مجمّع سجون وادي النطرون… "أين أقدّم أوراقي؟ كيف القبول؟"

السبت 30 أكتوبر 202111:53 ص

"تم التصوير بعد موافقة كافة النزلاء".

بتلك الجملة، تستفتح "برومو" افتتاح مجمع السجون الأكبر في مصر، في منطقة وادي النطرون. افتتاح لقي تغطيةً إعلاميةً من الدولة وإعلامها، تليق بمن اكتشف علاجاً للسرطان، أو افتتح أكبر مجمّع مدارس، أو مستشفيات، في الشرق الأوسط، وأحدثها.

يأخذك البرومو الشيّق المصمَّم بحرفية مبهرة، ومثيرة للقشعريرة، في رحلة بديعة. يسحبك من يدك، ليعرض عليك مرافق المجمّع التي تبدو من فندق من ذوي النجوم الخمس، فهذه زنازين واسعة مليئة بالأَسِرَّة والملاءات النظيفة، معلَّقة على حيطانها شاشات "إل سي دي" حديثة، تعرض شتى أنواع التثقيف والترفيه، وتلك مكتبة ضخمة تعج بألوان الكتب، يقرأ فيها المساجين ما راق لهم من الأدب والعلم. أما هنا، فتجد مطبخاً فيه ما لذ وطاب من الطعام الذي يمثّل تعيين المساجين، مع ساحات لتناول الطعام كما في أفلام هوليوود، مجهزة بأعلى معايير النظافة والصحة. أما مستشفى السجن العظيم، فهو صرح يزخر بأحدث الأجهزة في التخصصات الطبية جميعها، كلها تحت أمر المسجونين، وخدمةً لصحتهم، وإن رغب المسجون في تطوير نفسه، فالفصول والبرامج التدريبية والحرفية متاحة مع مدربين على أعلى مستوى. أما إن شعروا بالملل، فغرفة الرسم موجودة، ليمارسوا هواياتهم، ويُخرِجوا طاقاتهم الإبداعية، وإن كانت عندهم رغبة لتنفيس المزيد من الطاقة، فملاعب كرة القدم، والسلة، وغيرها، مفتوحة الأبواب. أما قاعات الزيارة، فحدّث ولا حرج: أرقى التصميمات وأوسعها، مع معاملة كبار الزوار للأهالي، من وقت وصولهم حتى انتهائهم من زيارة ذويهم.

أيام عاشتها السوشال ميديا المصرية، في حالة من الضحك والتفكّه، على هذا الاحتفاء المهول، والعرض الذي يصوّر مجمّع السجون الجديد مكاناً لا يجد قطاع عريض من الشعب المصري في الحياة الحقيقية مثله، وعلى قدر الجودة والراحة نفسه

أظننت البرومو ينتهي بذلك فحسب؟ كلا، وألف كلا! هذا حدث تاريخي وانتصار عظيم، تلزمه أغنية مخصصة لتوثيقه، وتخليده، فتنتقل إلى فيديو موسيقي جودته تخلب الألباب، لتسمع صوت الفنان مدحت صالح ينساب بكل عذوبة: "قادر يكون إنسان جديد من حقه فرصة للحياة! هنساعده يبدأ من جديد وبكل حب إحنا معاه!".

تنهي مشاهدةَ هذا العرض مشدوهاً، وتودّ أن تصرخ: "أين أقدّم أوراقي؟ كيف القبول؟".

أيام عاشتها السوشال ميديا المصرية، في حالة من الضحك والتفكّه، على هذا الاحتفاء المهول، والعرض الذي يصوّر مجمّع السجون الجديد مكاناً لا يجد قطاع عريض من الشعب المصري في الحياة الحقيقية مثله، وعلى قدر الجودة والراحة نفسه.

في حقيقة الأمر، لا نكره أبداً أن يتمتع السجناء بهذه الفرص الجميلة للإصلاح، وإعادة التأهيل، بل نتمنى من قلوبنا أن تكون مؤسسة السجون على هذا القدر من الكفاءة والكرامة.

في حقيقة الأمر، لا نكره أبداً أن يتمتع السجناء بهذه الفرص الجميلة للإصلاح، وإعادة التأهيل، بل نتمنى من قلوبنا أن تكون مؤسسة السجون على هذا القدر من الكفاءة والكرامة. ما دمنا بعيدين حتى الآن عن نقاشات حول وسائل إصلاح حديثة بديلة من السجون، فعلى أقل تقدير، نتمنى ضمان حدّ أدنى من الحقوق الإنسانية في المعيشة، والطعام، والنوم، والعلاج، والتعليم، والمعاملة، داخل السجون، لمن يقضي عقوبةً على جريمة ارتكبها، وأن يجد مساحات للتطوير والتغيير، تمكّنه من إيجاد معنى جديد يعينه على الاندماج في الحياة، بعد الإفراج، كمواطن سويّ له فرصة في سوق العمل، ليعيد تكوين نفسه.

ولكن الواقع والخبرة تقول لنا عكس ذلك. بعد إمضائي أكثر من ست سنوات، في عدد من سجون مصر، كسجين سياسي، رأيت بعيني كيف يكون الأمر من الداخل.

ظروف السجون غير الآدمية، ليست كلها بسبب غياب المرافق (وإن كان ذلك عاملاً كبيراً)، ولكن أصل المشكلة يكمن في عدم تطبيق اللوائح، وحقوق المسجونين المنصوص عليها في القانون. فمن حق المسجون، التواصل بالهاتف كل مدة معينة، وإرسال المراسلات واستقبالها، والاطّلاع على الكتب والصحف، والزيارة لساعة كاملة، وغيرها من الحقوق التي تثير دهشة أي مسجون عندما يعلمها، لغيابها التام عن التطبيق في الواقع.

يمتلك "سجن طرة شديد الحراسة 2"، ساحات تريض، وقاعةً لتناول الطعام، ومكتبةً، لكنها مغلقة بالسلاسل، ولا يدخلها سجين. أما "ليمان طرة"، ففيه مستشفى على قدر كبير من التجهيز، مات زملاؤنا أمام أعيننا قبل أن يُسمَح لهم بالخروج إليه للعلاج، وتجد في استقبال طرة مسرحاً كبيراً للأنشطة الثقافية، ولكن ساحته خاوية على عروشها، فلا تعرف أنه مسرح، سوى من اسمه. في أثناء دخولك سجن المرج العمومي، تجد ملعباً أخضر لكرة القدم، يجاوره ملعب كرة سلة، دورهما الوحيد أن يصطف فيهما المساجين في عرض مسرحي لطيف، عند زيارات حقوق الإنسان، وبعد التقاط الصور ورحيل الضيوف، لا يلمسون أرضهما حتى الزيارة التالية.

عند زيارات وفود حقوق الإنسان، كان يتم استدعاء مساجين بعينهم بالاسم، تُوزَّع عليهم أدوارهم بالحرف، فأنت تقف هنا، وأنت تجلس هناك، وأنت تمد يدك لتأخذ العلاج، وأنتم تتظاهرون باللعب هنا، أما أنت فمفوّه قليلاً، لذا احفظ هذا الكلام بالنص، لتقوله أمام الكاميرا عند دخول المسؤول، واختيارك من وسط المسجونين للحديث -بالصدفة البحتة- ليستمع المتفرجون إلى خطبتك العصماء المنمّقة عن جمال السجن، وعشقك لخدماته، ومرافقه العالية الجودة والترفيه.

ذكريات طافت في عقلي كلها، وأنا أقرأ "تم التصوير بعد موافقة كافة النزلاء"، في مستهل الفيديو.

ظروف السجون غير الآدمية، ليست كلها بسبب غياب المرافق (وإن كان ذلك عاملاً كبيراً)، ولكن أصل المشكلة يكمن في عدم تطبيق اللوائح، وحقوق المسجونين المنصوص عليها في القانون

سجناء الرأي، حديث آخر

هذا كله حديث، وحديث سجناء الرأي في مقام آخر. فإنا، وإن سلّمنا جدلاً بحقيقة هذا المشهد الهزلي، لا ينبغي أن ننجرّ للاحتفاء بهذا، وننسى أن مكان سجناء الرأي الوحيد هو البيوت، لا الزنازين.

أعلم بكل حزن أن كثيرين منهم فاض بهم وبأهاليهم الدمع، وأن مجرد الانتقال إلى ظروف أفضل، صار مصدر أمل، بعد أن أضحى سقف طموحاتنا وطموحاتهم تحت الأقدام، لا فوق الرؤوس. لكن يجب أن نذكّر دوماً بأن السجن ليس مكانهم، وأن تحسين شروطه -المزعوم- لا يعني كونه واقعاً مقبولاً نرضى به ونحتفي.

إن كانت تلك الإجراءات تحمل أي شيء من الجدية، فنتمنى أن يتبعها انفراج كبير في هذا الملف خصيصاً، فيعود كل سجين رأي وسجينة، إلى دفء بيوتهم، وأحضان أهاليهم، بلا قيود وأغلال تحيط بالمعاصم والأقدام، وقضبان تحول بينهم وبين الأحباب، وتكبّلهم في مكانهم، يشاهدون الحياة تستمر، وتمضي مخلّفةً إياهم وراءها.

مرة أخرى، ندعو من قلوبنا أن يحدث تغيير حقيقي في منظومة السجون، تنتج تأثيراً ملموساً في حياة قاطنيها، وتمنحهم الحد الأدنى من حقوقهم الآدمية، ونظل نذكّر بأن سجناء الرأي، مهما كانت رفاهية سجنهم المزعومة، فهو مصطلح لن يحمل إلا معاني الخلل واللا منطق كلها، حتى يتم إلغاؤه بلا رجعة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard