"زواج على ورق"... مجتمع الميم-عين وثمن الانتماء لمحيط قمعي

الاثنين 25 أكتوبر 202105:21 م

تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "رصيف بالألوان"، وهي مساحة مخصّصة لناشطين وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمين لهم/نّ، للتحدّث بحرية ودون أي قيود عن مختلف التوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، للمساهمة في نشر الوعي العلمي والثقافي بقضايا النوع الاجتماعي، بمقاربات مبتكرة وشاملة في آن معاً.

ما إن يصل الشاب أو الفتاة إلى سنّ معينة، حتى يبدأ الأهل والمجتمع في الضغط عليهما ليكملا "نصف الدين"، كما يُقال، وذلك عن طريق الارتباط أو الزواج، بمعزل عن استعدادهما النفسي ورغبتهما في ذلك.

فبحسب بعض المجتمعات المحافظة، فإنه يتعيّن على الشاب أن يبدأ رحلة البحث عن زوجة تناسبه وتكون على قدر توقعات عائلته ومحيطه، كما يفترض من الفتاة أن تسير بالاتجاه المرسوم لها بدقة لكي لا "يفوتها القطار"، وتجد نفسها فجأة وحيدة من دون عائلة.

غير أن هذا الوضع يزداد سوءاً والضغوطات تكون أكبر بالنسبة لشباب وشابات مجتمع الميم-عين، بحيث يكون ثمن الانتماء لمجتمعات قمعية باهظاً في الكثير من الأحيان، وذلك عن طريق الارتباط الزوجي الذي يبقى مجرد "حبر على ورق".

في حوار أجراه موقع رصيف22 مع عدد من الشبان والشابات الكوير، لمسنا مدى حجم المعاناة والضغوطات التي يتعرضون/ن لها في مجتمعاتهم/نّ المحافظة، ما يجبرهم/نّ أحياناً على الزواج من شخص لا ينجذبون/ن له جنسياً.

ارتباط شكلي

هناك على ما يبدو تفاهم ضمن مجتمع الميم-عين بأن أفضل طريقة للتهرّب من ضغوطات المجتمع قد تكون عبر اتفاق شكلي يجمع شاباً مثلياً مع فتاة مثلية تواجه المشاكل عينها مع الأهل، بحيث يتفقان على الزواج وتأسيس عائلة، كي لا يكون الشخص المعني عرضة للثرثرة والنميمة، حتى لو كان يعني ذلك أن يعيش حياة مزدوجة.

وهكذا يجد البعض أن الحل الوحيد للهروب من ألسنة الناس هو إرضاء المجتمع والأهل، عبر إبرام عقد زواج شكلي، ولو كان ذلك على حساب سعادته الشخصية.

هذا هو حال رامي، وهو طبيب مقيم في دبي منذ أربع سنوات، ويُعرّف عن نفسه بأنه مثليّ، والذي كشف أنه تعرّف على زوجته المثلية عبر صديقه.

هناك على ما يبدو تفاهم ضمن مجتمع الميم-عين بأن أفضل طريقة للتهرّب من ضغوطات المجتمع قد تكون عبر اتفاق شكلي يجمع شاباً مثلياً مع فتاة مثلية تواجه المشاكل عينها مع الأهل، بحيث يتفقان على الزواج وتأسيس عائلة، كي لا يكون الشخص المعني عرضة للثرثرة والنميمة، حتى لو كان يعني ذلك أن يعيش حياة مزدوجة

أكد رامي أنّه لم يتعرّض لضغوطات من عائلته كي يتزوّج، لكنّه مُدرك تماماً للواقع، فهو لن يتمكن من الزواج من حبيبه وتأسيس عائلة على غرار ما يقوم به المثليون/ات في دول الغرب.

وفي هذا الصدد، تحدث عن أندرسون كوبر، الإعلامي على قناة سي إن إن، والذي أعلن منذ فترة عن ولادة ابنه الذي يربّيه مع شريكه، كما أعطى مثالاً عن نيل باتريك هاريس، الممثل المعروف والمتزوج من شريكه ولديهما طفلان.

عندما شاهد رامي صور بعض النجوم المثليين على السوشال ميديا، أدرك أنهم يعيشون حياة طبيعية مثل أي شخصين قررا الزواج وتأسيس عائلة.

وفي حين أنه يريد بدوره تأسيس عائلة مع الشخص الذي يحبه، لكن رامي يعيش في منطقة من الصعب اقتلاع جذور العادات والتقاليد والأفكار البالية منها، الأمر الذي دفعه إلى الزواج من امرأة مثلية ترغب بدورها في تأسيس عائلة.

هذا وكشف رامي أن زوجته حامل الآن بفضل التلقيح الاصطناعي، مشيراً إلى أنه ينتظر مولوده الأول بفارغ الصبر.

حياة مزدوجة

كشف الإعلامي اللبناني في قناة الحرّة، جو خولي، لرصيف22، أن هناك عدداً كبيراً من أصدقائه المثليين الرجال الذين قرروا أن يتزوجوا لكي لا يكونوا عرضة للثرثرة والنميمة في محيطهم، مشيراً إلى أن هؤلاء الأفراد يعيشون اليوم حياة مزدوجة إرضاءً لوالدتهم أو لعائلتهم: "هناك صديق تزوج من ابنة خالته ولديه أطفال ولكن في الخفاء يخونها مع رجل، لأن رغبته الجنسية غير مكتملة في حياته العلنية التقليدية التي فرضها المجتمع، وبالتالي يعيش يومياً صراع الازدواجية".

وبالنسبة لخولي، فإنه من المهم عدم إطلاق الأحكام المجحفة بحق هؤلاء الأفراد: "علينا أن نفهم تصرفهم من دون أن نحكم عليهم. علينا أن نتفهم أن هناك أدلة كثيرة في مجتمعاتنا تشير إلى أن التحيّز لما هو تقليدي يخلق صراعاً لدى هؤلاء، فيصبح صراعهم الداخلي ساماً. وعندما يأتي التحيز ضد المثليين من قبل الوالدين أو الدين، يكون التأثير عميقاً".

وأضاف جو، وهو ناشط في مجال حقوق مجتمع الميم- عين: "إن التعرّض لرفض الوالدين لهويتنا الجنسية مرتبط بالسلبية الداخلية المؤلمة - وهو ما يسميه علماء النفس (السلبية الداخلية) أو(الوصمة الداخلية)، وينطبق الشيء نفسه عندما ينتمي الشخص إلى أديان أو إيديولوجيات ترفض المثلية الجنسية".

واعتبر خولي أن إحدى نتائج هذه الوصمة الداخلية هي العنف: "كراهية الذات هي شكل من أشكال العنف"، على حدّ تعبيره.

وتابع بالقول: "تخيلي شاباً جالساً في رعيته أو كنيسته أو مسجده، يستمع لتجار الدين الذين يرددون أقوالاً بالية كلها أحكام وإدانات للمثليين/ات على أساس أنهم أشرار ويستحقون عقوبة الإعدام على ما يفعلونه/نه، تخيلي أن قسماً كبيراً من هؤلاء الشباب الذين يخفون مشاعرهم الجنسية سوف تترسخ في أذهانهم فكرة واحدة وهي أنهم يستحقون الموت بسبب هويتهم الجنسية. تخيلي كل طفل مثلي الجنس يكبر ليكتشف ويتعلم أن يكره نفسه، ويظن أنه يستحق الموت. تخيلي الفوضى وكراهية الذات التي تنمو داخل قلبه".

حلول لإسكات المجتمع

كشف جورج قزّي، الناشط في مجال حقوق مجتمع الميم-عين، لرصيف22، أن هناك الكثير من الأفراد الذين يلجؤون للزواج التقليدي، بغية الهروب من حديث الناس الذي لا يرحم أحياناً: "قد لا يعلم الزوج مثلاً بميول زوجته الجنسية أو لا تعلم الفتاة بأن زوجها مثلي"، معتبراً أن هذا الارتباط قد يخلّف وراءه ضحايا كثراً.

وأوضح قزي ان هناك الكثير من المثليين والمثليات الذين يتعرفون على بعضهم البعض عبر الجمعيات أو في البارات والملاهي الليلية، ويتفقون على الزواج لإسكات المجتمع وإرضاء العائلة: "لا أملك تقديراً للعدد، لكنني أشاهد الموضوع أكثر فأكثر. أغلبهم يختار الطلاق بعد ولادة أوّل طفل، والذي على الأغلب جاء نتيجة زرعٍ في المختبر وليس إثر العلاقة الجنسية".

واللافت أن هذا المجتمع الذكوري عينه أرغم لورا على الزواج من شاب لا تحبّه، فهي تريد أن يكون لها عائلة وأطفال، ولكن كونها مثلية تعيش في لبنان، فإنها لن تتمكن من الزواج من حبيبتها.

لقد تعرّفت لورا على شاب مثليّ يريد بدوره الارتباط للهروب من ضغوطات الأهل، فقرّرا الزواج، بشرط أن يعيش كل واحد منهما حياته الجنسية بكل حرية، إلّا أنه بعد ولادة ابنتهما (والتي حملت بها عن طريق الزرع)، اكتشفت لورا أنها لا تستطيع الاستمرار بالعيش مع زوجها تحت سقف واحد، فهي ببساطة لا تحبه ولا تريد التضحية بسعادتها مع شخص غير مكترث بابنته، غير أنها لم تطلب الطلاق حتى هذه اللحظة، خوفاً من ردة فعل عائلتها المحافظة.

يتوجب علينا كمجتمعات أن نخلق مساحة حرة وآمنة لأي مجموعة تريد العيش بكرامة، من دون أن يضطرّ أفرادها عيش حياة مزدوجة إرضاءً لعائلاتهم ولمجتمعاتهم التي لا تنصت أصلاً لرغباتهم ولا تحترم هوياتهم الجندرية والجنسية

يناضل أفراد مجتمع الميم-عين في ظلّ مجتمعات قمعية غير متقبّلة، فيلجأ البعض منهم لاتخاذ قرارات مصيرية بإمكانها أن تؤثر سلباً على سعادتهم وعلى حياتهم وحياة الآخرين من حولهم، فهم، وفي الكثير من الأحيان، يعيشون طبيعتهم وميولهم في السرّ، بسبب المجتمع التقليدي وأفكاره البالية.

أما بالنسبة للارتباط الشكلي لناحية الزواج، فهو ليس وليد اليوم، بل نتيجة تراكمات لعادات وقيود وممارسات تقمع فئة كبيرة من المجتمع، وتؤثر سلباً على حياة العديد من الأشخاص الذين نعيش معهم ونحترمهم.

وبالتالي، فإنه يتوجب علينا كمجتمعات أن نخلق مساحة حرة وآمنة لأي مجموعة تريد العيش بكرامة، من دون أن يضطرّ أفرادها عيش حياة مزدوجة إرضاءً لعائلاتهم ولمجتمعاتهم التي لا تنصت أصلاً لرغباتهم ولا تحترم هوياتهم الجندرية والجنسية.

هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وبدعم من سفارة مملكة هولندا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard