كيف تبدّلت أحوال اللبنانيين الاقتصادية؟ خمس عائلات تخبرنا عن نفقاتها الأسبوعية

السبت 14 أغسطس 202112:00 ص

تدهورت أحوال غالبية الأسر اللبنانية مع انهيار الليرة إلى مستويات قياسية مقابل الدولار، ومع الارتفاع الجنوني الذي شمل معظم السلع، في بلد يستورد 80% من احتياجاته الغذائية ومواده الاستهلاكية.

بحسب مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، تجد الأكثرية الساحقة من الأسر في لبنان صعوبة في توفير قوتها بالحد الأدنى المطلوب من دون دعم عائلي أو من دون مساعدة مؤسسات الإغاثة. وقدّر المرصد كلفة الغذاء بالحد الأدنى لأسرة مكوّنة من 5 أفراد بأكثر من 3,500,000 ليرة لبنانيّة، أي حوالي خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور.

وبينما دفعت الأزمة بأكثر من نصف اللبنانيين إلى الفقر، تحسنت أحوال العديد من الذين يتقاضون أجورهم بالدولار، أو الذين يتلقون تحويلات من أقاربهم أو أهاليهم في الخارج، وارتفعت قدرتهم الشرائية.

سألنا خمس عائلات تراوح مداخيلها بين 80 و1400 دولار عن كيفية إنفاقها، وعن تبدل أحوالها المعيشية مع تبدل الظروف في لبنان.


”راتبي لم يعد يكفي حتى للأكل“

في الأسبوع الثاني من الشهر، تكون مهى قد أنفقت كامل راتبها، الذي يساوي 1,600,000 ليرة، ولا تتخطى قيمته اليوم 80 دولاراً.

تعمل السيدة البالغة من العمر 35 عاماً معلمة في مدرسة رسمية في طرابلس، شمال لبنان، وهي أُم لثلاثة أولاد، توأم شابين في الثالث عشر من العمر وفتاة في السابعة.

أصبحت مهى المعيلة الوحيدة لعائلتها، بعد أن اضطر زوجها إلى إغلاق صالون الحلاقة النسائي الذي يملكه مع تدهور الأوضاع الاقتصادية. تعتمد العائلة بشكل أساسي على راتبها الذي ”لم يعد يكفي حتى للأكل“، كما تقول غاضبة.

تعيش مهى في توتر دائم سببه أن لا تستطيع توفير حاجات العائلة الأساسية. حالة التوتر المستمرة تسببت لها بأعراض جسدية ”أشعر بالتعب بشكل مستمر، وأصبت بنوع من الحساسية اضطرني إلى دخول المستشفى“، تقول. ولكن أكبر مصادر توترها الحالية علاقتها بزوجها التي تأثرت كثيراً بعد أن خسر عمله. تقول: ”تغيّر كثيراً منذ أن أغلق صالونه. كنا نتقاسم كل مصاريف المنزل والآن أصبح يتكل علي في المصاريف جميعها، مما سبب له أزمة نفسية“.

تعتمد مهى اليوم بشكل كبير على الاستدانة من صاحب الدكان أو من والدتها. تبيع قطع الذهب التي تمتلكها لتسد بعض المصاريف. ساعدتهم بعض التحويلات التي أرسلها أقرباء مقيمون في الخارج، بقيمة 200$ كل بضعة أشهر، ولكنها توقفت الآن. تقول بحسرة ”أصبحت أقبل المساعدات التي توزعها البلدية على شكل حصص غذائية، كنت أفضل في السابق أن تعطى لأشخاص أكثر حاجة“.

اضطرت مهى إلى نقل أولادها إلى مدرسة رسمية لأن تكاليف المدرسة الخاصة أصبحت خيالية إذا ما قيست بقيمة راتبها. تخلت العائلة عن أمور كثيرة، فلا ملابس جديدة ولا رحلات ترفيهية أيام الآحاد. تعلمت مهى أيضاً تحضير العديد من الأساسيات في المنزل، عوضاً عن شرائها، تقول ”أحضر الأجبان والألبان من الصفر، لأن الأولاد يعتمدون عليها كثيراً، وقد أصبح شراؤها يكلف 150 ألفاً أسبوعياً، كما أقوم بخبز المناقيش في المنزل بعدما أصبح سعر المنقوشة الواحدة ثمانية آلاف ليرة“.

أصعب ما قامت به خلال هذه الفترة هو أنها رفضت بعض طلبات أولادها البسيطة جداً لعدم توفر المال. ”أكثر ما يخيفني هو مستقبلهم في هذه البلاد“ تقول.


"غابت أوقات الفرح وحل مكانها القلق“

لم تكن تتخيل لمى أن تضطر يوماً للاعتماد بشكل كبير على صناديق الإعاشة المقدمة من جهات مختلفة في بيروت، فراتبها الذي كانت تتخطى قيمته الألفي دولار سابقاً كان يكفيها لتغطية مصاريفها ومصاريف ابنيها بل ويزيد. اليوم، لا تتخطى قيمته 175 دولاراً وهي تعيش في قلق مستمر من أن يعاني ابناها محمد ورامي ”الجوع والحرمان“، كما تقول.

تعمل السيدة البالغة من العمر 30 عاماً محاسبة في مكتبة قريبة من مكان سكنها، وهي المسؤولة الوحيدة عن طفلين يبلغ الأكبر سناً بينهما 12 عاماً. "أشعر بالخوف، لا بل أشعر بالرعب من طلبات رامي ومحمد لأنني لست واثقة من قدرتي على تلبيتها“ تقول. "الأسبوع الماضي، طلب مني ابناي الذهاب إلى المسبح، انتابني شعور يشبه الشلل والانكسار، شعور بالهزيمة لعدم قدرتي على تحمل أعباء مصاريف مشروع كنا اعتدنا القيام به سابقاً. أنقذت الموقف عبر الذهاب إلى شاطئ الرملة البيضاء المجاني“.

يؤلمها أن ابنيْها محرومان حتى من مشاهدة التلفاز، بسبب تقنين الكهرباء القاسي وعدم قدرتها على توفير اشتراك في المولد الكهربائي.

تتحدث لمى عن هذه التفاصيل ثم تتذكر أنها بسيطة أمام خوفها من أن يضطر أحد ولديْها إلى دخول المستشفى، مع ما يعانيه هذا القطاع من أزمات اليوم.

يساعدها أن ولديها في مدارس رسمية، وأنها لا تدفع مصاريف مواصلات لأن مكان عملها قريب. ولكن مع ذلك ينفد راتبها خلال أسبوعين إلى عشرين يوماً حداً أقصى، وتضطر إلى طلب المساعدة من أبيها وأختها.

تغيرت عاداتها الاستهلاكية بشكل كبير بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني ”أصبحت أطلب كمية محدودة من كل شيء، بحسب ما يتوفر بين يدي، فأطلب من البائع أن يعطيني لحمة مفرومة أو دجاجاً بـ20 ألف ليرة، أما الخضار فأشتري منه كميات تراوح بين نصف كيلوغرام وكيلوغرام بسبب ارتفاع أسعارها“.

تقول بحسرة: ”قضينا أنا وولدَيّ أوقاتاً جميلة مليئة بالحب والفرح، للأسف غابت أوقات الفرح وحل مكانها القلق“.

 "أشعر بالخوف، لا بل أشعر بالرعب من طلبات رامي ومحمد لأنني لست واثقة من قدرتي على تلبيتها“


أحمد: "أعيش كل يوم بيومه"

لا يتقاضى أحمد راتباً ثابتاً، فهو يعمل سائق تاكسي في بيروت، وقد يراوح مدخوله اليومي بين 300 و600 ألف ليرة بحسب عدد الزبائن. عليه أن يقتطع من هذا المبلغ سعر البنزين، بالإضافة إلى بدل إيجار نمرة التاكسي التي تبلغ 30 ألف ليرة يومياً.

يعيش الشاب البالغ من العمر 30 عاماً "كل يوم بيومه" لأن لا سبيل آخر أمامه، ولكنه كان يحب لو يكون قادراً على التخطيط والتفكير بمستقبل ابنتيه الاثنتين.

تغيرت ظروف معيشته بشكل كبير. ارتفع بدل إيجار منزله من 500 إلى 700 ألف ليرة، ما دفعه للبدء بالبحث عن مسكن آخر. أوقف اشتراك المولد الكهربائي بسبب ارتفاع تكلفته، مع الانقطاع المستمر للكهرباء. يفضل أن يوفر ما استطاع ليسجل ابنته السنة المقبلة في مدرسة خاصة.

يصرف مدخوله الشهري على احتياجات العائلة ورحلتين في الشهر للترفيه عن ابنتيه. يقول "لا أحرم ابنتَي من شيء، من حقهما أن تعيشا طفولتهما“. ولكن كل ذلك يظل ممكناً ما لم تتعرض سيارته التي هي مصدر رزقه لأي عطل، لأن تكاليف التصليح مرتفعة بسبب احتسابها بالدولار. يقول ”قبل شهرين، تعطل موتير السيارة وكانت كهربتها تحتاج إلى تصليح. لم يكن مدخولي حينها كافياً، وكنت قد مررت بظرف صحي استهلك جزءاً كبيراً من المدخول، شعرت أن المصائب كلها تقع مرة واحدة، وأن علي أن أعيد ترتيب أموري“.

أي حادث صغير يعطّله عن العمل يؤثر على مدخول العائلة. كذلك أوقات الانتظار الطويلة التي قد تمتد ساعات أمام محطات البنزين، أو الساعات التي يقضيها أحياناً وهو يبحث عن دواء في الصيدليات أو عن حليب لابنته الصغرى. ”في أيام كثيرة تكون الرزقة قليلة جداً ولكن أفكر دوماً بأن كل شيء يمكن أن يعوض“. يتوفق أحياناً بتوصيل زبائن إلى مناطق بعيدة، أو بالحصول على اتفاقيات توصيل ثابته، ولكنه يضطر أحياناً أخرى إلى الاستدانة.

غياب الاستقرار المادي وتدهور الوضع الاقتصادي بشكل سريع يثيران قلقه ويؤثران على صحته. ”أصعب ما أواجهه هو تلبية الاحتياجات الضرورية للعائلة وتوفير الأولويات، وأعلم أنه إن استمرت الأزمة على ما هي عليه، فسوف تنتهي أيام المشاوير والترفيه“ يقول.

 “كنت أهرب من البيت حتى أعود وقد نام الأولاد، فلا يطلبون مني مصروفهم اليومي... اليوم أعطيهم مصروفهم وأوصيهم بأن لا يصرفوه أمام أولاد أخواتي والجيران، لأن الحرمان صعب وهم قد جربوه”


حسين: “أصبح بإمكاني أن أنام مرتاحاً"

“أصبح بإمكاني أن أنام مرتاحاً، من دون أن أفكّر كيف سأنهض في اليوم التالي لأوفر الطعام”، هكذا يلخص حسين تغيّر أحواله خلال السنة الماضية.

خلافاً لغيره من الشباب في محيطه، تبدلت أحواله وتحسنت ظروف معيشته. يعمل سائق نقل لدى إحدى الجمعيات الخارجية في لبنان ويقبض راتباً مقداره 600$ في الشهر. لم يكن راتبه يكفي شاباً أعزب بدون مسؤوليات قبل الأزمة عام 2019، وكان يضطر لأن ينهي دوامه في الجمعية ويبدأ دواماً آخر كسائق سيارة أجرة كل يوم.

هو زوج وأب لأربعة أطفال تراوح أعمارهم بين سنة وسبع سنوات. يتنهد قائلاً: “كنت أهرب من البيت حتى أعود وقد نام الأولاد، فلا يطلبون مني مصروفهم اليومي”. إلا أن تدهور العملة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي ساعده على دفع ديونه التي تراكمت عليه في السنوات الماضية واستطاع أن يعوض على أطفاله الحرمان الذي فرضته الظروف، فأصبح يسخى عليهم لكن بالخفاء. يقول: “أعطيهم ولكن أوصيهم بأن لا يصرفوا المال أمام أولاد أخواتي والجيران لأن الحرمان صعب وهم قد جربوه”.

خلافاً لغيره من الشباب في محيطه، تحسنت أحوال حسين. تدهور العملة اللبنانية أمام الدولار ساعده على دفع ديونه المتراكمة واستطاع أن يعوض على أطفاله الحرمان الذي فرضته الظروف. “يناسبني الوضع ولكنني لا أستطيع أن أكون أنانياً” يقول...

طالت التغييرات تفاصيل عديدة في حياة حسين، فهو كان ينتظر ثلاثة أشهر قبل أن يتمكن من دفع بدل إيجار المنزل، ولكنه أصبح يدفعه كل أول شهر “مع حبة مسك” كما يقول. "اتفقنا أنا وزوجتي أن أعطيها 100 ألف ليرة مصاريف الطعام يومياً، وكل ما يفيض عنها تتركه لليوم الثاني أو تشتري فيه ما ينقصها للبيت”.

يمدّ حسين يد العون لكل من ساعده في أزمته. أصبح قادراً على مساعدة والدته ووالده وأخيه بمبلغ ثابت كل شهر. يحيّره الوضع الذي هو فيه “يناسبني الوضع ولكنني لا أستطيع أن أكون أنانياً” يقول. لا يتمنى أن يبقى الاقتصاد اللبناني منهاراً، ولكنه في الوقت نفسه يرى من الصعب أن يعود إلى الوراء، إلى ما قبل سنتين، ليعود به الحال كما السابق. يتمنى أن تعود الحياة إلى طبيعتها واستقرارها على الجميع دون قلق أو مخاوف “عالقليلة أضمن محيطي وأن الأشخاص الذين أحبهم بخير وأمان".


مازن: "أدلع نفسي وأفعل كل ما لم أكن أفعله سابقاً"

انقلبت حياة مازن رأساً على عقب عندما بدأ يتقاضى راتبه بالدولار. قبل عام، كان منسوب القلق لديه عالياً جداً، بعد أن خسر مدخراته في البنك وتوقفت بطاقته الائتمانية عن العمل، شأنه شأن سائر اللبنانيين. ”عندما تحول راتبي إلى الدولار، وأصبحت أتقاضاه نقداً، زال القلق الشخصي“، يقول.

يعمل الشاب البالغ من العمر 28 عاماً مرافقاً وسائقاً خاصاً لإحدى الشخصيات البيروتية. ”تقاضي راتبي بالدولار أحدث فرقاً كبيراً في حياتي بعد تدهور قيمة الليرة اللبنانية" يقول، ويضيف "أصبحت اليوم قادراً على شراء تذاكر لحضور حفلات بعض النجوم وارتياد المنتجعات السياحية والمطاعم، إضافة إلى قدرتي على شراء ما يحلو لي من ملابس وأشياء لم أكن أستطيع دفع ثمنها سابقاً، بالمختصر، أدلع نفسي وأفعل كل ما لم أكن أفعله سابقاً“.

يستمتع مازن بإمكاناته الجديدة، ولكن حياته لا تخلو من القلق ”يبقى قلقي كبيراً على أخوتي وأصدقائي الذين فقدوا كل شيء دون أي تعويض أو مصدر دخل بالعملة الأجنبية يحقق لهم الاستقرار والأمان الاقتصادي“. يحاول المساعدة عبر المساهمة في مصاريف المنزل وعبر دعم والدته واخته واخيه بمئة دولار شهرياً لكل منهم. يقول: ”نحن تربينا في عائلة متضامنة ومساندة، ربما اليوم وبسبب الظروف أنا من أساعد وأدعم عائلتي، ولكن قد يأتي يوم أحتاج فيه المساندة وأنا متأكد أنني سأجدهم إلى جانبي“.

أحد أبرز التغييرات في حياة مازن أنه أصبح قادراً على ادخار مبلغ يراوح بين 400 و600 دولار شهرياً، وهذا ما لم يكن ممكناً قبل الأزمة وتدهور قيمة العملة اللبنانية.


أنجزت هذه المادة ضمن مشروع "شباب22"، برنامج تدريبي لموقع رصيف22 يرعاه مشروع دي- جيل D-Jil، بالاعتماد على منحة من الاتحاد الأوروبي تشرف عليها CFI.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard