإمامية الاثناعشرية في مختلف دول العالم.

على الرغم من ولادة السيستاني في مدينة مشهد الإيرانية، عام 1930، إلا أن رحيله المبكر إلى النجف، ودراسته في حوزتها العلمية، حدا به ليصبح واحداً من أهم الفاعلين على مسرح السياسة العراقية، الأمر الذي ظهرت آثاره في مرحلة الغزو الأمريكي للعراق وما تبع ذلك من أحداث متلاحقة.

يذكر الدكتور صلاح عبد الرزاق في كتابه "السيد السيستاني ودوره السياسي في العراق"، أهمية الجهود التي مارسها السيستاني في تلك المرحلة الحرجة على وجه التحديد. يقول: "كان له دوره القيادي المؤثر في الأزمات والقضايا المصيرية التي واجهها النظام السياسي الجديد. وكان بحنكته يوجه وينصح ويسدد ويقترح ما يعالج به تلك المشاكل التي لا يبدو لها حل في الأفق أو تدخل في نفق مغلق".

غير أن أهم تأثيرات السيستاني على مسرح السياسة العراقية ظهرت في أعقاب اجتياح قوات تنظيم داعش لما يقرب من ثلث مساحة العراق، عام 2014، وما تبع ذلك من انهيار لقوات الجيش العراقي النظامي. ففي 13 حزيران/ يونيو من العام نفسه، قام الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل السيستاني، وخطب في صلاة الجمعة داعياً باسم المرجع لمواجهة قوات داعش.

وكان مما ذكره في هذا الخطاب نص الفتوى التي أصدرها السيستاني وعُرفت في ما بعد باسم فتوى الجهاد الكفائي، وجاء فيها: "إن طبيعة المخاطر المحدقة بالعراق وشعبه في الوقت الحاضر تقتضي الدفاع عن هذا الوطن وأهله وأعراض مواطنيه وهذا الدفاع واجب على المواطنين بالوجوب الكفائي، بمعنى أنه إذا تصدى له مَن بهم الكفاية بحيث يتحقق الغرض وهو حفظ العراق وشعبه ومقدساته يسقط عن الباقين، ومن هنا فإن على المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية لتحقيق هذا الغرض المقدس".

إثر ذلك الخطاب، تشكلت مجموعات من الفرق العسكرية الشيعية، والتي عُرفت باسم الحشد الشعبي، وسرعان ما توجهت إلى غرب العراق، ودخلت في معارك متلاحقة ضد داعش، حتى تمكنت من تحرير الموصل في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 2017.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard