تفكيك الكليشيهات عن الازدواجية الجنسية

الاثنين 1 نوفمبر 202105:06 م

تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "رصيف بالألوان"، وهي مساحة مخصّصة لناشطين وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمين لهم/نّ، للتحدّث بحرية ودون أي قيود عن مختلف التوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، للمساهمة في نشر الوعي العلمي والثقافي بقضايا النوع الاجتماعي، بمقاربات مبتكرة وشاملة في آن معاً.

كم شخصاً، بين أصدقائكم/ نّ، أو محيطكم/ نّ، يُعرّف بنفسه/ ا كمزدوج/ ة الميول الجنسيّة؟ ماذا يظهر في نتائج البحث، سواء أكان ذلك على غوغل، أو على أي محرك بحث آخر، إن فتّشتم/ نّ عن كلمة "بايسكشوال"؟ كم مقالاً، أو تحقيقاً، باللغة العربية، قرأتم/ نّ عن هذه الميول الجنسيّة، أو عن حيوات الأشخاص الذين يعرّفون بأنفسهم كمزدوجي الميول؟ كم نقاشاً حضرتم/ نّ، أو سمعتم/ نّ عنها، وماذا تضمّنت؟ أم هل تعرفون/ ن "ما هي البايسكشواليتي"؟.

ليس مثيراً للاستغراب أن تكون الإجابات على هذه الأسئلة، قريبةً من الصفر والنفي، أو تدور في فلكهما.

ففي عالم متضخّم بالمعلومات، ويجترّ أغلبها، نجد شحّاً في الحديث عن بعض الأفراد، والمجموعات، والهويّات، وهو حال مزدوجي الميول الجنسيّة. وفيما يتركّز نقاش مجتمع الميم-عين، وحقوقه، على العابرين والعابرات، المثليين والمثليات، يختفي في الخلفيّة الاعتراف بمزدوجي الميول الجنسية كفئة بحدّ ذاتها، على الرغم من وجودها في تسمية هذا المجتمع، كما تقلّ نسبة ظهورهم/ نّ في العلن، فيما تستمرّ بعض الوصمات كـ"التوهان"، و"اللهو بمشاعر الآخرين"، في محاصرتهم/ نّ.

وعليه، تصبح غالبية المنشورات عن مزدوجي الميول الجنسيّة، عبارةً عن نكاتٍ ساخرة، أو وصمات متناقلة، وفي أحسن أحوالها، تكون على شكل حملات توعية بهذه الفئة، مما ينعكس على حياة مزدوجي الميول الجنسية الشخصيّة والعاطفيّة، ويجرّ معه توتراً يطغى على فترات من حياتهم.

تخيّلوا/ ن، مثلاً، لو أنكم/ نّ في كلّ مرة تحاولون/ن فيها الحديث عن حياتكم/ نّ الجنسيّة، تحتاجون/ ن إلى استخدام كلمتَي "لكن" و"لست"، في سبيل توضيح من وما أنتم/ نّ عليه، وما ترغبون/ ن به، وما يسعدكم/ نّ، كون أكثر من نصف من ستتحدثون/ ن معهم سيشكّكون في هويّتكم/ نّ، ورغباتكم/ نّ، في وضوحكم/ نّ، وشخصيّتكم/ نّ، وفي ميولكم/ نّ وما تشتهونه وتشتهينه، وكيف تعرّفون/ ن عن أنفسكم/ نّ حتى.

الاكتشاف والإعلان

كانت كارين (اسم مستعار)، في الثالثة عشر من عمرها، عندما بدأت باكتشاف ميولها، فقد وقعت في غرام فتاة من سنّها، ثم أُعجبت بشاب لاحقاً. اعتقدت حينها أنّ العلاقة بفتاة كانت حالةً واحدةً، قبل أن تثير إعجابها شابة أخرى، بعد ذلك بعامين.

منذ ذلك الحين، تعرف كارين نفسها وتوجّهاتها، وعرّفت بنفسها كمزدوجة الميول الجنسيّة، حينما كانت في السادسة عشر من عمرها.

ينجذب مزدوجو الميول الجنسيّة إلى الرجال والنساء، عاطفياً وجنسياً، بنسبٍ متفاوتةٍ، ويمكن أن يكونوا في علاقات مغلقة، أو مفتوحة، لكنّ تلك الفكرة تجد صعوبةً في إيجاد من يتقبّلونها، ما يؤثّر على مجاهرة مزدوجي الميول بهويّاتهم، وعلى التعابير التي يختارونها للتعريف بأنفسهم

لم يكن ذلك حال بيتر (اسم مستعار)، الذي تربّى في بيت يكرّس المغايرة، أي أنّ كل رجل يجب عليه أن يحب امرأةً، والعكس.

كان بيتر، البالغ من العمر 34 عاماً، مختلفاً بعض الشيء، ما ساهم في تأخّر انخراطه في علاقات مع نساء، إلى أواخر العشرينات من العمر. انتهت أول علاقة له بعد أكثر من عام ونصف، وتركت فيه أثراً دفعه للابتعاد عن العلاقات عموماً. بعد عام، دخل في علاقة مع شاب، تركت أسئلةً لديه حول هويّته وميوله.

ناقش بيتر ميوله مع معالجته، لتلفت نظره إلى تفضيله الاثنَين، قبل أن ينخرط في علاقات متعددة مع نساء ورجال. وهو اليوم يختار ألا يختصر نفسه بتعريف.

أما هيفا (اسم مستعار)، فهي شابة ثلاثينيّة، كانت لها مراحل من تشكيل الهويّة الجنسيّة، فقد عرّفت بنفسها كبايسكشوال في البداية، لكنّها في مرحلةٍ ما توقّفت عن الخروج مع رجال، كونها لاحظت أنها ترغب بهم في أوقات قليلة ومعيّنة، وهي اليوم تعرّف بنفسها ككويريّة.

التعريف والوصمة وغياب المساحات الآمنة

ينجذب مزدوجو الميول الجنسيّة إلى الرجال والنساء، عاطفياً وجنسياً، بنسبٍ متفاوتةٍ، ويمكن أن يكونوا في علاقات مغلقة، أو مفتوحة، لكنّ تلك الفكرة تجد صعوبةً في إيجاد من يتقبّلونها، ما يؤثّر على مجاهرة مزدوجي الميول بهويّاتهم، وعلى التعابير التي يختارونها للتعريف بأنفسهم.

على الرغم من صغر سنّها، تعاني كارين (21 عاماً)، من أزمة ربط ازدواجيّة الميول الجنسيّة بالضياع. في حديث مع رصيف22، تقول: "أعرّف بنفسي كمزدوجة الميول الجنسية، لكني أعتمد تسمية "كوير"، كون الـbisexuality ليست معدَّةً ميلاً جنسياً قائماً بذاته في لبنان. عندما عرّفتُ في البداية عن هويتي وميولي، ابتعد عني عدد من الأصدقاء، وواجهت مشكلات مع عائلتي، وتحديداً مع أمي، لكي تتقبل الفكرة".

وتضيف شارحةً: "يرى الناس في لبنان أنّ الذين يعرفون بأنفسهم كمزدوجي الميول الجنسية، هم "ضائعون"، لا يعرفون ماذا يريدون، ويتبعون "تراند" معيناً، كما يصنّفون الرجال مزدوجي الميول على أساس أنهم مثليين، ويعدّون النساء مغايراتٍ، لكنّهن ‘يجرّبن’ فحسب".

هذا كله يؤثر على المساحات التي يُفترَض أن تكون آمنةً، حسب ما تؤكد كارين: "في مجتمع الميم-عين، في لبنان وفي الخارج، ليس هناك اعتبارٌ كافٍ لمزدوجي الميول الجنسية، كأي نوع آخر من الميول والتوجهات الجنسية".

وتضيف موضحةً: "ليس ضرورياً أن نحب نوعاً واحداً من الناس، وليست هناك ضرورة لأن نحب جندراً معيناً، بطريقة معينة، أو أن نحب الأشخاص بالطريقة نفسها. أميل إلى الرجال جنسياً، وإلى النساء جنسياً وعاطفياً أكثر، وهذا لا يعني أني لست ثنائية الميول".

عن أزمة المساحات الآمنة، يقول بيتر لرصيف22: "أسمع، حتى من أشخاص في محيطي، ومن بعض أفراد مجتمع الميم-عين، أن المرأة يمكن أن تكون مزدوجة الميول الجنسية، لكن الشاب لا يستطيع أن يكون كذلك".

يشير بيتر إلى أنّ دائرته الصغيرة، والتي فيها من يعدّون أنفسهم حلفاء لمجتمع الميم-عين، عادةً ما تحسم هويّته، وتفضيلاته، من دون سؤاله عن الموضوع، على الرغم من أنّه لا يضع نفسه في قالب معيّن، ولا يرى أنّ هناك ضرورةً لإعلان ميوله: "ليس كلّ من يقولون إنّهم حلفاء، هم حلفاءٌ حقاً. إن عبّرتُ عن إعجابي بفتاة، يرمقونني بنظرات الاستغراب والاستهزاء، ويرسلون لي أخباراً وحسابات تعود لرجال مثليين، وكأنّ ذلك يختصرني".

لكنّه يضيف: "هذا ليس شأناً لبنانياً فحسب، إذ إني أكتشف حالياً، كوني اليوم أعيش خارج لبنان، أن هناك كثيرين ممن يخفون هوياتهم لأنّ هناك نظراتٍ وأحكاماً من المجتمع الذي يُفترَض أن يكون متقدماً".

بدورها، تقول هيفا: "ينبذني المجتمع، أو يراني كمثلية، لكنّي لا أكترث له، وإنما لدوائري المغلقة"، مشيرةً إلى أنّ هناك وصمات مرتبطة بالنساء المزدوجات الميول الجنسيّة، إذ يُعدَدن أنّهنّ "يلهينَ" مع المثليّات، وأنّ هناك دائماً اعتقاداً بأنهنّ أدوات للبايسكشواليتي: "يعدّوننا حقلاً للتجارب، ولسنا مادةً قابلة للعلاقات الجديّة، لكن بالنسبة إلي، الموضوع كلّه مرتبط بالرغبة. ما يتمنّاه جسدي، أريد أن أمنحه إيّاه".

لسنا تائهين

في كلّ مرة يحاول فيها مزدوجو الميول الجنسيّة الإنخراط في علاقة، أو الحديث عن ميولهم وحياتهم الجنسية، يلقون استهزاءً يصفهم "بالتيه"، و"التراند".

تشير كارين إلى اعتقاد كثيرين من حولها، أنّها "تائهة في انتظار العودة إلى طبيعتها"، موضحةً أنّ تلك النظرة إلى مزدوجي الميول الجنسيّة، أثّرت في فترة من الفترات على كيفية اكتشافها لذاتها، وإعلانها عن هويتها.

وتتابع: "تلك الأقاويل والأفكار كلها دفعتني للتساؤل: من أنا؟ ففي حال خرجت مع رجل يرونني مغايرةً، وإن خرجت مع امرأة يرونني مثليةً. هذا الربط الدائم بتحديد هويّة معينة، دفعني للتساؤل عن هويتي، والبحث فيها مرات ومرات، قبل أن أعيد تشكيل ذاتي، لأضع نفسي أخيراً على السبيكتروم (الطيف). لا أعرف أين أقع بالضبط عليه، لكني على السبيكتروم. أنا ثنائية الميول الجنسية".

"ليس ضرورياً أن نحب نوعاً واحداً من الناس، وليست هناك ضرورة لأن نحب جندراً معيناً، بطريقة معينة، أو أن نحب الأشخاص بالطريقة نفسها. أميل إلى الرجال جنسياً، وإلى النساء جنسياً وعاطفياً أكثر، وهذا لا يعني أني لست ثنائية الميول"

تؤكّد كارين أنّ صحتها النفسية تأثرت بهذه الجلبة كلها، التي أحدثها المجتمع حول ميولها: "اتّهامي بالضياع دفعني للبحث كثيراً عن هويتي، وطرح أسئلةً أُضيفت إلى اضطراباتي، وأثرت فعلياً، خلال فترة سابقة، على صحتي النفسية".

ساهم ذلك أيضاً في أن يستغرق بيتر وقتاً كي يتقبّل نفسه، ويلفت إلى أنّ المعالجة النفسية ومواقع التواصل الاجتماعي ساعدتاه. وهو يوضح: "أنا أميل إلى الإعجاب بمن أراهم مثيرين للاهتمام، أو أذكياء. طبعاً يعجبني المظهر، لكن الذكاء هو ما يثيرني، لا الأعضاء الجنسية فحسب".

من جهتها، تشير هيفا إلى أنّ الأمر استغرق سنوات من "فلترة" الأصدقاء، كي تصل إلى مرحلة الراحة مع محيطها، إذ كانت تُسأل كثيراً سابقاً عن ميولها وهويّتها.

وعن تعريفها بنفسها ككويريّة، تقول: "لا أريد أن أخرج من صندوق المغايرة الجنسية، لأُدخِل نفسي في صندوق المثلية، وأقضي المتبقي من حياتي كله، مع جندر واحد. لم أعانِ كثيراً عندما أشهرتُ هويتي الجنسيّة، لكنّ المعاناة الحقيقيّة بالنسبة إليّ، هي أنني لا أشعر بالأمان في وجود الرجال".

العلاقات وأشكالها

طبقات المعاناة، كي يعيش مزدوجو الميول الجنسيّة حياةً طبيعيّة، تصبّ جميعها في علاقاتهم العاطفيّة، على اختلاف أشكالها، سواء أكانت مغلقةً، أو مفتوحةً، عاطفيّةً، أو جنسيّة.

تقول كارين: "لا أؤمن بالأحاديّة في العلاقات (monogamy)، وهذا ما يخلق بلبلةً أكبر في حالتي كبايسكشوال. لا يتقبل الناس كثيراً أني لا أفضّل العلاقات الأحادية. تخاف النساء المثليات من احتمال ‘أن نغادر من أجل رجل’، وحتى إن تقبلن العلاقة المفتوحة، فهنّ لا يتقبلن فكرة ‘الرجل’، إذ بالنسبة إليهنّ لا يمكن لامرأة أن تحب امرأةً، ثم أن تُعجَب برجل، فيما لا يتقبل الرجال فكرة أن يكونوا مع امرأة لها علاقات أخرى، مع أن بعضهم يرى في المرأة التي تكون في علاقة مع امرأة أخرى، أمراً مثيراً، وكثيراً ما يعتقدون أن ذلك سيعني علاقةً جنسيةً ثلاثية".

"ليست مشكلتكم/ ن إن كان هناك من لا يعجبه/ ا ميولكم/ نّ الجنسية، إنها مشكلتهم/ نّ الخاصة. مهما كانت رغبات أجسادكم/ نّ، اذعنوا لها"

وتضيف: "أختار ألا أنخرط في علاقات مع من لا يتقبلونني كما أنا، لكنّ كثيرين يعتقدون أنّ دخولي في علاقة معهم سيغيّرني، لأصبح ملكاً لهم".

من جهته، يعيش بيتر علاقةً أحاديةً مع رجل، حالياً، لكنّه يشير إلى موقف شريكه من المسألة: "لا يتقبّل فكرة أنّي كنتُ مغرماً بامرأة سابقاً، ويرى أنّه لا يمكنني أن أكون في علاقة مع امرأة بعد اليوم، وأنه لا يمكنني أن أحب وأُستثار من رجل وامرأة في الوقت نفسه".

أما هيفا، فهي لا تؤمن بالعلاقات الأحاديّة، بل برغبة العقل والجسد: "ليست مشكلتكم/ ن إن كان هناك من لا يعجبه/ ا ميولكم/ نّ الجنسية، إنها مشكلتهم/ نّ الخاصة. مهما كانت رغبات أجسادكم/ نّ، اذعنوا لها".

هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وبدعم من سفارة مملكة هولندا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard