بين الرغبات المكتومة والأحلام المكلومة، يمتد خيط رفيع من الوجع يربط بين مبدعينا. هي قصة "تقلص الفرص" التي تبدأ بتجاهل بسيط، وتنتهي بحصار كامل يُجبر المبدع على الانكفاء داخل صمته.
لم يرحل داود عبد السيد فجأة؛ فالرحيل الجسدي كان الفصل الأخير في رواية "الإقصاء البطيء"، وتجلياً جديداً لظاهرة "القتل بالترك" التي طالت كبارنا، ليتحول تاريخنا الثقافي إلى مقبرة لمشاريع كبرى وُئدت في مهدها، لا لنقص في الموهبة، بل لضيق في أفق الواقع.
داود لم يكن مخرج أفلام بالمعنى المهني فقط، بل كان صاحب رؤية. ومنذ بداياته، بدا واضحاً أنه لا ينتمي إلى سلالة "المخرج المنفذ"، بل إلى فئة نادرة ترى الفيلم بوصفه سؤالاً مفتوحاً عن الإنسان والمكان والسلطة والحرية.
مشروع يتشكل مبكراً
في "البحث عن سيد مرزوق"، وضع داود لبنة أساسية في مشروعه: إنسان تائه، مدينة لا تمنح إجابات، ومعنى يتوارى كلما اقتربنا منه.
الفيلم، الذي يبدو بسيطاً في شكله، كان إعلاناً مبكراً عن مخرج لا يحب السرد المستقيم، ولا يثق في اليقين، ويفضل المنطقة الرمادية التي تتحرك فيها الأسئلة دون حلول جاهزة. هذه الحساسية، التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة، لم تكن مغرية لمنظومة تبحث عن الوضوح والاختصار.
في "الكيت كات"، بلغ داود عبد السيد ذروة نادرة من التوازن. الفيلم الذي ظُنّ أنه "شعبي" أو "كوميدي"، كان في حقيقته واحداً من أكثر أفلامه شاعريةً وعمقاً.
الشيخ حسني، الكفيف الذي يرى أكثر مما ينبغي، لم يكن شخصية طريفة، بل استعارة عن حرية لا تتحقق إلا في الخيال، وعن إنسان هُزم واقعياً لكنه انتصر داخلياً. ربما كان "الكيت كات" محبوباً على هذا النحو لأنه تسلل إلى الجمهور دون أن يتخلى عن روحه، لكنه ظل الاستثناء الذي أكد القاعدة: أن داود ليس مخرجاً سهل التكرار أو الاستنساخ.
الحلم في مواجهة النظام
ومع "أرض الأحلام"، تتضح ملامح الصدام أكثر. امرأة عادية تحلم بالسفر، فتدخل متاهة بيروقراطية تبتلع الحلم دون عنف مباشر. القسوة هنا هادئة، ناعمة، إجرائية، لكنها مدمرة. هذا الفيلم لا يتحدث عن سلطة سياسية فقط، بل عن نظام كامل يُنهك الفرد حتى يتخلى بنفسه عن رغبته. وهي رؤية لم تكن – ولا تزال– محببة في مناخ يفضل الحكايات السريعة والانتصارات السطحية.
في "الكيت كات"، بلغ عبد السيد ذروة نادرة من التوازن. الفيلم الذي ظُنّ أنه "شعبي" كان في حقيقته واحداً من أكثر أفلامه شاعريةً وعمقاً. الشيخ حسني، الكفيف الذي يرى أكثر مما ينبغي، لم يكن شخصية طريفة، بل استعارة عن حرية لا تتحقق إلا في الخيال، وعن إنسان هُزم واقعياً لكنه انتصر داخلياً
وفي "سارق الفرح"، اقترب داود من منطقة شديدة الحساسية: الفقر لا بوصفه مشهداً ميلودرامياً، بل كبنية نفسية واجتماعية خانقة. الشخصيات لا تطلب شفقة، ولا تقدم بطولة زائفة، بل تعيش كما هي، عارية من الزخرفة. هذا النوع من الصدق لا يُكافأ عادة، لأنه يضع المتفرج في مواجهة غير مريحة مع نفسه ومع العالم.
في "مواطن ومخبر وحرامي"، يصل داود إلى أقصى درجات الاختزال. السياسة هنا ليست خطاباً، بل علاقات قوة، وخوف متبادل، وتواطؤ صامت. ثلاث شخصيات، ثلاثة مواقع داخل نظام واحد، بلا أحكام أخلاقية مباشرة، وبلا خلاص معلّب. فيلم كهذا لا يناسب منظومات مغلقة، ولا أسواقاً تبحث عن الوصفة السهلة.
شادي عبد السلام وتوفيق صالح... مآس سبقت داود
حين نتحدث عن داود، لا يمكننا تجاوز الأب الروحي للأحلام المجهضة: شادي عبد السلام. لقد عاش شادي ومات وهو يحمل بين ضلوعه حلمه الأكبر "أخناتون... مأساة البيت الكبير". سنوات طويلة قضاها في تصميم الملابس، ورسم "الستوري بورد"، وكتابة التفاصيل، لكنه اصطدم بجدران البيروقراطية وعقليات السينما التي ترى التاريخ مجرد "أكسسوار".
رحل شادي ولم يرَ "أخناتون" النور، وبقي السيناريو شاهداً على خسارة بصرية لا تُعوّض، وعلى نظام إنتاجي يخشى العظمة ويطمئن إلى السائد. هذه هي نفس الطعنة التي تلقاها داود عبد السيد لاحقاً، حيث تحوّل "الإخلاص للمشروع" إلى لعنة تُبعد صاحبها عن البلاتوه.
وفي سياق السينما أيضاً، يبرز اسم توفيق صالح، أحد فرسان السينما الواقعية، الذي ضاقت به السبل في وطنه فهاجر باحثاً عن فرصة للتعبير. صنع "المخدوعون" في سوريا، وحين عاد إلى مصر، وجد نفسه "مجمداً" برغبة غير معلنة.
محنة عبد السيد وجدت صداها العنيف في المسرح المستقل والطليعي. هنا نتحدث عن "الكمد" الذي يقتل المبدع وهو يرى خشبة المسرح تتحول إلى مساحة ممنوعة أو مكلفة لا يرتادها إلا من يملك "الثمن".
قضى توفيق صالح سنواته الأخيرة يراقب السينما وهي تتحول إلى "نكات" واستهلاك، ومات وفي صدره غصة من عدم استكمال مشروعه السينمائي الذي كان يرى في الفن أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي، تماماً كما فعل داود الذي اختار الصمت في سنواته الأخيرة بدلاً من تقديم تنازلات تمس جوهر رؤيته.
المسرح المستقل والأدب... احتراق خلف الكواليس
محنة داود عبد السيد وجدت صداها العنيف في المسرح المستقل والطليعي. هنا نتحدث عن "الكمد" الذي يقتل المبدع وهو يرى خشبة المسرح تتحول إلى مساحة ممنوعة أو مكلفة لا يرتادها إلا من يملك "الثمن".
لقد حوصر مبدعون مثل صالح سعد ومحسن مصيلحي وهم يحاولون خلق مسرح شعبي وتجريبي يكسر جدران العلبة الإيطالية. هؤلاء لم يقتلهم نقص الموهبة، بل قتلهم "الكمد" الناتج من رؤية مشاريعهم تُختصر في عروض عابرة لا تجد مسرحاً يستقبلها. المسرح المستقل كان يحاول، مثل أفلام داود، أن يطرح أسئلة عن السلطة والمواطن، لكن "المنظومة" فضلت مسرح "الانتصارات السطحية"، مما أدى إلى انكفاء جيل كامل من المسرحيين المخلصين، ليموت بعضهم بصمت، أو يهاجروا فكرياً.
في حقل الأدب، تأخذ الخسارة شكلاً أكثر خفاءً. لا توجد كاميرات تُحطم، بل توجد "أقلام تُجفف". نجد ذلك في تجربة مبدعين عاشوا في الظل، رفضوا أن يتحولوا إلى "تريند" أو يكتبوا وفق متطلبات دور النشر التي تبحث عن الروايات "البوليسية" السهلة.
إن "الخسارة التي لم تقع فجأة" نراها في انطفاء بريق أسماء مثل مصطفى ذكري في السيناريو والأدب، الذي قدم مع أسامة فوزي عفاريت الأسفلت، ثم وجد نفسه خارج سياق "السوق" لأنه يكتب نصاً يحتاج إلى تأمل. هؤلاء الأدباء يعيشون "الموت كمداً" وهم يرون لغتهم الرصينة وتجريبهم الجسور يُستبدل بثرثرة إلكترونية عابرة.
لماذا يُحاصر هؤلاء؟… عن سوسيولوجيا الإقصاء
إن الحصار الذي تعرض له داود، ومن قبله شادي وتوفيق صالح ورضوان الكاشف، ليس مصادفة تقنية، بل هو قرار بنيوي من منظومة تخشى "الفن بوصفه معرفة". هؤلاء المبدعون يُحاصرون لأن:
رفض البطل النمطي: أفلام داود وروايات المبدعين المهمشين لا تقدم بطلاً خارقاً، بل إنساناً هشاً يبحث عن معناه.
كم مشروعاً آخر سيُحاصر في الغناء، والمسرح، والسينما، والرواية؟ وكم "داود" آخر سيُترك وحيداً، يراقب العالم من النافذة وهو يعرف أنه يملك "الخلاص" لكن لا أحد يريد أن يسمع؟
عدم اليقين: في زمن يُراد فيه للناس أن يمتلكوا إجابات قاطعة، تأتي هذه المشاريع لتشكك في كل شيء، وتضع المتفرج في مواجهة مع "المنطقة الرمادية".
اقتصاديات السهل: الإبداع الحقيقي مكلف فكرياً، والمستثمر الثقافي الحالي يبحث عن "المنتج سريع الدوران" الذي لا يترك أثراً بعد مشاهدته.
الخسارة ليست في قلة أفلام داود عبد السيد أو عدم تصوير "أخناتون" شادي عبد السلام، بل في كل رؤية بصريّة جُمّدت أو أُلغيَت لأن الذائقة الراهنة لا تحب الشعر، ولا تصبر على الأسئلة.
حين نتأمل رحيل رضوان الكاشف في سن مبكرة، أو غياب أسامة جرجس فوزي بالانعزال قبل رحيله، ندرك أن "الخسارة لم تقع فجأة"، بل كانت تنمو ككرة الثلج مع كل سيناريو يُرفض، ومع كل ميزانية تُقلّص، ومع كل ناقد يطالب بـ"الوضوح" بدلاً من "العمق".
برحيل داود، وقبله رفاق دربه من المحاصرين، نفقد نموذجاً للمبدع الذي لم يسحب أحلامه من المعادلة مقابل مزيد من العمل والارتزاق من نجاح زائف. ويبقى السؤال الذي يطرحه صمتهم الطويل:
كم مشروعاً آخر سيُحاصر في الغناء، والمسرح، والسينما، والرواية؟ وكم "داود" آخر سيُترك وحيداً، يراقب العالم من النافذة وهو يعرف أنه يملك "الخلاص" لكن لا أحد يريد أن يسمع؟
إن الفن، حين يُدار بمنطق السوق وحده، يخسر روحه... ويخسرنا معه. والخسارة الكبرى ليست في غياب المبدع، بل في اعتيادنا القبح، وفي نسياننا للأسئلة التي كان هؤلاء المبدعون يطرحونها قبل أن يقتلهم الصمت والكمد.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



