الإساءة إلى مصر... خرافات عقل جمعي مهووس بالنفاق الوطني

الثلاثاء 2 نوفمبر 202111:43 ص

لم أشاهد فيلماً منذ انتهاء مهرجان الجونة السينمائي الخامس قبل اثني عشر يوماً. المهرجانات الدسمة وحدها تحملني إلى حالة إشباع نادرة، وتجعلني زاهداً في المشاهدة، راغباً في إغماض عيني على نصيبي من الخيال، فأظل أصونه من التشوّه بأفلام ربما تكون على قدّ الحال. أنتظر تحفة سينمائية، قديمة أو حديثة، تخرجني من الأنْس المهرجاني، وتفصلني عن أجواء 27 فيلماً شاهدتها في الجونة وأغلبها رائع، وقليلها متواضع، خصوصاً الأفلام العربية. أقول: "الأفلام العربية" بهذا التعميم متعمداً، خشية الاتهام بالإساءة إلى بلد هذا المخرج أو تلك المخرجة. العالم العربي عاري الأعصاب، تنفر عروقه من مشهد يظنه مسيئاً، ومن "ريش" ليس أكثر من فيلم.

في الجونة زاد عدد عائلتي وأصدقائي من مخرجين وممثلين لن أقابلهم يوماً. الممثل الروسي يوري بوريسوف تابعته في ثلاثة أفلام: "مقصورة رقم 6"، و"أمي، أنا في المنزل" أول فيلم في العالم تقريباً يشير إلى المرتزقة الروس في سوريا، و"هروب الرقيب فولكونوجروف" الفائز بجائزة نجمة الجونة البرونزية عن استحقاق، لتناوله صراعاً نفسياً آمل أن تصيب عدواه آلافاً من الجلادين في المعتقلات العربية، لا يقلّون إجراماً عن فولكونوجروف صاحب الوسيلة المبتكرة لالتماس العفو من عائلات ضحاياه. مع يوري بوريسوف أضيف الصيني زانج ييمو مخرج "ثانية واحدة"، أعمق فيلم شاهدته في مديح السينما؛ أهالي قرية ينتظرون بشغف مشاهدة فيلم، ويشاركون في تنظيف النيغاتيف.

أن تنتفض دولة بإعلامها وببعض من سينمائييها للحرب على فيلم، فهذا دليل هشاشة

أظن أن 27 فيلماً وجبة معقولة في هذا الخريف المحرّض. لا يخلو الأمر من ندم على فوات فرص لن تعوّض، ليس لبعد المسافة، فبين الشاشات وبين غرفتي ثلاث دقائق مشياً، لا تعب ولا نهَجان وإنما طاقة لا تتسع لأكثر من أربعة أفلام يومياً. لست محظوظاً بمشاهدة "ثلاثية الألوان"، على شاشة فضية كما أراد مخرجها كريستوف كيشلوفسكي، وإن أدركت جانباً من تراث المخرج البولندي بمشاهدة فيلمه "الحياة المزدوجة لفيرونيك". فاتتني أيضاً الأفلام القصيرة، فتيان الشباك يبتسمون: "للأسف كامل العدد". أفرح بالإقبال الدائم في الجونة على الأفلام القصيرة، وأفكر في مشاهدتها من خلال المكتبة الإلكترونية، لكن الشاشة الصغيرة تمسّ هيبة الفيلم في مهرجان.

في زحام أفلام روائية ووثائقية ورسوم متحركة، من الشرق الأدنى إلى الغرب الأقصى، لمخرجات ومخرجين ينتمون إلى تيارات فنية متنوعة، جاءت التجارب العربية دالة، مرايا لعالمنا، وحدود الخيال فقراً واجتهاداً؛ من المغرب "علّي صوتك" لنبيل عيوش، ومن لبنان "كوستا برافا" لمنية عقل، و"البحر أمامكم" لإيلي داغر. وأستطيع إضافة فيلمين وثائقيين عنا، داخل الجغرافيا العربية، وخارجها تقصّياً لجغرافيا نفسية لعرب غادروا؛ أولهما "هذا المطر لن يتوقف أبداً" للأوكرانية ألينا جورلوفا، و"سبايا" للكردي السويدي هوبير هيرودي. ومن مصر: "أميرة" لمحمد دياب، و"كباتن الزعتري" وثائقي لعلي العربي، و"ريش" الفائز بجائزة أفضل فيلم روائي عربي طويل. الضجّة جعلته أكثر شهرة من مخرجه عمر الزهيري.

ضجّة غير بريئة، تنطلق من غيرة سينمائيين فقراء الوعي، فقراء الإنجاز، ومن أوصياء على الوطن، يحملون مفاتيح الوطنية، فيسمحون لهذا بالمرور، ويمنعون ذاك، مستندين إلى سراب اسمه "الإساءة إلى سمعة مصر". قضية هزلية، يظنها العاقل فكاهة إلى أن يرى آثار أمر سياديّ جرى تعميمه بتجاهل الفيلم، وعدم نشر أي مقال عنه ولو انتقاداً، يريدون قتل الفيلم بالصمت، وتأديب مخرجه القادم من خارج الطابور، وقد فاجأهم في ختام مهرجان كان يحمل جائزتين، ويأتيه من الصين خبر فوزه بجائزة وهو مشغول بدفع غبار اتهامات لاحقته في مهرجان الجونة. في قضية الإساءة إلى سمعة بلد أكتفي ببلدي، ولغيري أن يتأمل بلده. كلانا مريض.

جورج قرداحي، قبل تعيينه وزيراً للإعلام في لبنان، سمّى الأشياء بأسمائها. وصف الحرب على اليمن بأنها عبثية، والأخطر من العبث أنها عدوان، والمعتدى عليه يدافع عن نفسه. قامت القيامة، وانتفضت الجزيرة. حكومة مملكة ابن سعود استدعت سفيرها في لبنان، وطالبت سفير لبنان بمغادرة الحجاز، وأعلنت وقف كافة الواردات اللبنانية إلى المملكة، ومنع سفر سكان المملكة إلى لبنان. إجراءات تتناسل وتتصاعد، وتعبر حدود المملكة إلى البحرين والإمارات والكويت. لو قال إن القوات المعتدية توزّع حلوى على أطفال اليمن، ولا تقصف مستشفيات وسرادقات عزاء، لامتدحوه. عالم عربي مريض ينسف المسافة بين الوطن وحاكمه، وأمامه حين من الدهر حتى ينضج، ولا يُكهربه النقد.

قبل احتلال العراق عام 2003، وصف البريطانيون رئيس وزرائهم بأنه كلب لجورج بوش، وأصدر المطرب البريطاني جورج مايكل أغنيته "بلير كلب بوش الأليف"، ولم يعتقل أو يمنع من السفر. وفي سبتمبر 2016، قال رئيس الفلبين رودريغو دوتيرتي إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما "ابن عاهرة"؛ تصريح في مؤتمر صحفي قبل التوجه إلى لاوس لحضور قمة مجموعة دول جنوب شرق آسيا هدد فيه بتمريغ أوباما "في الوحل مثل خنزير". وبعد شهرين قال دوتيرتي إن الأمريكيين "قردة أغبياء". الذي فعله أوباما أنه ألغى اجتماعاً مع دوتيرتي، أما الشعب فلا يتنادى لنصرة رئيس مشتوم بأمه، ولا ينتصر لنفسه بحرب داحس والغبراء مع رئيس شتّام.

الإساءة إلى مصر تحدث حين نصنع أفلاماً نخجل من عرضها في مهرجان، وننفق الملايين على تنظيم مهرجان يخلو من فيلم مصري، لأن عشرات الأفلام لا تشرّف، ملساء مسطّحة خالية من النتوءات

تعافت الشعوب المتقدمة من أمراض الذهنية القبلية في مجتمعات ما قبل "الدولة". ما كان للأمريكيين أن يخرجوا إلى الميادين، ويوحّدوا بث القنوات الفضائية، للتنديد بالفلبين ورئيسها، ويتفننوا في مديح أوباما والإشادة بحكمته، وهم ينتقدون رئيساً أتت به أصواتهم. لم يعتذر روبرت دي نيرو عن وصفه لدونالد ترامب بأنه "غبي وكلب وأخرق" لا يؤتمن على مستقبل البلاد. كما انتقدته ميريل ستريب، فردّ الرئيس ترامب بتغريدة قائلاً إنها ممثلة «مبالغ في تقديرها». وفي حفل الأوسكار 2017 تجددت السخرية من ترامب. أما الأجواء المصرية فأصابها مسّ كهربائي، أشبه بالطعن في الكرامة الوطنية، لسخرية إياد مدني بغلظة من عبد الفتاح السيسي في أكتوبر 2017.

لا أكتب في السياسة. لا شيء مضموناً في أيام لا يعلم بما تخبئه من شرور إلا الله. ألتمس الأمان بالعودة إلى ما بدأتُ به، إلى الأفلام. أن تنتفض دولة (قد ينصح أحد المحفلطين بالدقة: حكومة لا دولة)، بإعلامها وببعض من سينمائييها للحرب على فيلم، فهذا دليل هشاشة. الهوس الوطني يخفي عواراً سياسياً واجتماعياً ونفسياً، ويستنبت وشاة وخائفين لا يدركون أن النظافة التي تراد للفنون وهمٌ سياسي وفني. وانتظرتُ أن يتوقف باحث أمام عام 2016 وفيه استبعدوا الفيلم المصري "آخر أيام المدينة" من مسابقة مهرجان القاهرة، وإلى الآن لا تصرّح الرقابة بعرضه، لانتهائه بهتاف "يسقط حكم العسكر" في أجواء عام 2009.

هتاف عابر في فيلم لا يريح جهات ساءها فيلم "ريش"، وتتحصّن بشعار "الإساءة إلى سمعة مصر" الفارغ من المعنى. ولا نتعلم من التجربة الفلبينية، ففي العام الذي كال رئيس الفلبين السباب للرئيس الأمريكي، عرض مهرجان القاهرة السينمائي فيلماً فلبينياً مسيئاً إلى سمعة الفلبين، بالمعايير المصرية. نصَحنا العارفون بمهرجان كان بمشاهدة الفيلم الذي فازت بطلته جاكلين خوزيه بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان 2016. سألتُ عن عنوانه فقالوا: "ما روزا"، قلت: "ماما روزا؟"، صححوا: "ما روزا". بنظرة أمنية مرتعشة يسهل على السلطات الفلبينية منع الفيلم الغارق في مستنقع العشوائيات في العاصمة مانيلا، وتدور أحداثه في بيئة مثقلة بالجريمة والمخدرات وفساد الشرطة.

لم يسارع برلمانيون مرضى بالوطنية ومحامون مهووسون بالشهرة إلى التشكيك في جدارة بطلته بالجائزة، زاعمين أنها نالتها لضلوعها في مؤامرة على الفلبين. ونجا مخرج الفيلم بريلانتي ميندوزا من تهمة "الإساءة إلى سمعة الفلبين". مرونة أعادت ميندوزا، بعد عامين، إلى تلك الأجواء في فيلم "ألفا، الحق في القتل"، وفيه يتعاون ضابط شرطة فاسد مع موزع مخدرات ويجنّده، لتسهيل القبض على عصابة. ويستأثر كلاهما لنفسه بجزء من المخدرات المضبوطة، ويتخلص الضابط من الشاب بالقتل الذي كان مصير الضابط. أترك الشرطة قليلاً، وأذهب إلى المؤسسة العسكرية المكسيكية التي لم تعترض على فيلم "ترتيب جديد" (2020)، عن فشل الجيش في التعامل مع تمرد للفقراء.

هتاف عابر في فيلم لا يريح جهات، فتتحصّن بشعار "الإساءة إلى سمعة مصر" الفارغ من المعنى

يصادف اليوم انتهائي من قراءة رواية "تغريدة" للكاتبة الفلسطينية أثير صفا؛ كتابة محيّرة تحتاج إلى ناقد متحرر من قواعد القراءة الكلاسكية للروايات، فلا حكاية ناظمة للأحداث. تكتب المؤلفة عن رسم مايكل أنجلو لسقف كنيسة سيستينا للمجيء الثاني للمسيح، واقتراب القيامة، والحشود من أتباعه عراة. وبسبب العري، قاد الكاردينال "كارافا" حملة ضد الفنان، عنوانها "حملة ورقة التين". تم اتهام أنجلو بإهانة الكنيسة، لكن البابا فاجأهم بالإبقاء على الصور، وقال: "محكمة الفاتيكان لا صلاحيات لها في منطقة الجحيم". ولم يشجب الفاتيكان فيلم "البابوان" (2019). ولو اجتمعت لجنة من الكرادلة لمشاهدته، قبل إجازته، فسوف تنسى مهمتها، ويسحرها أداء الممثلين أنطوني هوبكنز وجوناثان برايس.


يتربص الاستبداد العسكري والديني بالخيال. وتظل حرية الفنون عنوان عافية المؤسسات السياسية والدينية. رسالة الفنون جمالية بالأساس، والإبداع الفني أكبر وأكرم من هتاف فارغ وشعار أجوف عن واقع قبيح. وجبات المستشفيات هي الأطعمة الأكثر التزاماً بالمواصفات الصحية القياسية، لكنها مجهّزة للمرضى. والإبداع النظيف يناسب مجتمعات لم تتجاوز فترة النقاهة، وتفتقد المناعة، ولم تبلغ طور تحدي الإصابة بالأمراض. أما الإساءة إلى مصر فتحدث حقاً حين نصنع أفلاماً نخجل من عرضها في مهرجان، وننفق الملايين على تنظيم مهرجان يخلو من فيلم مصري، لأن عشرات الأفلام لا تشرّف، ملساء مسطّحة خالية من النتوءات، نظيفة خارجة من مغاسل مستشفيات سيادية، مسيئة إلى سمعة مصر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard