جميل السيّد والعقوبات الأمريكية... انتكاسة في حلم وراثة رئاسة مجلس النواب

الجمعة 29 أكتوبر 202107:17 م

في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على النائب جميل السيّد المقرب من حزب الله والنظام السوري، بسبب ممارسته ما قالت إنه فساد على نطاق واسع قوّض سيادة القانون في لبنان.

والسيّد، بحسب السلطات الأمريكية، "سعى إلى الالتفاف على السياسات والقوانين المصرفية الوطنية، وقد ساعده مسؤول حكومي رفيع المستوى على تحويل أكثر من 120 مليون دولار إلى استثمارات في الخارج".

المدير السابق للمديرية العامة للأمن العام كان، لمرحلة طويلة، رجل النظام السوري الأول في لبنان، يده الأمنية/ الحديدية التي لا تتردد في تنفيذ كُل ما يُطلب منها. هو رجل الأمن الدائم، منذ أن كان في الجيش اللبناني ومن ثم مديرية المخابرات. طبعه حاد، يحاول من خلاله أن يُظهر صلابته الأمنية والتي كانت أحد أسباب تقلّده منصب المدير العام للأمن العام في زمن رئيس الجمهورية السابق إميل لحود، العهد الذي اشتهر بممارسة القمع، وانتهى بسلسلة اغتيالات لأصحاب رأي يُخالفون ما يؤمن به السيّد ولحود، ومن خلفهما النظام السوري.

في مؤتمره الصحافي الذي عقده في مجلس النواب اللبناني رداً على العقوبات، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، لم يخرج السيّد عن طبعه. انتقى كلماته كالمعتاد، الأنا طغت على كل شيء إلى درجة أنه اعتدّ بمقارعته أمريكا، ومن قبلها الأمم المتحدة وكل الدول التي يعتبرها سبباً في سجنه لمدة أربع سنوات للاشتباه بضلوعه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.

"مَن لديه آلاف الشهود ليس بحاجة للدفاع عن نفسه"، قال. سرد تاريخه الذي يحرص على أن يُذكّر به دائماً، تاريخاً يعتبر أنه يثبت أنه مثال لرجل القانون والمؤسسات، فالرجل لا يعتبر أن القمع مشكلة أو أن استغلال الوظيفة والمنصب لكتم أصوات المخالفين لرأيه ورأي مَن يتبعهم يتعارض مع القانون، بل هو القانون بحد ذاته.

والسيّد في مؤتمره الذي استعاد فيه أمجاده الأمنية، نفى طبعاً أن يكون قد حوّل الأموال إلى الخارج، وتحدى السلطات الأمريكية أن تكشف عن معلوماتها وعن المسؤول الحكومي الذي ساعده في ذلك، وهو بذلك استفاد من تجربة زميله في الندوة البرلمانية جبران باسيل، الذي سبق أن قال تعليقاً على العقوبات التي صدرت بحقه منذ حوالي السنة: "عجيبة هي سياسة الدولة الأكبر في العالم، تطلق الاتهامات وتفرض العقوبات من دون امتلاك أي دليل". والسيّد يعلم مُسبقاً، كما كان يعلم باسيل، أن الإدارة الأمريكية لن تكشف ما بحوزتها من وثائق.

كان النائب عن دائرة بعلبك الهرمل متوتراً ومن الطبيعي أن يكون كذلك. هو انتكس عام 2005 وتبخرت أحلامه في السطوة والسلطة، وحين بدأ يشعر بأنه عاد كما كان وتخطى ما أصابه، أتته العقوبات.

وإنْ اعتبر أن هذه العقوبات لا تعنيه، وإنْ وضع نفسه في صورة مقارعة مَن يُسميه "الشيطان الأكبر"، فهذا لا يلغي أن أحلامه المستقبلية صارت مهددة، وبجدية.

عام 2018، ومن باب الانتخابات النيابية، بدأ جميل السيّد رحلة بناء أو إعادة بناء صورته، ولكن هذه المرة بارتداء عباءة السياسي من دون أن ينجح فعلياً ولا بأي شكل في نزع عباءة الأمن عن نفسه. استفاد من قُربه من حزب الله ليكون ورقته لإيصال رسائل سياسية متعددة، للحليف والخصم، معتقداً بأن لديه المساحة والوقت ليُعيد بناء الصورة. وهكذا فعل.

الأنا لدى جميل السيد تطغى على كُل شيء إلى درجة أنه اعتد بمقارعته أميركا، ومن قبلها الأمم المتحدة وكُل الدول التي يعتبرها سبباً في سجنه لمدة أربع سنوات

حين بدأت احتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تلقفها أكثر من غيره بمسافات، رأى فيها فرصة ليعود إلى ما يُحب أكثر من أي شيء: السلطة. تبنى خطاب مكافحة الفساد ونظّر له من موقع المتعفف من كُل ملفات الفساد التي غرق فيها السياسيون منذ ما بعد اتفاق الطائف. خطب بالناس من دون أن يكون بينهم طبعاً. استفاد من كُثر في ساحة الاحتجاج يتشاركون معه الخط السياسي نفسه، فاعتقد أن باعه يطول أكثر. هو كان كذلك بالفعل.

حرص خلال تلك الفترة على تحييد حزب الله. تحدث عن الفاسدين بالعموم وردد شعارات يعرف أنها لن ترتد عليه مع مَن أوصله أو أعاد إنتاجه. يقول في إحدى تغريداته وهو الذي انضم مؤخراً إلى نادي السياسيين الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي: "كلُّنْ يعني كِلُّنْ، شعار أطلقه بعض الخبثاء في انتفاضة 17 تشرين وتبنّاه الكثير من البسطاء!". في مناسبة أخرى، يقول: "باختصار، رئاسة الجمهورية بلا صلاحيات ولا معنى لها، المجلس النيابي يحكمه ٤-٥ زعماء ولا معنى له، وزراء الحكومة يصنعهم الزعماء ولا معنى لهم، معظم كبار القضاة والضباط والمدراء والإدارات والمؤسسات أزلام الزعماء ولا معنى لهم، ومعظم الناس أتباع الزعماء والطوائف، فعَن أيّ دولة تتحدّثون؟!".

ولكن علاقة السيّد بانتفاضة تشرين لم تسر دائماً على هواه، بسبب طبعه. فـ"رجل القانون" أظهر وجهه العسكري في الثالث من حزيران/ يونيو 2020 حينما قال إن "مَن يأتي أمام منزل أي أحد، أنا أقول لكم من الآن، حتى لو لم يكن لديك حراسة، وأنا مسؤول عن كلامي، أطلق عليه النار من النافذة، إذا كان أفراد عائلتك في البيت، وتفوه بكلام خارج الطريق. هذه ليست ثورة"، في هجومه على المعارضين الذين راحوا يتوجهون إلى منازل السياسيين ويرددون هتافات معارضة لهم.

وهو يتحدث في مجلس النواب، حاول جميل السيّد أن يترفع عن أن يكون في موقع الدفاع عن نفسه، لكنّه كان متوتراً. توتره لا ينبع من تهمة فساد. هذه التهمة في بلد مثل لبنان تُنسى بسهولة. توتره كان ينبع من إدراكه بأن حلمه "الرئاسي" تلقى نكسة قوية

هو نفسه، حين سنحت له الفرصة في أن ينضم إلى هؤلاء السلطويين لم يتردد في أن يكون له دور في تزكية حسان دياب ليكون رئيساً للحكومة. هو نفسه أيضاً أوصل محمد فهمي ليكون وزير داخلية. وضع مَن ينوب عنه ويضرب بيده وترك لنفسه مسافة، أو ترك لنفسه لقب المعارض وملعباً واسعاً ليبتعد عن "السلطوين" حين يريد، ويقترب منهم حيناً آخر.

فوق كُل ذلك، ومن ضمن تظهير صورته السياسية، المحايدة، يُمرر رسائل لحزب الله من دون أن يصل إلى حد الانتقاد. يعتقد أنه أتقن اللعبة الإعلامية جيداً، فيقول مثلاً: "حزب الله مسلّم كل شي بالدولة لرئيس مجلس النواب نبيه بري"، ليتمايز قليلاً، ثُم يُكمل في الحديث نفسه: "وحزب الله واقع بين ابتزاز الحليف والخصم وهو ليس بحاجة للفساد لتمويل كينونته السياسية وهو لا يملك أدوات منع الفساد في الدولة".

في عز نشوة 17 تشرين وتبعاتها، لم يفت السيّد أن معركته لوراثة نبيه بري ستكون صعبة. فالمدير العام للأمن العام الحالي عباس إبراهيم هو فعلياً الأقرب إلى المنصب الدستوري الأعلى للطائفة الشيعية، والأخير يؤمّن لحزب الله استمرار مصالحه أكثر مما يفعل السيّد. الرجل عرف كيف ينسج علاقات محلية وإقليمية تُساعده في أن يكون المُفضّل لكي يجلس على مقعد يحتكره بري منذ ما يقارب 30 سنة. في كُل الأحوال هو مفيد لحزب الله المحاصر دولياً أكثر بكثير من السيّد، الذي التحق بعد العقوبات بالفريق "المحاصر".

استفاد السيّد من 17 تشرين ليبني حوله هالة "محارب الفساد". استفاد أكثر لأنه اعتبرها فرصة ليخوض معركة أولى وأخيرة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان في مرمى المحتجين حتى من داخل بيئته الشيعية، في بداية الاحتجاجات، قبل أن تتقلص لاحقاً. كان يُبقي عيناً على محاربة برّي وأخرى تُراقب منافسه الصاعد سريعاً، عباس إبراهيم.

توتر جميل السيّد الدائم يكبر شيئاً فشيئاً. هو يرتقي ويبدأ بالحلم ولكن ما يلبث أن يعود إلى الواقع. آماله بأن يكون رجل حزب الله الأول في السلطة كما كان رجل النظام السوري الأول في لبنان تبقى معلّقة وستبقى كذلك على ما يبدو. في النهاية الحزب يبحث عن مصلحته وهي بالتأكيد ليست مع السيّد. قد تتقاطع مصالحهما في معركة إعلامية أو في انتخابات محلية أو في مناكفة سياسية لا يريد أن يكون حزب الله الواجهة فيها، ولكنها لا تصل ليكون هو رجلهم الموثوق في كرسي رئاسة السلطة التشريعية.

وهو يتحدث في مجلس النواب، لم يكن جميل السيّد مهتماً كثيراً بالدفاع عن نفسه، أو بالأحرى حاول أن يترفع عن أن يكون في هذا الموقع لكنّه كان متوتراً. توتره لا ينبع من تهمة فساد، هذه التهم في بلد مثل لبنان غالباً ما تُنسى. توتره كان ينبع من إدراكه بأن حلمه "الرئاسي" تلقى نكسة جديدة، أقوى من كل ما سبق.

في هذا الوقت، يجلس نبيه بري في عين التينة، مُبتسماً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard