"حاربوا كورونا وأوصلونا لكأس العالم"... حكايات تونسية مع "بركات" الأولياء

الأحد 7 يونيو 202005:02 م

"تونس ترابها سخون"، عبارة يتفق عليها معظم التونسيين، ويُقصد بها أن البلاد محروسة من قبل الأولياء الصالحين، الذين يتوزعون على كامل البلد تقريباً، ونجد من أشهر هؤلاء: سيدي بلحسن الشاذلي، الذي ينتصب مقامه فوق تلة مقبرة الجلاز، أكبر مقبرة في تونس، وكذلك سيدي محرز، أو سلطان المدينة كما يسمونه، ليس أقل شهرة منه، فمقامه وسط العاصمة لا يخلو من زيارات متعددة وذبح قرابين، خاصة في المناسبات الدينية، مثل المولد النبوي الشريف وعاشوراء.

والأولياء غيرهم كثر، منهم سيدي بوسعيد الباجي، الذي يقع ضريحه في مدينة سيدي بوسعيد السياحية المطلة على البحر، لذلك سمي بـ"رايس الأبحار"، إيماناً من البعض أنه يحمي البلاد من الجهة الساحلية، ونجد أيضاً سيدي بن عروس، سيدي إبراهيم الرياحي وسيدي علي بن عون، وللنساء أيضاً نصيب، حيث تعتبر السيدة المنوبية من بين أشهر الأولياء الصالحين/ات في تونس، حتى سميت محافظة منوبة، التي يقع فيها ضريحها، على اسمها.

بركاتك يا سيدي محرز

Posted by Marwan Azayez on Wednesday, 3 July 2019

تعددت أضرحتهم إلا أن الإيمان بهم واحد، فهم "البركة"، و"الحراس"، و"المخلص" حسب اعتقاد البعض، لا سيما كبار السن الذين حافظوا على زياراتهم المنتظمة لمقامات الأولياء، طلباً للشفاء أو حل المشاكل، وغيرها مما يعترضهم في حياتهم اليومية، اعتقاداً منهم بتأثير بركتهم.

تأثير الأولياء على المجتمع

حظي "الأولياء" بتأثير كبير على المجتمع والحكام، وقد لعبت زواياهم أو مقاماتهم، التي خلدت إلى اليوم بأسمائهم، دوراً هاماً في مراحل تاريخية سابقة، في مجالات التعليم والنصح والإرشاد، وكانت مأمناً للمقاومين زمن الاستعمار.

ولا يزال الناس في تونس، مثل دول عربية عديدة، يزورون تلك المقامات تبركاً بأصحابها، خاصة في المناسبات الدينية، حيث خصص لقبر كل منهم "مقام" أو "زاوية" كما يسمونها، وهو مقر يشبه المعبد، تذبح فيه القرابين، توزع الصدقات وتقام فيه الصلوات والأدعية، فهو في اعتقادهم خير وسيط بينهم وبين ربهم.

لا يقتصر التبرّك بالأولياء الصالحين على عامة الناس فقط، بل أن السياسيين لجؤوا إليهم في حملاتهم الانتخابية، فالكثير منهم بدأ حملته من مقاماتهم، فقد أطلق الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي، إشارة بداية حملته الانتخابية من مقام سيدي بلحسن الشاذلي سنة 2014، وثمّن أكثر من مرة قدرة أولياء تونس الخارقة على حراسة البلاد والعباد

بعد الثورة التونسية، ظهرت مجموعات دينية متشددة حُسبت على التيار السلفي، كفّرت زوار تلك الأضرحة، وشبهتهم بعبدة الأصنام، بل تعدى ذلك إلى هدمهم بعض المقامات وحرق بعضها، مثل سيدي بوسعيد الباجي، أشهر الأولياء في البلاد، ما أثار استنكار وسخط التونسيين.

ولا يسمح كثير من التونسيين، بحسب معتقداتهم التي توارثوها، بالتعدي على أوليائهم الصالحين معنوياً ولا مادياً، فهم يعتبرون أن لهؤلاء فضلاً كبيراً عليهم، وهم من يحرسهم من جميع الشرور، حتى أن نجاح الثورة التونسية، والخروج منها بأقل الأضرار البشرية، مقارنة ببقية دول الربيع العربي، أرجعه عديدون إلى بركة الأولياء، وحراستهم الدائمة للبلاد.

السياسيون يلجؤون للأولياء

ولا يقتصر التبرّك بالأولياء الصالحين على عامة الناس فقط، بل إن السياسيين لجؤوا إليهم في حملاتهم الانتخابية، فالكثير منهم بدأ حملته من مقاماتهم، فقد أطلق الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي، إشارة بداية حملته الانتخابية من مقام سيدي بلحسن الشاذلي سنة 2014، وثمّن أكثر من مرة قدرة أولياء تونس الخارقة على حراسة البلاد والعباد.

وظهرت رئيسة حزب الدستوري الحر، عبير موسي، في العام ذاته، في مقام الولي الصالح "سيدي المازري" وهي تنشد تبركاً به، وفي حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، زار المرشح الحائز على المركز الثاني نبيل القروي، أحد الأولياء الصالحين، وقد أحدثت صورته آنذاك ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مستنكر ومرحّب.

ولم يقتصر الإيمان بالقوى الخارقة للأولياء الصالحين في تونس على الساسة فقط، بل تعدى ذلك إلى رئيس أركان الجيش السابق، رشيد عمار، الذي قال في تصريح له: "تونس عندها أولياء يحمونها".

بين الجدية والتندر

طالما اقترنت أسماء الأولياء الصالحين في تونس بالفأل الحسن، وبأحداث كانت إيجابية في البلاد، فكل فوز للمنتخب التونسي في الرياضات المختلفة، يُرجع التونسيون الفضل فيه إلى سيدي محرز أو سيدي بلحسن الشاذلي، حتى أن جماهير الملاعب تردد أنشودة "بلحسن الشاذلي" الشهيرة، إيماناً منهم أن لوليهم الصالح يداً في فوز الفريق.

هكا انجموا نقولوا الطرح في الجيب ...

وصول سيدي محرز و سيدي بلحسن لموسكو

Posted by Abidi Aymen on Friday, 22 June 2018

وقد تندر رواد مواقع التواصل الاجتماعي في كأس العالم روسيا 2018، عندما ترشح المنتخب التونسي، وأرجعوا ذلك الفوز إلى دعوات الأولياء الصالحين، بل تعدى ذلك إلى تسمية كل هدف يسجل في مرمى الفريق المنافس باسم سيدي محرز أو سيدي بلحسن الشاذلي.

رسمي : كريستيان اتسو لاعب المنتخب الغاني يغادر _ تربص البلاك ستارز للاصابة ، ة سيدي محرز اكثر من هذا ما ينجم يعملنا شي??

Posted by GaSs Ilyes on Thursday, 4 July 2019

كتب أدمن أحد الصفحات على موقع فيسبوك: "تصورو نتعادلو مع بلجيكا وإنجلترا ونربحو بنما، ونترشحو، ونطيحو ضد بولندا، ويتضرب ليفاندوفسكي، ونربحوها بيلانتيات، وتجينا البرتغال، ونربحوها باحتراز، ونوصلو نصف النهائي، ونلعبو ضد ألمانيا، ونلعبو حضبة، وجوول، وبسيدي محرز، وسيدي منصور تجينا بلنتي في الدقيقة 89، و يمركيها مرياح، ونترشحو للفينال، ونلعبو ضد البرازيل، وياخذ نيمار حمرة، وفي الدقيقة 90 يخرج الخنيسي راس راس".

تعليقات التونسيين الساخرة حول دور الأولياء الصالحين في كبح فيروس كورونا، دفعت الدكتورة ريم عبد الملك، إلى توجيه دعوة عبر وسائل الإعلام إلى التونسيين، تقول فيها: "التزموا بتوصيات وزارة الصحة ...لا تعتمدوا على الولي"

ولم يقتصر التندر بأولياء الله الصالحين على نَسْب الأهداف لهم، بل تعدى ذلك إلى مساهمتهم في إصابات الفرق المنافسة أو عرقلتها، ففي يناير 2017 أصيب أبرز لاعبين في المنتخب البوركيني، قبل مواجهة المنتخب التونسي، وقد انهالت التعليقات الساخرة من قبل التونسيين على موقع فيسبوك، فعلق أحدهم: "الأولياء واقفين لتونس هههه".

وعلق محمد أمين: "زايد كيما قال رشيد عمار تونس ماتخافوش عليها، يحميوا فيها الأولياء الصالحين"، وكتب إلياس متهكماً: "رسمي: كريستيان اتسو لاعب المنتخب الغاني يغادر، تربص البلاك ستارز للإصابة، سيدي محرز أكثر من هذا ما ينجم يعملنا شي".

كل هذه التعليقات الساخرة تشير إلى الإيمان بدور الأولياء الصالحين في عرقلة كل ما من شأنه أن يسبب خسارة للمنتخب التونسي، على غرار إصابات الفرق المنافسة، أو العقوبات المسلطة على لاعبيهم، وقد وصل بهم الأمر إلى كتابة اسمي سيدي محرز وسيدي بلحسن الشاذلي، على قمصان الجماهير التي رافقت المنتخب في كأس العالم- روسيا 2018.

الأولياء وكورونا

لم تتوقف "بركات" سيدي محرز وسيدي بلحسن الشاذلي، وغيرهم من أولياء تونس الصالحين، على السياسة والأمن وكرة القدم بالنسبة للتونسيين، بل تعدت ذلك إلى جائحة كورونا، حيث تعتبر تونس من أقل الدول تضرراً من الفيروس من حيث عدد الوفيات والإصابات عامة، وقد حافظت على نسبة الصفر حالة منذ شهر تقريباً، فعلق تونسيون على الموضوع بتهكم، وأشاروا إلى فضل الأولياء الصالحين في ذلك، فكتب مكي عوني، صحفي في إذاعة خاصة: "كورونا 1 سيدي محرز 0 #كلاسيكو الأرض"، وكتب عماد شوشاني، طبيب، ساخراً: "فيروس كورونا في مواجهة سيدي محرز بمساعدة الصابون الأخضر".

تعليقات التونسيين الساخرة حول دور الأولياء الصالحين في كبح فيروس كورونا، دفعت الدكتورة ريم عبد الملك، إلى توجيه دعوة عبر وسائل الإعلام إلى التونسيين، تقول فيها: "التزموا بتوصيات وزارة الصحة ...لا تعتمدوا على الولي الصالح سيدي محرز".

يبدو أن ثقافة الإيمان بحراسة الأولياء الصالحين راسخة في الموروث الشعبي والروحي التونسي، حتى وإن قلّت زيارات الشباب لأضرحتهم، إلا أنهم لا ينسون ذكرهم، سواء جدياً أو تهكماً في المناسبات والأحداث اليومية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard