نعمة الرؤية... ماذا لو تحوّلت إلى نقمة؟

الجمعة 12 نوفمبر 202110:45 ص

لا يخفى على أحد أن العين هي آلة النظر والرؤية، وهي أيضاً عنصر أو مظهر جمالي جاذب، وقد تكون نافذة عبور إلى قلب الآخر. تكشف تحوّلات النظرة لعبة الناظر والمنظور إليه؛ فنظرة الآخر مرآة تعكس نفسين. العين إذن، ذات وموضوع في آن معاً. عندما نرى شيئاً ما، فإما أن نركّز عليه وإمّا أن نبقيه هامشياً. وفيما ينبّه ممدوح عدوان إلى حسن انضباط الرؤية للفنان وكيفيته بالتناسب مع المسافة، فإن عبد الله القصيمي لديه معاناته -وهي ليست خاصّة- مع من لا يرى على الرغم من امتلاكه العينين.

"إنهم لا يرون لأن لهم عيوناً... لقد رُكّبت لك عينان لكي لا ترى". تتبدّى هاتان المقولتان للقصيمي منافيتين لمنطق وظيفة العين إذا فصلتا عمّا يبين مقاصد الكاتب السعودي التهكمية. حيث يوضّح أن الرؤية موت أو جنون، وأن العيون ليست الرؤية، بل قد تكون جهازاً للحماية من الرؤية. ويمعن في شرحه بأن الرؤية ليست القدرة على قراءة أغبى الأفكار المكتوبة بأغبى الحروف. إنما هي موهبة إنسانية صعبة، وعذاب الرؤية عذاب خاص وبلا حدود؛ لا يصيب الذات، لأنه نفس الذات، نفس وجودها.

الرؤية موت أو جنون، والعيون ليست الرؤية، بل قد تكون جهازاً للحماية من الرؤية. الرؤية ليست القدرة على قراءة أغبى الأفكار المكتوبة بأغبى الحروف، إنما هي موهبة إنسانية صعبة، وعذاب الرؤية عذاب خاص وبلا حدود؛ لا يصيب الذات، لأنه نفس الذات، نفس وجودها

عكر العالم وعين الفنان المركّبة

كأننا بالشاعر السوري يفسّر أسباب عذاب تلك الرؤية التي تصيب صاحبها بالجنون أو أنها قد تسبّب له الموت حقيقة أو مجازاً. فيتحدّث عن ولادة أزمة الفنان وتحديد غربته عندما يرى نفسه مضطراً إلى أن يعيش ضمن شروط وعلائق اكتشفها. وإذ يكتشف صفاءه يكتشف عكر العالم، وتصطدم صلابة صفائه بصلابة هذا العالم. ويقول إن "الفنان الحقيقي لا يهتمّ بالملابس المتّسخة، بل يهتمّ للقذارة الكامنة في نقي العظام وللدماء المنتنة في الشرايين".

هنا تكمن إذن، الرؤية الحقّة لدى الكاتبين كليهما، في أن يرى الكاتب، أو الفنان عامةً، عكر العالم من خلال صفائه وصدقه؛ يتعذّب لينقل الحقيقة كاملة، أو أنه سيختنق لو ابتلع لسانه وصمت. وإذا كان عدوان يصف عين الفنان على أنها عين مركّبة؛ فيتمكّن -أي الفنان- إذ ذاك، من الارتماء في الوحل من غير أن يفقد القدرة على رؤية هذا العكر، فإن القصيمي يحذّر من عواقب رؤية مماثلة؛ لأن من يرى لن يقبل ولن يغفر. ويمعن هذا الأخير في تحذير قارئه من أن يصبح كاتباً أو نبياً، إذ سيغدو ذلك الكائن الذي يجد الناس عزاءهم في الاستماع إلى هوانه وصراخه وهزائمه.

 لماذا الوهم أعظم مجداً من الحقيقة؟

هو سؤال يطرحه القصيمي، واصفاً من خلال إجابته المضمرة المنافقين والواهمين على حدٍ سواء: "كأنهم يرون أن المرآة هي التي تصنع وجوههم وصورهم، جمالهم وقبحهم... ويطلبون بأن تكون دائماً شاهدة زور لمصلحتهم". ويعود إلى الرائي غير المتوهّم ليخاطبه بالقول: "إنك إذا كنت ترى، فإن كل شيء سوف يتحوّل إلى تحدٍّ لك، وإلى اصطدام بك، وإلى عدوان عليك، وإلى مناقضة لأخلاقك ولأشواقك".

يثير الطرح بشأن الوهم بحثنا عن أسباب وقوعه. وقد اهتم علم الظاهرات (الفينومينولوجيا) بمسائل الرؤية والفهم والقصدية والبيذاتية وتجربة العالم المعيش؛ حيث إن رؤية الشيء تعني الغوص فيه. والعين أشبه بآلة تصوير تلتقط الصورة من بعيد، ثم تكبرها لتنبهنا إلى شيء ما يستقرّ في المكان نفسه الذي نسكنه، ويمتدّ فيه، وفي المقابل تهمّش أشياء أخرى فتتراجع إلى دائرة اللامرئي.

ذلك تماماً ما رمى إليه عدوان حين أشار إلى أن الفنان لا يهتم لحاجة الإنسان إلى لفافة تبغ إلا إذا رأى فيها دليلاً على حاجته إلى الخبز والوجود الحقيقي، وأن اهتمامه ناجم عن قدرته على رؤية ما لا يُرى بالعين المجرّدة.

الرؤية الحقّة هي في أن يرى الكاتب أو الفنان  عكر العالم من خلال صفائه وصدقه؛ يتعذّب لينقل الحقيقة كاملة، أو أنه سيختنق لو ابتلع لسانه وصمت

وكيلا يقع في الوهم، يقترح عدوان على قارئه الابتعاد قليلاً لئلا يجرفه التيار؛ شريطة عدم الابتعاد إلى الحدّ الذي يفقده البعد المقدرة على الرؤية أيضاً. والرؤية من المنظور الفينومينولوجي تتبدّى في ما يجده القصيمي في أن حاسة الإبصار هي أكثر حواس الإنسان شمولاً وحساسية وازدحاماً بالأشياء وتصادماً بها أيضاً؛ وعلى ذلك، إن الكون موجود في عيوننا.

ويصف من يمتلك موهبة الرؤية بأنه يمارس برؤيته كل الكون وكل الناس وكل الأشياء، لكنه حينئذٍ سيعاني كل ذلك ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، متكرّراً ومتجدّداً.

هل توجد عيون ليس لها تاريخ من الدموع؟ 

قبل أن نتلمّس الإجابة عن السؤال الآخر الذي طرحه القصيمي، لنتأمّل الآثار الأدبية والأعمال الفنية من خلال عيون صناعها، ولنعاين الجمال في ما صوّر من قبح ومهانات للبشرية. فالعيون نوافذ تطلّ منها النفس على العالم: نفس عاشق على عالم الحبيب، ونفس شاعر على عالم الرؤيا. ويطلّ من خلالها عقل فيلسوف على ما بعد الرؤية، وإلى ما يفسّرها.

وبتعبير ميرلوبونتي، فإن العين لحم ومرآة تستجيب لنداءات الأشياء اللامرئية لتحوّلها إلى مرئيات، واللحم يتخذ دلالة الالتحام والاندغام بالحياة والتداخل مع لحم العالم.

إنما للقصيمي أكثر من عتب على الشعراء والعاشقين والمقلّدين وقد رؤوا جمال العيون وتحدّثوا عنه طويلاً. ولم يروا عذاب العيون، وما فيها من تراكمات الانفعالات الضارعة الباكية. فمن يرى تلك الآلام لن يتمكّن من رؤية الجمال الصافي، وما يوصف من عناصر ومظاهر في الطبيعة والكون. بل أكثر من ذلك، يقول:

"إنك لو رأيت لتحولت الشموس والأزهار والحقول وكل الأشياء الجميلة إلى عاهات وفضائح... ولتحوّلت كل الأشياء إلى عار في عينيك"

"إنك لو رأيت ذلك لتحولت الشموس والأزهار والحقول وكل الأشياء الجميلة إلى عاهات وفضائح... ولتحوّلت كل الأشياء إلى عار في عينيك".

لعلّ ممدوح عدوان بعبارته "الغضب الواعي" يذهب بالمعنى في الاتجاه نفسه، فالغضب المنبثق عن الوعي هو معجزة الفن. إنما يتأتّى من صفاء النفس كأن الفنان يريد أن يرى غضبه في المرآة، على حدّ تعبيره. وللمرآة رمزية، وهي موضع اشتغال فكري منذ القدم، بوصفها -في أحد التأويلات- معادلاً للحقيقة؛ الحقيقة بما هي مرآة يرى من خلالها الإنسان ذاته ويتأمل في إرادته وقواه وحدوده. ولتفسير رؤية عدوان يعقد تشبيهاً حين يقول:

"إن المشترك في العرض غير قادر على رؤية العرض ككلّ. يجب أن تكون إيجابياً في الحدث ومنفصلاً عنه؛ التفاعل الإيجابي هو عملية اكتساب حرارة لكنه عملية تقليص الرؤية. هناك خشية من أن تتحوّل إلى جزء من مجموعة الأجزاء".

حروب عمياء وعذاب التيه

تأخذنا الرؤية -إبصاراً وبصيرةً- إلى عالم الميثولوجيا في التراث الإنساني، لنستحضر صورة أوديب ملكاً في اختياره سَمل عينيه عقاباً مستحقّاً، حالما اكتشف خطيئته بانتهاك قداسة الأمومة. هذه الظاهرة تستدعي الأسئلة حول أهمية هذا المكوّن من الجسد/العقل. إنه القدر الأعمى الذي رسم مساره سقوطاً في عمى البصيرة. تقترب هذه المعادلة من مفهوم القصاص في شريعة حمورابي: "الكسر بالكسر والسن بالسن والعين بالعين".

لكن إنسان القصيمي ليس لديه مناعة عقلية أو أخلاقية عندما نرى في عينيه استعداداً دائماً للانتقال من النقيض إلى النقيض. أو حين نلتمس فيهما طاعة واقتناعاً وحبّاً أو جبناً رغم سوق طغاته وأربابه له إلى الحروب والعداوات وإلى كلّ الحماقات. إنسان القصيمي ليس بشجاعة أوديب، لم يختر عذابه بشجاعة، بل أذعن له في انقياده، اختاره جبناً.

يتابع الكاتب مرثيته الطويلة في كتابه "فرعون يكتب سفر الخروج": "لو رأيت ما في رجليه من عذاب التيه... إنك لو رأيت ما في نظراته من لهفة وخوف وحيرة، ومن آثار معارك لتاريخ حزين، ومن قراءات لمستقبل يخافه ويخطو إليه... إنك لو رأيت ما في عينيه من دموع صامتة... إن العيون المعذّبة لن تكون أقسى عذاباً من العيون الرائية للعيون المعذّبة... إن الرؤية للعذاب حمل للعذاب من طريق العيون".

صور العين نوافذ لمخيلة متدفّقة، ولقلب لا تنغلق أبوابه إلا على أيقونات خالدة من أصناف الفنون. هذا حسن! غير أنها تبقينا في دائرة التعمية إذا ما حجبت عنا حقيقة قُمعت في المجتمعات، ويعاد إنتاج تشويهها في آثار وظيفتها الكشف وإعادة التقييم. وتجعلنا أيضاً رهينة ساذجة لمقولات "السرديات الكبرى" إذا لم نبتعد قليلاً لتغدو الرؤية بغير غرض أو إغراق في ذاتية تاريخية شكّلتنا. لا يلام الرّائي البصير إذ يختار الهروب في المجاز، والتعريض البلاغي؛ يبتغي أن يتحرّر من عبء مسؤولية القول، خشية مساءلة، أو ربما أكثر!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard