جنرالات السودان يتحالفون مع إسرائيل لمواجهة المدنيين

الثلاثاء 12 أكتوبر 202103:25 م

استيقظ السودانيون، يوم الجمعة الماضي، على وقع أنباء تُفيد بوصول وفد أمني رفيع المستوى، بقيادة القائد الثاني لقوات الدعم السريع، وعضو مجلس شركاء الفترة الانتقالية، عبد الرحيم دقلو، إلى إسرائيل، في زيارة استغرقت يومين.

وعلى الرغم من مرور أيام على نشر الخبر في الصحف السودانية والإسرائيلية، إلا أن المعلومات عن الزيارة ما تزال شحيحة، ولا تعدو كونها تكهنات، وتحليلات، تصدر من هنا، أو هناك.

 لم تصدر ردود فعل رسمية من الحكومة السودانية، بشقَّيها العسكري أو المدني، في شأن الزيارة، وما جرى كله، هو تسريب آخر، عن حالة من الغضب قيل إنها اعترت وزيرة الخارجية، مريم الصادق المهدي، كون الزيارة جرت من دون علمها، ما عدّته تجاوزاً وتخطّياً لصلاحياتها.

وتنتمي المهدي إلى حزب الأمة القومي الذي يعارض التطبيع مع إسرائيل.

عجلة إسرائيلية

يعتقد المحلل السياسي المختص بالعلاقات الخارجية، نجم الدين الرازي، أن الزيارة جرت في الغالب الأعم، بطلبٍ من الجانب الإسرائيلي الذي لا يخفي ضجره من بطء تحركات السودان في ملف التطبيع.

ترغب إسرائيل في إنهاء ملف السودان الذي يمثّل أولوية في تل أبيب، من دون انتظارٍ لما ستسفر عنه المشاورات الداخلية السودانية، ليتسنى للدولة العبرية التوجه نحو أهداف خارجية جديدة

وكان السودان قد أعلن على نحو مفاجئ، في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، عن تطبيع علاقاته مع إسرائيل، وتوقيع اتفاق سلام بين الطرفين، يُنهي عقوداً من التوتر الذي وصل إلى ذروته في حقبة الرئيس المعزول عمر البشير، بضرب الطائرات الإسرائيلية، مرات عدة، أهدافاً داخل العمق السوداني.

يقول الرازي لرصيف22، إن السودان، وعلى الرغم من إبرامه للاتفاقيات الإبراهيمية مطلع العام الجاري، وهو الاتفاق في شأن تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل، إلا أنه لم يتحرك بعدها في ملف التطبيع، أسوة بالإمارات والبحرين اللتين بدأتا معه السير في هذا الطريق في الفترة نفسها تقريباً، وكلتاهما قطعتا شوطاً مقدّراً وصل إلى تبادل الزيارات الرسمية والشعبية.

ويكرر رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، في المناسبات كافة، أن مسألة التطبيع مع إسرائيل تحتاج إلى تصويت من أعضاء المجلس التشريعي الذي تجري صراعات كبيرة حول قيامه، على الرغم من أن الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية (آب/ أغسطس 2019)، نصت على تشكيله بعد ثلاثة أشهر فقط من التوقيع.

وعليه -والكلام لا يزال للرازي- ترغب إسرائيل في إنهاء ملف السودان الذي يمثّل أولوية في تل أبيب، من دون انتظارٍ لما ستسفر عنه المشاورات الداخلية السودانية، ليتسنى للدولة العبرية التوجه نحو أهداف خارجية جديدة.

وأكد أن إسرائيل، في سبيل تحقيق هذا الهدف، لن تتورع عن فرض سياسة الأمر الواقع على السودانيين، بالتواصل مع العسكر، وهم فصيل رئيس في الحكم، وأشد ميلاً إلى خلق علاقة بين الجانبين، خلافاً للمدنيين الذين ما يزال بعضهم رافضين للتطبيع، أو لا يرون فوائد منه.

"المكوّن العسكري الذي يخوض صراعاً مع المكوّن المدني، في شأن رئاسة مجلس السيادة الانتقالي حالياً، يرغب في موازنة كفته الخارجية، بضم حلفاء مؤثرين في مقابل المساندة الكبيرة التي يتلقاها المدنيون من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية"

ويضيف الرازي أن صمود السودان في موقف الممانعة عقوداً طويلة، وتزيين جوازات السفر لمواطنيه، إلى وقت قريب، بعبارة "كل الدول عدا إسرائيل"، يزيد الإصرار في تل أبيب بأهمية ضمّه إلى المطبِّعين، على أمل أن يسهم ذلك في تسريع وتيرة ركوب بقية الدول العربية والإسلامية في القطار نفسه، لا سيما وأن الكثير من هذه الدول تتبنى مواقف أقل حدة من الخرطوم التي ظلت وفية للاءاتها الثلاث، قرابة 55 عاماً. 

وعقب نكسة 1967، عُقدت قمة عربية في الخرطوم بين الرئيس جمال عبد الناصر، والملك فيصل بن عبد العزيز، والزعيم إسماعيل الأزهري، انتهت بالتوقيع على اتفاق نصه: "لا صلح، ولا تفاوض، ولا اعترف بالعدو الصهيوني".

رسالة موجهة إلى الداخل السوداني

يشدد القيادي عن حزب البعث العربي الاشتراكي، أحد مكونات الائتلاف الحاكم، محمد نور الدين، على أن زيارة شقيق حميدتي، إنما هي رسالة موجهة إلى الداخل السوداني.

يقول نور الدين، لرصيف22، إن المكوّن العسكري الذي يخوض صراعاً مع المكوّن المدني، في شأن رئاسة مجلس السيادة الانتقالي حالياً، يرغب في موازنة كفته الخارجية، بضم حلفاء مؤثرين في مقابل المساندة الكبيرة التي يتلقاها المدنيون من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

وأعلنت واشنطن، ودول الترويكا، عن رفضها القاطع والتام للمحاولات الانقلابية التي تستهدف إعادة الحكم العسكري إلى السودان، كما ظلت تؤكد على أهمية ولاية المدنيين خلال الفترة الانتقالية.

ويقول نور الدين إن المكوّن العسكري، طبقاً للتسريبات، طلب من تل أبيب صراحةً، العمل على تليين موقف الولايات المتحدة إزاء العسكريين، وهو الأمر الذي لاقى رفضاً من الجانب الإسرائيلي.

أما مخاوف نور الدين من الزيارة، فتتجلى في حديثه عن إمكانية أن تكون الزيارة قد تطرقت إلى تقديم دعم عسكري ولوجيستي لقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان "حميدتي"، وهو أمر يراه يسهم في إضعاف الجيش الوطني، لصالح فصيل عسكري، كما يقدّم رسائل سلبية للسودانيين، بتقوية ميليشيا يُعتقَد أنها متورطة في مجزرة القيادة العامة، وجرائم دارفور.

بغضّ الطرف عن أسباب الزيارة، إلا أن سرّيتها، وإنجازها بمنأى عن المكوّن المدني، يعكسان نوايا العسكر، وأطماعهم في السيطرة على مقاليد الحكم في السودان. فبعد تحركاتهم المزعجة في الداخل، ها هم الآن يلعبون كارت الخارج، وإن كان الخارج هذا هو إسرائيل

زيارة اعتيادية

بوضع الأمر في سياقاته العسكرية، يصف الخبير الأمني والعسكري، اللواء مجذوب أحمد الياس، الزيارة بالاعتيادية، لا سيما وقد سبقتها زيارات وفود عسكرية إسرائيلية إلى العاصمة الخرطوم.

ويلفت اللواء إلى أن نظرة على مكونات الوفد الذي ضم مدير منظومة الصناعات الدفاعية الفريق ميرغني إدريس، تقدّم دليلاً ملموساً على أن الأمر لا يعدو كونه مسعى لتطوير العمل الأمني والعسكري المشترك، إذ تفقّد وزير الاستخبارات الإسرائيلي السابق إيلي كوهين، في أثناء زيارته الخرطوم، مقر منظومة الصناعات الدفاعية.

ولا يستبعد الياس أن يكون الوفد قد قدّم شروحات للجانب الإسرائيلي، عن موضوع الخلايا الإرهابية التي ضُبطت مؤخراً في الخرطوم، بالإضافة إلى إطلاعهم على الأوضاع في ولاية البحر الأحمر، حيث تراهن إسرائيل على تقليص مخاطر تهريب السلاح إلى الفصائل الفلسطينية، وحزب الله اللبناني. 

ويغلق كيان قبلي (مجلس البجا والعموديات المستقلة) الإقليم الشرقي، بما في ذلك موانئ البلاد الرئيسة على البحر الأحمر، احتجاجاً على توقيع ملحق خاص بالإقليم، في اتفاق السلام الموقَّع بين الحكومة والفصائل المسلحة في جوبا 2020.

بغضّ الطرف عن أسباب الزيارة، إلا أن سرّيتها، وإنجازها بمنأى عن المكوّن المدني، يعكسان نوايا العسكر، وأطماعهم في السيطرة على مقاليد الحكم في السودان. فبعد تحركاتهم المزعجة في الداخل، ها هم الآن يلعبون كارت الخارج، وإن كان الخارج هذا هو إسرائيل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard