السر وراء "عيون العشّاق" التي تغزو سوق المجوهرات من الشانزليزيه إلى أمازون

الجمعة 10 سبتمبر 202102:25 م

خطاب العاشق

جورج، أمير ويلز، كان شخصاً مزعجاً بشكل لا يمكن تصوّره. كان جذاباً وسيماً وعلى وعي بذلك، تلقّى قدراً كافياً من التعليم، ويستطيع التحدث بالفرنسية والألمانية والإيطالية بطلاقة، وكان يُحسن الغناء والعزف على التشيللو، ويميل للشباب المتأنقين الذين ينفقون ثرواتهم على الملابس والنساء والخيول. وكان أيضاً مدمن رهانات لا مثيل له؛ خصَّص البرلمان مرات عديدة مئة ألف جنيه لسداد ديونه.

في السابعة عشرة من عمره اعترف أنه "مغرم بالنساء والنبيذ أكثر من أي شيء آخر"، وأنه يمضي وقته في تخيّل الأشياء التي لا يستطيع الحصول عليها، ومن بين تلك "الأشياء" ماري روبنسون، التي فتنته أثناء قيامها بدور "بيرديتا" في مسرحية "حكاية شتاء" لشكسبير، وظل ينفق عليها ببذخ طوال ثلاث سنوات.

لكن الصدفة قادته للقاء أرملة من العامة تكبره بست سنوات، تُدعى ماريا آن فيتزهيربرت، وفجأة وجد نفسه مشتّتاً، يكافح ليحافظ على توازنه. ترك كل شيء ليبذل لها وحدها اهتماماً صارماً ولجوجاً في مراسلات تخطى عددها المئات، كان آخرها عرض زواج دفع بها إلى الفرار من البلاد في محاولة لتجنب الفضيحة، لأن البروتستانتية، الديانة الرسمية للمملكة المتحدة، وقانون وراثة العرش يستثني من حق المُلك كل من يتزوج امرأة كاثوليكية.

انتشرت منمنمات العيون المعروفة أيضاً باسم "عيون العشّاق"، في بريطانيا في القرن الثامن عشر. وبطريقة فيتشية، أسّست لغة مشفّرة للحب وباركت العلاقات السريّة، وطرحت تساؤلات عدة: لماذا يصوّر العاشق عيناً واحدة بدلاً من وجهه كاملاً؟ وكيف أصبحت هذه القطع الفيكتورية موضوعاً مفضلاً لدى الفنانين اليوم؟

لكن العاشق لا يكفّ عن القيام بمساعٍ جديدة وتعقيدات ليست في صالحه أحياناً لنيل ما يريد، وبعد أن زيّف محاولة انتحار في عام 1785، كتب لها رسالة هاذية أخرى يطلب فيها يدها للزواج. وإلى جانب الخطاب الذي حِيكَ من الرغبة والمناشدة والاعترافات، احتوى الطرد على هدية نادرة وغريبة هذه المرة، وهي لوحة صغيرة جداً لعين جورج اليمنى، تطفو بشكل مسحور على خلفية أُحادية اللون.

ولا تظهر ملامح وجهه الأخرى باستثناء حاجب خفيف، كي ينصبَّ كل التركيز على جوهر التكوين، على القزحية الداكنة التي حدّقت بحماس ورغبة في التملّك من خلف غطاء ناعم ومثير، وحملت هول الترقب. وعلى هامش الرسالة كتب الأمير: "خطاب العاشق أفقيّ دائماً لا سُموّ فيه ولا خلاص، وحدها هذه العين تحوز على معنى".

من مجموعة متحف فيلادلفيا للفنون

لا تُوثّق سجلات الأرشيف ردة فعل ماريا حين رأت العين، لكننا نعرف أنها وافقت على طلبه بعد فترة وجيزة من تلقيها لتلك الرسالة.

وفي ليلة عاصفة (دائماً ما يكون الجو عاصفاً في مثل هذه القصص) دفعت خمسمئة جنيه لراعي أبرشية شاب كي يقوم بإجراءات طقوس الزواج في حفل سرّي، رُسمت خلاله عينٌ أخرى لماريا هذه المرة، ووُصلت بقلادة كي يحتفظ بها الأمير (جورج الرابع ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا لاحقاً) وحيثما تُبعِده واجباته الملكية، يمكنه أن يفتح الجوهرة وينال نظرة من حبيبته.

العين حرفٌ من أبجدية سريّة

بعد هذا الزواج الباطل قانونياً والقصص التي تم تأليفها حول المشاجرات التي باتت تنفجر بين الزوجين، والاختلافات العنيفة في الرأي والمهانات الحادة والأبواب التي تُصفَع والفخار الذي يُكسَر، انتشرت منمنمات العيون المعروفة أيضاً باسم "عيون العشّاق"، في جميع أنحاء بريطانيا في القرن الثامن عشر. وبطريقة فيتشية، أسّست لغة مشفّرة للحب وباركت العلاقات السريّة.

وبالإضافة لكونها قطعاً حميمة ثمينة للغاية، تُرسم بالألوان المائية على العاج، وتوضع داخل دبابيس مرصّعة بالياقوت أو اللؤلؤ أو الألماس، وتوصل بسلاسل ذهبية أو تثبّت جهة القلب.

ومن الغريب ألاّ يُكتب سوى القليل عن تاريخ هذه المجوهرات وأهميتها، على الرغم من كونها جزءاً من مقتنيات المتاحف الكبرى، مثل متحف كليفلاند، متحف فيلادلفيا للفنون ومتحف فيكتوريا وألبرت في لندن. لا يحيلنا التأمل في هذه الصور الجزئية التي لا تفضح ملامح الوجه إلى خلاصات قطعية، بقدر ما يضعنا أمام المزيد من الأسئلة حول السبب الخفي وراء شعبيتها واختفائها المفاجئ.

من الغريب ألاّ يُكتب سوى القليل عن تاريخ مجوهرات "عيون العشّاق" وأهميتها، على الرغم من كونها جزءاً من مقتنيات المتاحف الكبرى، مثل متحف كليفلاند، متحف فيلادلفيا للفنون ومتحف فيكتوريا وألبرت في لندن

لماذا يصوّر العاشق عيناً واحدة بدلاً من وجهه كاملاً؟ وكيف أصبحت هذه القطع الفيكتورية موضوعاً مفضلاً لدى الفنانين اليوم، وغزت أسواق المجوهرات من الشانزليزيه إلى أمازون؟

لملء هذه الفراغات، لا بد من البحث في الثقافة البريطانية أواخر القرن الثامن عشر، أي ما قبل ظهور التصوير الفوتوغرافي، عندما كان الناس توّاقين لإعطاء بعضهم البعض ليس فقط صوراً لأنفسهم، ولكن جزءاً منها، تعبيراً عن الشوق والإخلاص.

كانت البورتريهات الشخصية هدية شائعة وصغيرة بما يكفي لتستريح في كف اليد، تُرفق برسائل من قبيل "جاءت طيور السنونو واللقلق، وكذلك طيور الصيف، ورحلت الرياح الغربية من جديد. وطال اشتياقنا وتمنينا لمجيئك"، ولتكثيف الشحنة العاطفية، تُثبت خصلة من الشعر خلف لوحة الكانفاس الصغيرة.

رسُل الشهوة

لفعل النظر بُعد أيروسي لا يمكن إنكاره في المجتمعات التي تفرض العفّة وحراسة العفة والتجسس الاجتماعي، وحيث العلاقات تقوم على لعبة الكشف والإخفاء والمنع والإتاحة. وقد حدّت أعراف المجتمع المحافظ في بريطانيا، أواخر القرن الثامن عشر، من الاختلاط والتفاعل بين الجنسين، وانحصرت الأحاديث في ملاحظات مهذبة حول أحوال الطقس وشاي ما بعد الظهيرة وفطيرة التفّاح وسمك الحفش.

لا يحيلنا التأمل في  الصور الجزئية لـمجوهرت "عيون العشاق" التي لا تفضح ملامح الوجه إلى خلاصات قطعية، بقدر ما تضعنا أمام المزيد من الأسئلة حول السبب الخفي وراء شعبيتها واختفائها المفاجئ

ما عدا ذلك، كان أكثر الكلام يُقال بالنظرات وحدها وبالتنهدات. ومن المتوقع أن تؤدي هذه القيود إلى ظهور ميول منحرفة، مثل استراق النظر والتلصص المرَضي voyeurism، فمنعُ المتعة قد يحقّق متعة غير مألوفة، ويقدّم حلولاً يائسة لا تزيد النّساء إلاّ اغتراباً أو عنتاً، ولا تزيد الرّجال إلاّ لجاجة ولهاثاً ودوراناً بائساً بين لذة الانتهاك الآثم ومتعة الطاعة المازوشية.

في هذه البيئة المشحونة بالعواطف المكبوتة ظهرت منمنمات العيون كرُسُل للشهوة والحب والمراقبة. تبدو لنا من خلال هذه الوقائع وكأنها فئران صغيرة نشيطة تعمل بصمت، لتُحدث الثّقوب داخل الأسوار التي تحاصرها، وتعيد فتح المنافذ بعد سدّها، فيُطلّ شخص بخجل من مركز دبوس دائري، يشبه ثقب الباب، كما لو أنه يُلمّح إلى رغباته الدفينة. وينظر آخر بشهوة من خلال إكليل من الأحجار الحمراء المشتعلة، وكأنه يقول "لأمُت في سبيلكِ".

ذكاء المؤسسة القامعة يُضيّق دائرة الممكن بخلق الحدود، وذكاء الأفراد المقموعين يوسّعها، ليقاوم عدم التّحدُّد وعدم الظهور، فينتج بذلك أشكالاً من الحياة، وتجارب حريّة مُصغَّرة وهامشية، قد تعود باللعنات على صاحبها، ولكنها هامّة على أية حال، لأنها تؤكد الذات وهويّتها وأشواقها.

ترى في المنام ما يُدبَّر لك في الخفاء

علينا أن ننتظر النصف الثاني من القرن التاسع عشر لنرى تغيراً حقيقياً، مع ظهور التصوير الفوتوغرافي الذي بدأ ينسخ ويُجمّد العالم، ويستبدل هذه الرسمات المُصغَّرة التي تتغذى على نحو مباشر بالمشاعر الإيروتيكية، ببورتريهات دقيقة؛ ففي حين أن الرسم الزيتي نوع من ترجمة الواقع وتأويله، تقدّم الصورة الفوتوغرافية نفسها على أنها قطعةٌ منه، أصبحت تُحبَس في ألبومات، تُؤطّر وتوضع على الطاولات، تثبّت بمسامير صغيرة على الحيطان، تطبع في شرائح وتنشرها المجلات والجرائد.

لكن "عيون العشاق" ما تزال تحتفظ بخصوصيتها وتتجدد لتلهم الفنانين وصائغي المجوهرات على حد سواء، مثل المصممة ساندرا هندلر التي ترسمها على الطريقة الفيكتورية وتدمجها مع المجوهرات العتيقة في توليفة جذابة.

أما الرسامة الأمريكية من أصول فلبينية فاطمة رونكيلو، فلا تغامر بالابتعاد عنها كمفردة رئيسية في مشروعها البصري الذي يمضي في مسارات اختبارية عدة، ويمزج بين الكلاسيكيات الرائجة وتأثيرات ما بعد الحداثة. ويجب ألا نخلط هنا بين "عيون العشاق" و"تمائم العين الحارسة" التي ظهرت في بلاد ما بين النهرين منذ حوالي خمسة آلاف عام، واعتقدت شعوب تلك المنطقة بقدرتها على جلب الحظ وحماية حاملها من الشرور.

وفي حديث مع المصممة الفرنسية سيليست موغادور تقول لرصيف 22: "أنا محاطة بهذه النظرات التي تتأرجح بين الشهوانية والتوسّل، أعلقها حولي كعصافير الدوري لتُلهمني"، والنتيجة بروشات جريئة تعطي شعوراً بالمغامرة وتضيء الأزياء ببريق خاص، مطرزة يدوياً ومطعّمة بالخرز، فرضت حضورها ولمستَها على نطاق عالمي واسع.

أما التجربة الأخيرة لتحديث هذه القطع الرومانسية فكانت لعلامة المجوهرات الفاخرة آنا كاتارينا، التي أطلقت مجموعة Eye Love  في نيويورك. ويمكن لمن يريد أن يخلّد نظرة الحبيب أن يجد مبرراً لالتقاط صورة كلوز آب، ويرسلها إلى المصممة والمراسلة الحربية السابقة آنا كاتارينا فينكلر- بتروفيتش، التي تمررها بعد ذلك إلى حرفيّ متمكّن لينحتها في العقيق الأزرق.

وحسب الطلب، تُحاط العين بالألماس، أو الياقوت الأزرق أو الزهري أو عقيق التسافوريت الأخضر الذي يشبه العشب الطازج، وهو الحجر المفضل لدى سحرة كينيا، يُقال إن من يحمله ينال الثروة والحب، ويرى في المنام ما حِيك ضدّه وما يُدبَّر له في الخفاء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard