إلغاء وزارة حقوق الإنسان المغربية... ردة حقوقية أم إصلاح عطب دستوري؟

الثلاثاء 19 أكتوبر 202101:40 م

غابت وزارة الدولة المكلّفة بحقوق الإنسان، والعلاقات مع البرلمان، التي كان يرأسها القيادي في حزب العدالة والتنمية المغربي، مصطفى الرميد، عن تركيبة الحكومة المغربية الجديدة.

وقد شكّل هذا الغياب الحدث الأبرز في الوسط الحقوقي، إذ تفاجأ ناشطون بحذف الوزارة، ما أفرز انتقادات واسعة، فضلاً عن علامات استفهام عن دواعي القرار.

بين من يرى أن إلغاء وزارة حقوق الإنسان المغربية نكوص عن مكاسب حقوقية، ومن يرى أن القرار تصحيح لمسار دستوري، تتزايد المخاوف من وضع الحقوق في المملكة

وذهب البعض إلى عدّ حذفها تراجعاً حقوقياً آخر، في ظل النكوص الحقوقي الذي يعرفه المغرب، مع تراجع مؤشر حرية التعبير، والاحتجاج، والتظاهر، السلميين، والتعبير عن المواقف الرافضة لسياسات الدولة المغربية.

كما فتح هذا الحذف المجال أمام نقاش كبير بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ومتتبعي الشأن الحقوقي، بين مؤيد ومعارض.

وقد ارتبطت وزارة حقوق الإنسان، في أذهان البعض، بالحراك السياسي والاجتماعي الذي شهده المغرب في 2011، وكان نقطة تحول لحقتها بعض المكتسبات التي تم التراجع عن بعضها الآن. الأمر نفسه بالنسبة إلى الوزارة المحذوفة، التي وإن كانت صاحبة صلاحيات ضيقة، إلا أنها شكلت نقطة ضوء جاءت عقب نضالات "حركة 20 شباط/ فبراير"، حسب المدافعين عن بقائها، فيما يقول منتقدوها إنها جهاز حكومي يعيق استقلالية مراقبة حقوق الإنسان، إذ تعمد الكثير من الدول الديمقراطية إلى خلق هيئات خاصة تُعنى بالملف.

لكن اختفاء ما له علاقة بالحريات والحقوق كله في الحكومة المغربية الجديدة، إذ حذفت أيضاً كلمة "الحريات" من تسمية وزارة العدل، عدّته فعاليات عديدة تراجعاً وعودة إلى ما قبل زمن الحراك، متجاوزين ذلك إلى طرح سؤال من سيتحمل مسؤولية ملفات حقوق الإنسان في المغرب اليوم؟ 

نكوص حقوقي

يرى رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عزيز غالي، أن الحذف: "ليس خطأ دستورياً، بحكم أن الدستور المغربي لا ينص على وجود وزارة حقوق الإنسان، بقدر ما يمكن عدّ هذا الحذف تراجعاً سياسياً، وتراجعاً عن روح الدستور، لأن دستور 2011 تحدث عن الحقوق، وفئة كبيرة تراه دستور الحقوق"، وأضاف غالي في حديثه لرصيف22، أن وزارة حقوق الإنسان، "كانت التزاماً سياسياً للحكومة المغربية بأن هناك وزارة تهتم بحقوق الإنسان. هكذا فالتراجع عن الوزارة، ومعها المجتمع المدني كذلك، فضلاً عن التراجع عن كلمة الحريات التي كانت مرتبطة بوزارة العدل، كلها مؤشرات على طبيعة المرحلة المقبلة، ويمكن القول إن الدولة المغربية أغلقت قوس حركة 20 شباط/ فبراير، والمكتسبات الشكليّة التي جاء بها الدستور المغربي الأخير (دستور 2011 الذي جاء بعد حراك شباط/ 20 فبراير)".

وأورد المتحدث في حديثه، أن هناك جهازين حكوميين يشرفان على المجال الحقوقي، هما المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي يُعدّ مؤسسة دستورية، "إلا أن الأدوار التي لعبها كل من المجلس والمندوبية، هي أدوار سلبية بشكل كبير جداً، خاصةً التقارير الصادرة عن حراك الريف، وملفات اعتقال الصحافيين"، يقول الناشط الحقوقي.

وشدّد غالي على أن حذف وزارة حقوق الإنسان، "تراجع كبير عن التزام الدولة بالعمل على تطبيق توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، ومع الأسف هذا تراجع كبير جداً. تتعامل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مع الأوضاع كما هي، ووجّهنا مذكرةً لرئيس الحكومة المعيّن عزيز أخنوش، يوم 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، من أجل إعطاء أهمية قصوى لعمل حقوق الإنسان في البرامج الحكومية، وربما في الأيام المقبلة سنوجّه رسالةً لطلب لقاء، لمناقشة الوضع الحقوقي، ونتمنى أن يتّسع صدره لهذا اللقاء، لمناقشة الأوضاع الحقوقية. نحن كجمعية مغربية لحقوق الإنسان، على استعداد لطرح وجهة نظرنا في عمل الحكومة، في مجال حقوق الانسان في المغرب، وكيفية التعامل معه".

وزارة بلا وزن

من جهته، عبّر علي بوطوالة القيادي اليساري والأمين العام لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، عن موقفه الرافض لإلغاء وزارة حقوق الإنسان عادّاً في حديثه لرصيف22، أن "هذا الإلغاء، من المؤشرات التي تؤكد التراجعات الحقوقية التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة، وفي حقيقة الأمر الوزارة لم يعد لها وزنها ودورها في الساحة الحقوقية".

حذف وزارة حقوق الإنسان المغربية "تراجع كبير عن التزام الدولة بالعمل على تطبيق توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة"

وقال بوطوالة إنه: "بالنسبة إلينا، المهم هو الانفراج الحقوقي، وما ندعو إليه هو تصفية الأجواء بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإيقاف الانتهاكات الحقوقية، كيفما كانت، وهذا هو الأساس، وليس وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان فحسب، لأن هذه الأخيرة بطبيعة الحال كانت تلعب دوراً رمزياً فحسب، وأساساً كانت موجهة للاستهلاك الخارجي".

وأضاف المتحدث أن وزارة الدولة لحقوق الإنسان، لم تكن ذات قيمة كبيرة في السابق، ولم تحقق أي قيمة مضافة، ليخلص إلى أنه "بعد التراجعات الحقوقية الكبيرة التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، لم يعد للوزارة معنى، وإبقاؤها ليس دليلاً على أن الوضع الحقوقي بخير، وإلغاؤها ليس دليلاً على أن التراجعات ستستمر".

إصلاح عطب دستوري

على الجانب الآخر، هناك من يدافع عن إلغاء الوزارة، ومن الخبير الحقوقي عزيز إيدامين. إذ رأى الأخير أن "حذف وزارة حقوق الإنسان، بداية تصحيح عطب دستوري، وشلل حقوقي". مضيفاً: "أنا كنت ولا أزال مدافعاً شديداً عن إلغائها، فهناك آلية حكومية تتولى التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية، في مجال حقوق الإنسان".

وهذه الآلية، كما يوضح إيدامين في تصريحه لرصيف22، "هي إحدى توصيات إعلان فيينا لسنة 1993، وبرنامجه، وتالياً من الضروري أن توجد لتعزيز الحماية، والنهوض بالحقوق والحريات. وهو ما دفع المغرب إلى إحداث ‘المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان’، في آذار/ مارس 2011، والتي عُدّت من قبل المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، من الممارسات الفضلى التي على الدول الاقتياد بها".

ويرى إيدامين، أن وجود وزارة حقوق الانسان، "يعني جعل الحقوق والحريات قطاعاً أحادياً وعمودياً، فيما الحقوق والحريات أفقية، بين القطاعات الحكومية كلها؛ الصحة، والتعليم، والعمل، والسكن، والحقوق المدنية والسياسية التي تشرف عليهما وزارة الداخلية والعدل في حدود معينة. يعني هذا أن وجود وزارة ذات نفس أحادي لحقوق الإنسان، مخالف تماماً لمبدأ الأفقية، كما أوصت بذلك مبادئ فيينا".

وأضاف المتحدث أن التداخل والازدواجية، بين وزارة حقوق الإنسان، والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، أدى إلى شللهما معاً، خاصةً وأن كلاً من وزير حقوق الإنسان، ومندوب حقوق الإنسان، يستمدان مشروعية وجودهما من خلال ظهائر التعيين؛ ظهير تعيين "شخصية منتخبة" وهو وزير حقوق الانسان، وظهير تعيين "شخصية معيَّنة" وهو المندوب. وإن كانت القوة الدستورية لكليهما متساوية، إلا أن الأعراف التقليدية، والممارسة السياسية، وفق النظام السياسي المغربي، تميل دائماً إلى ترجيح قوة "المعيّن" على "المنتخب"، فضلاً عن أن حصر مسألة حقوق الإنسان في قطاع واحد، يجعل المخاطب شخص واحداً، أما إلغاء الوزارة، فيدفع الآن إلى أن يصبح المخاطب متعدداً، أي كل وزير وفق اختصاصاته".

يضيف الخبير الحقوقي أن وزارة حقوق الإنسان، كما المندوبية الوزارية، ليستا آلية للحماية، لكونها جزءاً من الجهاز الحكومي، ودورهما تجميل وجه الدولة في الخارج، وشمّاعة تعلَّق عليها الانتهاكات المرتكبة من قبل وزارة الداخلية، أو أجهزة وهيئات أخرى".

وبالنسبة إلى إيدامين، فإن الحديث عن أن "وجود وزير لحقوق الإنسان في الحكومة، ضروري للتوازن، وإيصال الصوت الحقوقي في المجالس الحكومية، حجة ضعيفة جداً. فأغلب الاعتقالات والانتهاكات، وأشدها، كانت في فترة وجود حقيبة حقوق الإنسان، ولم تؤثر أبداً لتصحيح الأوضاع، باستثناء التدخّل هنا، أو هناك، للسماح بتنظيم نشاط معين، أو تسليم وثيقة معينة لشخص ما".

بعد إلغاء وزارة حقوق الإنسان المغربية، أصبح على الجمعيات الحقوقية أن تكون هي الوزارة الحقوقية المدنية الموازية للحكومة في مختلف المجالات

هكذا، يستنتج إيدامين، فإن هيئات حماية الحقوق، هي "القضاء بالدرجة الأولى، والبرلمان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والجمعيات الحقوقية، وليس الحكومة، ولا وزارة ما. لهذا، على الجمعيات الحقوقية أن تكون هي الوزارة الحقوقية المدنية الموازية للحكومة، في مختلف المجالات، والسياسات الاجتماعية، والحقوق المدنية والسياسية، والتشريعات، والترافع أمام هيئات الأمم المتحدة، وتتبّع التوصيات والتعهدات الطوعية للدولة المغربية، ومواكبتها".

وأكد المتحدث في تصريحه، أننا عشنا عطباً دستورياً حقيقياً، وما زالت ارتداداته مستمرة، بإحداث المندوبية الوزارية التي تعمل بمقتضى مرسوم، أي أنها تدخل في المجال التنظيمي لرئيس الحكومة، وفق الفصل 72 من الدستور، في حين أن المندوب الوزاري معيَّن بظهير ملكي، في غياب أي سند دستوري أو قانوني، مشدداً على أن الملك، بمقتضى الفصل 42 من الدستور، يمارس مهامه بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخوّلة له صراحة، وأسطّر تحت كلمة صراحة، في نص الدستور. بالعودة إلى الدستور، لا نجد أي منصب متعلق بالمندوب الوزاري، كما أن القوانين التنظيمية والعادية لا يوجد منها ما يخوّل للملك سلطة تعيين المندوب الوزاري".

وقال الخبير الحقوقي، إن ظهير تعيين المندوب الوزاري، لم يستند إلى أي نص دستوري، كما جرت العادة في التعيينات الأخرى جميعها، وهذا العطب الدستوري سيستمر إلى غاية تصحيحه، بإصدار نص تشريعي (قانون) وفق الفصل 71 من الدستور الذي ينص على أنه: "يختص القانون بكل ما يتعلق بالحريات والحقوق، ويضيف الفصل نفسه أيضاً: إحداث كل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام"، وهذا النص القانوني، يمكّن الملك من ممارسة سلطة تعيينه بظهير، وتحدَّد بشكل دقيق اختصاصات المندوبية، وعلاقتها بالحكومة، والبرلمان، والهيئات الأخرى، والمجتمع المدني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard