المناطقية والطائفية في لبنان عائدتان بقوّة الجوع

الخميس 5 أغسطس 202110:13 ص

تخطئ مجموعات 17 تشرين اللبنانية إذا كانت لا تزال تحسب أن بوسعها تحقيق نتائج جيّدة في أي انتخابات برلمانية مقبلة في لبنان. التحوّلات التي تجري بسرعة قياسية في بنية الاجتماع اللبناني وتمظهراته السياسية تجاوزت كل محاولة من مجموعات الاعتراض لتداركها.

بيروت اليوم مدينة مطفأة، تنشط في ليلها عصابات السرقة، وكثيرون من القادرين مادياً هجروها إلى أمكنة أخرى، من دون أن تنجح تجمعاتهم المرتجلة، حتى الآن، في تشكيل مدن أو حواضر يمكن اعتبارها بديلاً اقتصادياً واجتماعياً عن العاصمة. ويوماً بعد يوم، تزداد صعوبات العيش العادي والسائر في بيروت والمدن الكبرى.

خسائر كبرى

وبانهيار المجتمع المديني اللبناني، ينهار منطق العيش المشترك الذي كان يستمد لُحمته ومعناه من التعايش الحاصل في المدن الكبرى، لينطلق منها إلى نوع من تقبّل الآخر المختلف في المناطق الأكثر صفاء طائفياً واجتماعياً.

هذه خسارة كبرى لحاملي الشعارات العامة في السياسة والاجتماع، ومجموعات 17 تشرين التي نشأت بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر أو نشطت فيها منها. لكن الخسارة لا تتوقف عند هذا الحد.

ينشط اليوم زعماء الطوائف وأحزابها وممثلوها في السلطة السياسية في محاولات تأمين الحد الأدنى من مقومات العيش للناس الذين فقدوا معظم مواردهم بسبب الانهيارات المتسارعة في كل المجالات.

الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ينشط بين المغتربين الدروز في أرجاء الكرة الأرضية لحثهم على مساعدة الناس في مناطق زعامته، ونجح إلى حد بعيد في تأمين شبكة أمان "اقتصادية" في لأبناء طائفته.

وعلى نحو وليد جنبلاط، ينحو الثنائي الشيعي المتمثل بحزب الله وحركة أمل إلى تشكيل شبكة أمان مماثلة، رغم الصعوبات المتمثلة بحجم الطائفة المتسع والممتد على رقعة جغرافية تعاني، مثلها مثل المناطق التي يعيش فيها الدروز، من ندرة الزائرين والعابرين نحوها وإليها، لأسباب جغرافية أولاً، ولأسباب تتعلق بطبيعة الاقتصاد الذي أرسته هيمنة حزب الله على مناطق الطائفة، والتي منعت كل تنوّع تحت حجج أمنية واجتماعية ودينية، وجعلت الطائفة أكثر عزلة من غيرها على هذا الصعيد.

"على المستوى السياسي، لبنان لم يعد له مركز وأطراف، وأبناء الطوائف ما عادوا مخيّرين في الخروج عليها، تحت طائلة وقوعهم تحت خط الجوع والعوز والفاقة"

لكن المحاولات التي يقوم بها الثنائي الشيعي بدأت تلقى بعض النجاح، خصوصاً في البقاع الشمالي والشرقي حيث تنشط زراعة الممنوعات والاتّجار بها. واللبنانيون باتوا يلاحظون مدى سرعة النهضة العمرانية في مدينة بعلبك والتي تشير بلا لبس إلى أن هذه المدينة ستصبح في وقت قريب جداً عاصمة الطائفة الاقتصادية، وربما السياسية، إذا لم تنجح مدن الجنوب الشيعية في تحقيق استقرار ما لاجتماعها المضطرب بسبب الضائقة المعيشية وانعدام الأفق.

السنّة من جهتهم تتنازعهم جهتان تمولان المساعدات. في طرابلس وشمال لبنان، ينشط متصلون بتركيا في توزيع مساعدات على أبناء الطائفة، فيما ينشط منتمون لتيار المستقبل في توزيع مساعدات سعودية التمويل على بعض طرابلس ومعظم بيروت وصيدا ومناطق السنّة في البقاع.

وعلى نحو مماثل، تنشط القوات اللبنانية التي يتزعمها سمير جعجع في توزيع مساعدات، بدعم سعودي، على الموارنة المعوزين وعلى بعض السنّة أيضاً. ويسعى التيار الوطني الحر الذي يتزعمه رئيس الجمهورية ميشال عون ويرأسه صهره جبران باسيل إلى إنشاء شبكة أمان مماثلة، رغم أن موارده أضيق بكثير من موارد القوات اللبنانية حتى الآن.

لا مركز، لا أطراف

هذا السرد المتقدّم يعني على المستوى السياسي أن البلد لم يعد له مركز وأطراف، وأن أبناء الطوائف ما عادوا مخيّرين في الخروج عليها، تحت طائلة وقوعهم تحت خط الجوع والعوز والفاقة، مع استثناءات لا أستهين بها في حقيقة الأمر.

وهذا يعني أن الناس في بلد يعاني من كل شيء، لم تعد تستطيع أن تطمح أكثر من النجاة من هذا الإعصار. وهذا يعني أن السياسة، التي يمكن اعتبارها أداة نظرية لضمان مستقبل مزدهر ماتت تحت سنابك خيول الانهيارات المتتالية، وانعدام الاهتمام الخارجي بمستقبل البلد ودوره.

"الناخب اللبناني في أي انتخابات مقبلة لن يكون مخيراً بين طرفين أو أكثر، فهو سينتخب من أجل قوت أولاده وإمكانية بقائه على قيد الحياة. وسيترك أفكاره وتطلعاته جانباً إلى وقت لاحق"

والناخب في أي انتخابات مقبلة لن يكون مخيراً بين طرفين أو أكثر، فهو سينتخب من أجل قوت أولاده وإمكانية بقائه على قيد الحياة. وسيترك أفكاره وتطلعاته جانباً إلى وقت لاحق.

على هذه المحصلة، لم يعد ثمة أمل للمجموعات الداعية إلى إسقاط الطبقة السياسية كلها في الحصول على أي نسبة ملحوظة في أي انتخابات مقبلة. وإذا ما استفحلت الأزمة، والأرجح أنها ستستفحل، فإن هذه المجموعات ستجد نفسها من دون أي خطاب سياسي، وستكتفي بخطاب ثأري يدعو إلى محاسبة المسؤولين عن تردي الأوضاع على النحو الذي تردت إليه.

في الوقت نفسه، سيجد اللبنانيون أن إدارة الحياة الضئيلة المتبقية في البلد تحتاج إلى مَن يتطوع لأدائها مشكوراً. وليس ثمة غير الطبقة السياسية الحالية مستعدة لتحمل هذا العبء. وكل هذا لا يعني بالطبع أن الحكومات المقبلة لن تضم بعض وجوه الحراك الاعتراضي الذي يشهده البلد منذ أواخر 2019 بصورة مستمرة، لكن هؤلاء لن يستطيعوا ادّعاء تمثيل شريحة وازنة من اللبنانيين، وسيفتقدون حكماً إلى الحيّز العام الجامع الذي يشكل أرضية متماسكة لأي خطاب مشترك، إذا توافر الخطاب.

فعل الانهيار فعله. ولا سبب يدعو أحد للاندهاش إذا ما اضطر اللبنانيون، بكل طوائفهمـ إلى توسل الطبقة السياسية الحالية حتى تستلم دفة الحكم، لأن أحداً أو جهة في البلد لم يعد يستطيع أن يصنع مشروعاً سياسياً يمكن أن يجد أرضية مناسبة لتحقيقه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard