من يأكل خبز الرئيس؟… البحث عن "سارق" بطاقة السيسي التموينية

الأربعاء 20 أكتوبر 202106:37 م

 أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي أنه اكتشف وجود بطاقة تموينية باسمه، يقوم أحد الأشخاص في محافة المنيا بصرف المواد التموينية بموجبها. هذا الإعلان أطلق موجة من التساؤلات، إذ شكك متابعون كثر في إمكانية تحقق ما أعلنه الرئيس، خاصة أن الدولة أعلنت مراراً عن "مراجعة" البطاقات التموينية وألغت 10 ملايين بطاقة تموينية على الأقل، حرم بموجبها عشرات الملايين من المواطنين من الدعم الغذائي المقدم من الدولة.

تصريحات الرئيس جاءت خلال افتتاحه عدداً من المشروعات الإسكانية في محافظة الجيزة السبت 16 أكتوبر/ تشرين الأول، وقال السيسي في معرض انتقاده تأخر الانتهاء من "رقمنة الدولة" إن مواطناً يصرف مقررات تموينية بمحافظة المنيا (جنوب مصر) ببطاقة تحمل الرقم القومي للرئيس نفسه، ولم يكتشف ذلك إلا بمراجعة البيانات إلكترونياً.


وقال الرئيس إن "عدم رقمنة الدولة [...] خلانا مش شايفين كويس، بياناتنا مش واضحة، فحصل استقرار لواقع غير دقيق، وبه الكثير من الفساد".

تعليق السيسي على الأمر فتح باباً لأسئلة أكبر حول كيف تزوّر بطاقة مرتبطة برقم قومي يعتبر مثل بصمة أحادية غير قابلة للتكرار، خاصة أنها باسم رئيس الجمهورية، وكيف وصل مواطن عادي للرقم القومي للرئيس، قبل أن يتجرأ على استخدامه في صرف مقررات تموينية.

كيف تزوّر بطاقة مرتبطة برقم قومي يعتبر مثل بصمة أحادية غير قابلة للتكرار؟ وكيف وصل مواطن عادي للرقم القومي للرئيس، قبل أن يتجرأ على استخدامه في صرف مقررات تموينية؟

بطاقة علنية للرئيس

تصريح رئيس الجمهورية أكده بيان رسمي لوزارة التموين والتجارة الداخلية نشر عبر صفحتها الرسمية علي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، جاء فيه أن البطاقة ألغيت منذ أن بدأت الوزارة وهيئة الرقابة الإدارية في ملف تنقية البطاقات، وكان من ظواهر التلاعب التي تم رصدها والتعامل معها وجود أرقام قومية صحيحة ولكن ليست لأحد افراد العائلة".

وأضاف البيان: "باكتشاف وجود بطاقة تموين باسم الرئيس ورقمه القومي بمحافظة المنيا، ألغيت البطاقة في حينه" .

إذاً، كيف وصل الرقم القومي لرئيس الجمهورية إلى يد مواطن عادى؟

في مارس/ أذار 2014 نشرت جريدة اليوم السابع المصرية خبراً قالت إنه حصري بصورة بطاقة الرقم القومي للمرشح الرئاسي، آنذاك، عبد الفتاح السيسي في زي مدني، بعد أن أعلن نيته الترشح لأنتخابات رئاسة الجمهورية والتخلي عن منصبه كوزير للدفاع.

الخبر جاء مصحوباً بصورة واضحة لاسم الرئيس وكامل الأرقام المكونة لهويته الرقمية المعروفة باسم الرقم القومي، ولم يظهر وقتها أي تعليق رسمي من وزارة الداخلية المسؤولة عن إصدار البطاقات أو وزارة الدفاع التي كان يترأسها السيسي تتأكد من خلاله صحة البيانات المنشورة أو خطئها.   

حاول رصيف22 إدخال الرقم القومي المنشور في صورة بطاقة رئيس الجمهورية المنشورة في صحيفة اليوم السابع المملوكة لاحد الأجهزة السيادية في الدولة، في موقع  دعم مصر المخصص لاستكمال بيانات الحصول على بطاقات التموين، وظهرت رسالة تقول إن هذا الرقم غير مسجل في البيانات الرسمية.


 وقال علي المصيلحي وزير التموين في بيان: "تتم مراجعة البطاقات التموينية بشكل دوري وفي حالة وجود أي نوع من الأخطاء يتم اتخاذ اللازم، ومنذ نهاية عام 2020 بدأت تنقية قاعدة البيانات وربطها مع قواعد بيانات الوزارات". أي أن الرقم المعلن باعتباره الرقم القومي للرئيس غير مسجل كذلك في بيانات وزارة الداخلية.

حاول رصيف22 إدخال الرقم القومي المنشور في صورة بطاقة رئيس الجمهورية التي يعتقد أن التزوير جرى بموجبها، في موقع  دعم مصر المخصص لاستكمال بيانات الحصول على بطاقات التموين، وظهرت رسالة تقول إن هذا الرقم غير مسجل في البيانات الرسمية.

ونقلت صحيفة الأهرام المصرية عن وزير التموين قوله: "من المعروف أن ضباط القوات المسلحة لا يصدر لهم بطاقات تموينية ولكن ‘مافيا التلاعب بالبطاقات التموينية’ تتلاعب بأسماء عدد كبير من المشاهير، كان بينهم الرئيس السيسي. وخلال تنقية البيانات وجدت البطاقات التي لا تستحق الدعم  وأشخاص متوفين، لذلك نطابق البيانات مع مركز نظم المعلومات والرقابة الإدارية والإنتاج الحربي ووزارة الاتصالات".

ووفق أرقام سابقة لوزارة التموين المصرية، يستفيد نحو 71 مليون مواطن من 21 مليون بطاقة تموينية.

وبطاقة التموين هي بطاقة رقمية تصدرها وزارة التضامن الاجتماعي (التموين والشؤون الاجتماعية سابقاً) لصالح المواطنين الذين تعتبرهم الدولة مستحقين الدعم الغذائي، ويحصل بموجبها الحائزون على الخبز بسعر مدعم بحد أقصى خمسة أرغفة يومياً، تراجع الدولة حالياً تخفيضها إلى ثلاثة مع خفض الدعم المقدم برفع سعر الرغيف من خمسة قروش إلى سعر لم يُحدد بعد. كما يحصل الفرد الواحد بموجب البطاقة على سلع أساسية (سكر- زيت - أرز) بسعر 50 جنيهاً (نحو 3.5 دولار) شهرياً. 

من يأكل خبز الرئيس؟

حذرت وزارة التموين في مايو/ أيار الماضي من التلاعب في بيانات تسجيل البطاقات التموينية، ووعدت بإحالة المتلاعبين إلى القضاء. ويتصدر موقع تسجيل البيانات إعلان مفاده أن أي خطأ في الرقم القومي للبطاقة أو بيانات أي فرد من العائلة يتحمله رب الأسرة.

  وبرغم العقوبات المعلنة ضد المتلاعبين في بيانات البطاقات لم تعلن وزارة الداخلية أو مديرية الأمن بمحافظة المنيا القبض على المواطن الذي استخدم بطاقة الرئيس، كما لم توضح وزارة التموين أن الخطأ هو مجرد تشابه الأسماء حتى الاسم الثالث أو الرابع مثلاً، مما تسبب في الخطأ.

برغم العقوبات المعلنة ضد المتلاعبين في بيانات البطاقات لم تعلن وزارة الداخلية أو مديرية الأمن بمحافظة المنيا القبض على ذلك المواطن الذي استخدم بطاقة الرئيس ولا الموظف المسؤول

ونقل موقع مصراوي عن مصدر لم يذكره من مديرية التموين والتجارة الداخلية في محافظة المنيا، أن القصة حصلت بسبب خطأ غير مقصود ارتكبته موظفة إدخال بيانات المستفيدين من الخدمات التموينية داخل إحدى الإدارات التموينية، إذ سجّلت اسم المواطن بطريقة سليمة، ثم بخطأ غير مقصود جرى إدخال الرقم القومي الخاص بالرئيس عبدالفتاح السيسي إلى بطاقة المواطن.


يذكر أنه لاستصدار البطاقات التموينية، يشترط تقديم صور بطاقات وشهادات الميلاد المسجلة بالرقم القومي لجميع أفراد الأسرة المستفيدين من الدعم التمويني. وبخاصة رب الأسرة أو المستفيد الرئيسي الذي تصدر باسمه البطاقة. ما يعني أن البطاقة الصادرة تحوي إلى جانب اسم المستفيد (في هذه الحالة الرئيس عبدالفتاح السيسي)، ورقمه القومي معاً.

 رئيس الجمهورية تحدث سابقاً عن ضرورة رفع ثمن الخبز المدعوم لتوفير الأموال اللازمة لمنظومة التغذية المخصصة للمدارس، والتي تبلغ قيمتها ثمانية مليارات جنيه. وقال إنه لم يعد مقبولاً أن يتساوى سعر 20 رغيفاً بثمن سيجارة واحدة، وإنه حان وقت التفكير في رفع الدعم ولو جزئياً عن الخبز، وعلى المصريين أن يساهموا في تحمل الأعباء الاقتصادية التي تواجهها الدولة، وأن الحكومة لن تتحمل وحدها فاتورة دعم السلع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard