"البارميطات"... ساقيات الحانات المغربيات يعانين بصمت

الأربعاء 13 أكتوبر 202104:30 م
Read in English:

“Barmitahs” - Morocco’s Silent Barmaids

تُسْرِعُ في تلقّي طلبات الزبائن، والابتسامة لا تفارق محياها. حسّ الدعابة الذي يطبع شخصيتها، لا يميّز بين من سيتقبل المزاح من الزبائن، ومن قد يفتعل مشكلات قد تؤدي إلى عنف لفظي، تحت وطأة الكحول.

اختارت استعمال اسم مستعار قبل أن تسرّ لنا بما تخفيه وراء الغبطة شبه المصطنعة، من معاناة، منذ انطلاق أزمة كورونا. سلمى، كما أحبّت أن تلقّب نفسها، أم وزوجة في الرابعة والثلاثين من عمرها، تعمل كـ"بارميطة"، أي نادلة في إحدى حانات الرباط الليلية، قضت فيها ما يزيد عن ست سنوات، من أصل 13 سنة، تنقلت خلالها بين حانات العاصمة.

كورونا غيّرت الكثير

لا تبدو الحانة شبه مكتظة، كما كانت عليه قبل كورونا، لكن الوضع مطمئن بعض الشيء، بالنسبة إلى سلمى ونظيراتها حسب تعبيرها، "على الأقل باب رزقنا ما مسدودش. نص لْكْلِيَان أحسن من والو. ولينا طالبين غير للتعادل" (على الأقل باب رزقنا ليس مغلقاً. أن يسمح لنا باستقبال نصف الزبائن أحسن بكثير من الإغلاق الشامل. نحن راضيات بهذا).

غيّرت جائحة كورونا بلا شك منظور الكثيرين من الناس إلى الحياة، ومن كان يطمح إلى المزيد، أصبح ينظر إلى ما بين يديه، ويقدّره، وهو حال سلمى التي عانت الأمرّين، كما تروي، طوال سنة الإغلاق التي فرضتها الحكومة المغربية كتدبير احترازي لمواجهة الفيروس. تقول: "عشت أنا وزوجي الذي يعمل صبّاغاً، على أعصابنا، وكلانا توقفنا عن العمل، فمعظم الأنشطة ممنوعة بقوة القانون. من كان سيستدعيه لطلاء بيته، والفيروس في ذروته".

"لم أكن سعيدة في عملي في الحانة، ولست سعيدة بالتوقف عنه. أفضّل أن أكون غير سعيدة". ساقيات المغرب يعانين في صمت

لا تعيل الشابة أسرتها الصغيرة فحسب، بل تُعد المعيل الوحيد لوالديها الطاعنين في السن، وحاجتهما من الأدوية تثقل كاهلها في الأيام العادية، وأصبحت شبه قاتلة في تلك الأيام الاستثنائية. لكنها لم تيأس، واستعانت بطلب الدعم الذي تقدّم به زوجها، كغيره من المغاربة المعوزين الذين حصلوا على دعم حكومي، وأضافت إليه بعضاً من مدخرات سنوات سابقة، ولأنها كانت واعية بحقيقة أن الأمر سيستمر لشهور طويلة، فقد استثمرت معرفتها في مجال المأكولات المنزلية الخفيفة، وأصبحت توزعها على معارفها وأقاربها، إلى أن كونت دائرة زبائن أوفياء لا بأس بهم. لكن واقع الحانات مضنٍ، ولو بعد كورونا.

وإن كان زوجها في ما مضى، يحثّها دوماً على استبدال عملها بأي عمل آخر، أريح وأقل خطورة، فهو اليوم يثني ليل نهار عليها، لأنها لم تأخذ بنصيحته كما تقول: "كانت أمنية زوجي الوحيدة أن أترك العمل في الحانة. وعندما توقفنا عن العمل، استوعب قيمة تلك الأموال التي كنت أجنيها، فمن دونها كنا سنهلك من الجوع".

نصف رغيف أفضل من الجوع

العمل في الليل لساعات طوال، في خدمة رجال ليسوا بكامل وعيهم، مهنة اعتادت سلمى على تبعاتها، لكنها الآن أصبحت تشعر بأن عالم الحانات كان أرحم من صدمة الوباء.

ليس بعيداً عن مكان شغل سلمى حيث توجد الكثير من النوادي الليلية، وفي منطقة تُعد مركز العاصمة الإدارية، رتبنا لقاءنا مع ليلى التي قارب عمرها الثلاثين. إذا ما استثنينا سنة الإغلاق الشامل، فستكمل ليلى قريباً عامها الثالث في مهنة النادلة في حانة، بعد أن تخلت عن مهنة النادلة في المقاهي، التي لم تكن تسد حاجتها من الطعام والكراء.

تعيش ليلى، ابنة مدينة فاس، في شقة صغيرة استأجرتها في مدينة سلا المجاورة للرباط، برفقة أختها التي التحقت بها قبل سنتين، للدراسة في الجامعة، وتُعد المعيل الوحيد لها بعد أن حصل والدها على التقاعد، بمعاش شهري هزيل، بالكاد يغطي مصاريف الكراء، فتضطر إلى أن توفّر بعض المال من شهريتها، لتساعده على تسديد الفواتير. تقول: "كنت أتمنى أن أتم دراستي، لكن ظروفنا لم تكن مساعدة أبداً، لذلك أحاول أن أضمن مسيرة دراسية جيدة لأختي، لكيلا ينتهي بها المطاف بين أناس نواياهم غير معروفة".

عدم امتنانها من عملها يبدو جلياً في نبرة صوتها، وإن لم تفصح عنه بشكل صريح. ليلى تركت العمل في المقهى، واختارت طريقاً أكثر وعورة، لأن الحياة لم تترك لها خياراً، كما تعترف: "بغض النظر عن المواقف المقيتة، والتحرش الذي كنت أتعرض له في أثناء عملي في المقاهي، لكنني كنت أشعر بنوع من الأمان، لا أدري ما مصدره، ربما ضوء الشمس، وتصرفات الزبون لا يمكن أن تتعدى الكلام، في وضح النهار، وعلى مرأى من الجميع".

"انخفضت مداخيلي كنادلة في حانة بثلاثين بالمئة، مع عام كامل من التوقف عن العمل. لكن لا بأس، سأجد صيغة لدفع ما عليّ من ديون".  "بارميطات" المغرب يعانين من تداعيات كورونا

لم يشعرها الليل بالأمان أبداً، ومنذ أن بدأت بالعمل في هذا الوسط، لم يعد خفقان قلبها منتظماً، كما حكت لنا، وكلما حاولت ضبط أعصابها، تتذكر بأنها وسط رجال بعقليات ذكورية، في مكان مغلق، لهم سلطة عليها، ولهم المال لتوسيع سلطتهم تلك، وتبرير كل تصرف يبدر منهم. كان راتب ليلى يتراوح بين 170 و230 دولاراً سابقاً، والآن تتقاضى الضعف، يضاف إليه "بقشيش" الزبائن. تدفع منه الإيجار، وتقتني لوازم البيت، وتبعث لأسرتها في فاس، وإن تبقّى شيء، فتدّخره للأوقات العصيبة. تقول: "تربيت في وسط يؤمن بأن المصائب تأتي تباعاً، لذلك يجب أن تدّخر لها المال. لكن لم أتوقع يوماً أنه سيُفرَض علينا التزام المنزل قرابة السنة، من دون عمل، أو مدخول، بسبب جائحة لا ندري متى ستنتهي".

في شهر أيار/ مايو، أي بعد شهرين من الحظر الشامل، أدركت ليلى أنها لن تستطيع دفع الإيجار، وتاريخ إعادة فتح الملهى الليلي غير واضح، لذا قررت حزم أمتعتها، والعودة إلى فاس. تستطرد: "لم أكن سعيدة في عملي، ولست سعيدة بالتوقف عنه. أفضّل أن أكون غير سعيدة، لكن في جيبي المال. لم يعد ما أشعر به مهماً، خاصةً حين أفكر في أن خمسة أفواه تنتظر من يطعمها طوال سنة، أو سنتين، أو أكثر. لم أكن أدري إلى متى سأظل بلا عمل".

كانت هذه السنة، الأصعب بالنسبة إلى ليلى، والديون التي راكمتها، دفعتها إلى طرق أبواب عدد من العائلات للعمل كمنظّفة بيوت، من دون جدوى. فالكل يرتعب من خطر الإصابة بفيروس كورونا. ظلت الأمور على حالها، إلى أن أُعلن عن خبر إعادة افتتاح الحانات، بنصف طاقتها الاستيعابية للزبائن. هو يوم تعدّه ليلى بمثابة عيد لم تستطعم فرحته منذ الطفولة، فلم تنتظر اتصال رب العمل بها، وبادرت إلى مهاتفته، وشعور الخوف مسيطر عليها من أن يتم الاستغناء عن خدماتها، بحجة الأزمة المالية بسبب الإغلاق. لكن الحظ حالفها هذه المرة، وعادت إلى الرباط. تقول: "انخفضت مداخيلي بنسبة ثلاثين بالمئة، لكن لا بأس، سأجد صيغة لتدبير مصاريفي، ودفع ما عليّ من ديون. رجائي فقط من الله أن يرفع عنا الوباء، لأنني لن أتحمل إغلاقاً أخر".

مهنة نادلات الحانات لا يؤطرها أي قانون، على الرغم من المخاطر المحدقة بهن، و"مواثيقها الأخلاقية" تظل تحت رحمة رب العمل الذي قد يغيّرها لدواع معينة. هذه المرة، كانت كورونا العذر الوحيد لأصحاب النوادي الليلية، للّعب بأقدار الكثيرات من الساقيات، واستغلال عجزهن، واستنزاف صحتهن النفسية، في سبيل تعويض ثرواتهم الضائعة في أثناء الحظر.

فهل يشهد المغرب يوماً إصدار قانون يعترف بخصوصية هذه المهنة، ويحمي ممارساتها، وممارسيها، في الظروف كلها؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard