وجدت الكلمة التي تعبّر عن هويّتي الجنسية

الاثنين 18 أكتوبر 202104:01 م


تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "رصيف بالألوان"، وهي مساحة مخصّصة لناشطين وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمين لهم/نّ، للتحدّث بحرية ودون أي قيود عن مختلف التوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، للمساهمة في نشر الوعي العلمي والثقافي بقضايا النوع الاجتماعي، بمقاربات مبتكرة وشاملة في آن معاً.

قليلاً ما نهتم بمعرفة بداية مشوار الكلمة: مَن نطقها للمرة الأولى؟ ما مصدرها؟ ما تعريفها؟ أين كانت نشأتها؟

إنّ خَلق كلمة للتعبير عن فكرة ما، هو أمر حاسم، ويمكنه أن يغيّر مجتمعات، أو ينقذ أرواحاً من الموت.

أما في حال كانت اللغة التي نستخدمها "منقوصةً"، فلن يسمح لنا ذلك بالتعبير عما نودّ قوله، وإن لم نجد كلمات تشرح ما نودّ قوله، فلن يفهمنا محيطنا، ولن يقدر على التعاطف معنا.

بإمكاننا إذاً، في هذه الحالة، وضع كلماتنا المنقوصة، في قارورة، ورميها في البحر.

هل تعرفون/ ن أحداً أخرج يوماً قارورة من البحر، وقرأ من جوفها كلمات منقوصة، وفهم شيئاً؟ على حد علمي لا. لكن إن وجدتم هذا الشخص، فلا تترددوا في إخباري. فأنا أحلم بقراءة رسالة وصلت في قارورة إلى شاطئ البحر.

الانجذاب هنا مبني على شخصية الآخر، وإحساسه، وطاقته، والهالة التي تحيط به، بمعزل عن أعضائه التناسلية، أو عن الطريقة التي يفضّل أن يعرّف بها عن جنسه، أو ميوله

كشفت الفيلسوفة البريطانية، ميراندا فريكر، في كتابها "الظلم المعرفي"، أن الشخص الذي يعاني مما أسمته "الظلم الهرمنيوطيقي"، لا يستطيع التحدث عما حصل له، لقلّة وجود الأدوات اللغوية التي تسعفه في التعبير عن الظلم الذي تعرّض له، تماماً كما حصل يوماً ما مع النساء (وبعض الرجال، وآخرين ممن لا يرغبون في تحديد جنسهم)، قبل وجود كلمة "تحرش"، للتعبير عن ذاك الشعور الذي يخترقهنّ، حين "يتحرّش" بهنّ أحدهم. لا وجود لكلمة تختارها للإجابة عن سؤال: لماذا ترغبين بالاستقالة من هذا العمل؟

اليوم، يمكنهنّ القول: "لقد تعرّضت للتحرش"، ويمكنهنّ أيضاً رفع دعوى قضائية باستخدام الكلمة ذاتها، وطلب تعويض مادي ومعنوي، وتسمية الفاعل بالمتحرش، ورميه في السجن، إذا تطلّب الأمر.

حسناً، بعد هذه المقدمة، ما هي الفكرة التي كنت أبحث عن كلمة للتعبير بها عن هويتي الجنسية، ووجدتها حديثاً؟

كنت أشعر بأني أنتمي إلى مجتمع الميم-عين، بشكل أو بآخر، ولكنني لا أنتمي بشكل كامل إلى أحد أطيافه المتعارف عليها (المثلية الجنسية، والازدواجية الجنسية، والعبور الجنسي، إلخ…).

أشعر بطريقة ما، بأنني أنتمي إلى أطيافه جميعاً، بحيث من الممكن أن أنجذب جنسياً، أو عاطفياً، إلى أي شخص كان، بغض النظر عن جنسه، أو جندره، أو ميوله الجنسية.

الفكرة ليست معقدةً. الانجذاب هنا مبني على شخصية الآخر، وإحساسه، وطاقته، والهالة التي تحيط به، بمعزل عن أعضائه التناسلية، أو عن الطريقة التي يفضّل أن يعرّف بها عن جنسه، أو ميوله.

ما الكلمة التي تعبّر عن هذه الهوية الجنسية؟

بانسيكشوال (Pansexual)، أو ما يُسمّى أيضاً بالشمولية الجنسية، أو الجامعة الجنسية، وهي كلمة قليلة الاستخدام في لغتنا العربية، مع أنها مستخدمة منذ قرن على الأقل، في البلدان الأجنبية.

يُفترض بأن أول من قام باستخدامها، هم مجموعة من الأطباء، غير أن هذا التصنيف ظلّ غامضاً نسبياً إلى ما يقرب العقد من الزمن، حين بدأت مجموعة من المشاهير باستخدامها، للتعريف عن ميولهم الجنسية، أو العاطفية، على مواقع التواصل الاجتماعي، وفق ما جاء في مقال بعنوان "فلسفة الشمولية الجنسية pansexual"، لرجاء حلواني، وهو بروفيسور فلسفة لبناني-أمريكي، يدرّس في قسم الفنون الليبرالية في مدرسة معهد شيكاغو للفنون.

إن الفرق بين البانسيكشوال (شمولي الجنس)، والبايسكشوال (ازدواجي الجنس)، هو أن شمولي الجنس بإمكانه الانجذاب إلى العابرين/ ات جنسياً، وإلى الأفراد الذين لا يرغبون في تحديد جنسهم أيضاً. بمعنى آخر، شمولي الجنس، كما تدل التسمية، يعني الشمولية، من دون إقصاء، أو تمييز.

هل يُخلق الإنسان "شمولي الجنس"؟

يملك البشر لغاتهم الخاصة، وثقافاتهم المتنوعة التي تؤثر في كل شيء.

في بعض الأحيان، نعمل على المبالغة في تحديد الجنس البشري (الجندر)، وتقييمه، سواء أكان ذلك من خلال الملابس، أو تسريحات الشعر، أو المكياج، أو العناية الشخصية، أو المجوهرات، أو الأحذية، أو الأدوار الاجتماعية... والأهم من ذلك كله، الكلمات التي نستخدمها.

لدينا وجهة نظر جنسانية عالية، لبعضنا البعض، وللعالم بأكمله، بالتزامن مع عمليات اللغة والتفكير التي تمرّ عبر أدمغتنا باستمرار.

ولا يبدو من وجهة النظر الحالية، بأن عدم أخذ الجندرة في الحسبان، عندما يتعلق الأمر بالانجذاب الجنسي، أو العاطفي، أمر شائع جداً في المجتمع العربي، لكنه أمر قيد التطوير، والدراسة، والأبحاث، وأهمها: الحوار والنقاش.

الميول واللغة والتقبل

"ألا ترى أن الغاية النهائية للغة الجديدة، هي التضييق من آفاق التفكير، بحيث تصبح جريمة الفكر، في نهاية المطاف، جرماً مستحيل الوقوع، من الناحية النظرية، وذلك لأنه لن توجد كلمات يمكن للمرء من خلالها أن يرتكب هذه الجريمة؟ فكل مفهوم يحتاج إليه الناس، سيتم التعبير عنه بكلمة واحدة محددة المعنى، وغير قابلة للتأويل. وأما معانيها الفرعية، فيتم طمسها، حتى تصبح طي النسيان". هذا المقتطف، من رواية 1984 لجورج أورويل، عاد إلى ذاكرتي الآن، لمروره في حلقة قديمة من برنامج الدحيح على اليوتيوب، تحاكي موضوع اللغة.

خلق كلمات جديدة تلائم الأفكار الجديدة، أمر ضروري جداً لفهم الآخر، والتواصل معه، بمعزل عن تضارب وجهات النظر. لكن استبعاد الآخر، لمجرد أننا لم نفهمه، أو لم نحاول فهمه أساساً، ونبذه على أسس ظالمة، وغير منطقية، هو أمر مؤسف، ومؤذٍ، وجارح، ولا يؤدي إلى نتائج بنّاءة، لا على الصعيد الشخصي، ولا على صعيد المجتمع.

أشعر بطريقة ما، بأنني أنتمي إلى أطياف مجتمع الميم عين جميعاً، بحيث من الممكن أن أنجذب جنسياً، أو عاطفياً، إلى أي شخص كان، بغض النظر عن جنسه، أو جندره، أو ميوله الجنسية

تخيلوا أن البعض يتم نبذهم، في هذه اللحظة، من العائلة، أو المجتمع، أو المدرسة، أو دائرة الأصدقاء، أو الحافلة، أو العمل، أو البلد، لمجرد أن ميوله العاطفية، أو الجنسية، مختلفة عن ميول الغالبية المحيطة به (حسب وجهة نظر النابذين طبعاً).

ماذا نخسر فعلياً، إن احترمنا الآخر، واحترمنا ميوله الجنسية، والعاطفية، الخاصة به؟

كثر من أفراد مجتمع الميم-عين، الذين يعانون هذا النبذ في مجتمعاتنا، يقومون بطلب حق اللجوء إلى مجتمعات أوروبية تحترم حقوقهم في العيش على كوكب الأرض. أما في حال تعذّر عليهم ذلك، فإنهم يحاولون بكل ما أتيح لهم من قوة، مواجهة هذا النبذ.

ماذا سنخسر إن لم نمارس "الظلم الهرمنيوطيقي" على الآخر؟

أعتقد بأننا سنفكر مرتين، قبل ممارسة هذا النوع من الظلم، نظراً لصعوبة لفظ الكلمة المختارة للتعبير عنه أيضاً.

هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وبدعم من سفارة مملكة هولندا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard