الطبقة الوسطى المصرية... صانعة الانتصارات المفتَرى عليها

الأربعاء 11 أغسطس 202101:59 م
Read in English:

Egypt’s Middle Class... The Snubbed Creator of Victories

تاريخيا ومنذ أن عرفت مصر مسار الألعاب الأولمبية في دورة أمستردام 1928 وحتى يومنا هذا، والميداليات المصرية في الغالب تأتي عبر (الملاكمة - رفع الاثقال - المصارعة) فمن إجمالي 28 ميدالية حصدتها مصر طوال تاريخ مشاركاتها الأولمبية، كان نصيب تلك الألعاب 24 ميدالية.

هذه الألعاب عينها، عزفت الطبقتان الوسطى والعليا عن ممارساتها، وتركتا إياها للطبقات البسيطة.

لكن في أولمبياد طوكيو2021، تغير الوضع تماماً، ليحقق أبناء الطبقة الوسطى نقلة نوعية بحصولهم على الميداليات في ألعاب غير معتادة.

وبعيداً عن التفاصيل المخزية المحيطة برفع بمشاركة فريق رفع الأثقال، وما صاحبها من فساد نجم عنه حرمان مصر من المشاركة في الدورة الأولمبية؛ فإن النظرة الكلية للمشهد تشير إلى أن تحرك الطبقة الوسطى مؤثر وفعال.

تحولات بوصلة الأهالي

في العقدين الأخيرين، حدث تغير نوعي في تفكير أبناء الطبقة الوسطى صوب مفهوم التربية. فلعقود طويلة، كانت تلك الطبقة تهتم فقط بتعليم أبنائها، وكانت نظرتها للرياضة لا تعدو كونها وسيلة لتمضية وقت الفراغ في الصيف. وحين يبدأ العام الدراسي، تتراجع العلاقة بالنوادي لتنحصر في يومي الخميس والجمعة.

كانت تلك الطبقة ترى أن التعليم هو وسيلة الترقي المجتمعي الوحيدة لأبنائها.

ومع ظهور الشركات الدولية في مصر بقوة، صارت "اللغات الاجنبية" ضرورة حتمية لضمان مستقبل أكثر جودة، لذلك برز التسابق المحموم على إلحاق أطفال الطبقة الوسطى بالمدارس القومية ذائعة الصيت حينها مثل "بورسعيد - الجزيرة - الحرية…الخ" وهي المدارس التي تقدم التعليم باللغات الأجنبية.

وفي خلفية المشهد ظهرت "المدارس التجريبية"ـ كبديل أقل تكلفة لأولئك الذين لم يمتلكوا المال أو الوساطة لإدخال أبنائهم في زمرة المحظوظين بالالتحاق بالمدارس القومية.

مع ظهور الشركات الدولية في مصر بقوة، صارت "اللغات الاجنبية" ضرورة حتمية لضمان مستقبل أكثر جودة، لذلك برز التسابق المحموم على إلحاق أطفال الطبقة الوسطى بالمدارس القومية ذائعة الصيت حينها مثل "بورسعيد - الجزيرة - الحرية…الخ" وهي المدارس التي تقدم التعليم باللغات الأجنبية

ومع بزوغ نجم المدارس الخاصة واستحواذها على المشهد، توارت قيمة المدارس القومية والتجريبية، وتعلقت الطبقة الوسطى بأهداب المدارس الخاصة، التي سرعان ما انبثق عنها ما عرف بالمدارس الدولية، والتي تحولت سريعاً لتصبح حكراً على الطبقات الثرية وبعض الميسورين من الطبقات الوسطى العليا. وظلت الرياضة وسيلة ترفيه ليس أكثر.

لكن في العقدين الأخيرين تغير وضع الرياضة في عيون الطبقة الوسطى، إذ تقدمت لتقف جنباً إلى جنب مع التعليم على رأس قائمة الأولويات.

لم يكن للدولة أي دور في ذلك التغير الطارئ على فلسفة الأهالي التربوية، فعوامل التغير كان ذاتية تماماً، ناتجة عن الانفتاح على العالم عبر الإنترنت والفضائيات، ومتابعة الأهالي لأسعار الرياضيين الجنونية (لاعبي الكرة بالأساس)، والذي تزامن مع تساقط ثمار النمو الاقتصادي الذي أحدثته حكومة نظيف على الطبقة الوسطى، فبات لديهم القدرة المالية والطموح لدفع أبنائهم في مسار الرياضة.

وتكفلت "الغيرة الطبيعية" للأمهات في انتشار القاعدة الرياضية أكثر، بمنطق أن ابن فلانه الذي يمارس تلك اللعبة، ليس أفضل من ابني.

وعلى هامش ذلك، نشأ بيزنس رياضي جديد، حيث وجد المدربون في الشغف الجديد فرصة جيدة لمضاعفة دخولهم، فانتشرت الأكاديميات الرياضية المتخصصة بجانب الأندية، وانتقلت عدوى مفهوم الـ private من المدرسين إلى المدربين.

وهكذا انتشرت الرياضة بين أبناء الطبقة الوسطى، فأثمرت في طوكيو 2021 ميداليات أولمبية تفاخر بها الجميع كمنجز وطني.

طبقة يحتقرها اليسار

ورغم النجاح الذي حققته الطبقة الوسطى في ذلك الملف، والذي يثبت أننا إزاء قوة حقيقية قادرة على تحقق نجاحات ملموسة، إلا أنها ظلت مدانة من اليسار المصري.

فنظره على تدوينات وكتابات كثير من رموز اليسار، ستجد هناك إدانة عامة للطبقة الوسطى. إدانة وصلت إلى حد نعتها كثيراً بكونها طبقة محافظة منحطة.

بالطبع لا يمكن إجمال اليسار في مربع واحد، كما لا يمكن الجزم بحدود دقيقة لمفهوم الطبقة الوسطى في دولة تعاني سيولة اجتماعية مثل مصر. لكن يظل ذلك هو السمت العام في الخطاب اليساري المصري.

هجوم اليسار على الطبقة الوسطى له أسباب عدة، فمن جانب؛ نحن أمام طبقة لا ظهير تنظيمي أو إعلامي لها، ففي حين تجد الطبقة العليا منابر مدفوعة الأجر تحمي مصالحها، وتجد الطبقة الدنيا كثير من النشطاء والرموز والساسة يتحدثون عن معاناتها ويدافعون (دفاعاً مستحقاً) عن حقوق أبنائها، لا تجد الطبقة الوسطى من يتحدث عنها أو يدافع عن مصالحها.

ساهمت 30 يونيو وما تلاها من أحداث، في ترسيخ الاحتقار المعلن من كثير من نجوم اليسار لتلك الطبقة، باعتبارها "الطبقة المحافظة الرجعية الداعمة للحكم العسكري والديني" بما يحملاه من قمع وتنكيل

ومن جانب آخر ساهمت 30 يونيو وما تلاها من أحداث، في ترسيخ الاحتقار المعلن من كثير من نجوم اليسار لتلك الطبقة، باعتبارها "الطبقة المحافظة الرجعية الداعمة للحكم العسكري والديني" بما يحملاه من قمع وتنكيل.

انحياز الطبقة الوسطى للخيار الديني او العسكري له مبررات منطقية لا يمكن إغفالها.

فقبل الثورة، لم يكن أمام أبنائها - خاصة الريفيين منهم- الطامحين في الانخراط بالعمل العام، سوى خيارين؛ الأول هو الحزب الوطني ممثل السلطة، والثاني هو الإخوان المسلمين رأس حربة التيار الديني، وذلك في ظل غياب تام للقوى اليسارية.

ومع قيام ثورة يناير انحازت تلك الطبقة للثورة، كما سارع أبناؤها إلى الانتظام في أحزاب مثل المصري الديمقراطي الاجتماعي (يسار الوسط)، والعدل والدستور(وسط)". هذه الأحزاب قامت على أكتاف أبناء الطبقة الوسطى. لكن مجريات الأمور وتصاعدها أصابهم بذعر دفعهم إلى دعم الخيار العسكري، البوابة الذهبية للاستقرار المفقود.

تعالي الكثير من اليساريين على تلك الطبقة هو موقف غير منصف في مجمله، ذلك أن تحول بوصلة الطبقة الوسطى صوب العمامة أو الدبابة، ساهم فيه بجزء كبير غياب اليسار عن الساحة، تاركا إياها للقوى التي يصفها بالرجعية.

الدولة المصرية على مر عهود الأنظمة المختلفة، تجاهلت الطبقة الوسطى تماماً، واهتمت بالطبقتين العليا والدنيا فحسب. فدعمت الطبقة العليا التي تلاقت مصالحها معها بالقوانين تارة، وبغض الطرف عن فسادها تارة أخرى

مخاوف الدولة

موقف الأنظمة المتعاقبة على مصر من الطبقة الوسطى، موقفاً شديد الالتباس. فمن جانب؛ يبدو أن تلك الأنظمة تدرك أهمية هذه الطبقة، وقد عبر عن ذلك أمين عام الحزب الوطني الحاكم سابقاً أحمد عز، قائلاً إن الدولة ساهمت في دعم الطبقة الوسطى، مستدلاً بزيادة عدد السيارات وأجهزة التكييف!

لكن عملياً؛ فإن الدولة المصرية على مر عهود الأنظمة المختلفة، تجاهلت الطبقة الوسطى تماماً، واهتمت بالطبقتين العليا والدنيا فحسب. فدعمت الطبقة العليا التي تلاقت مصالحها معها بالقوانين تارة، وبغض الطرف عن فسادها تارة أخرى.

وحاولت تسكين غضب الطبقة الدنيا عبر حزمة من المنح والهبات بين الحين والآخر. وظلت الطبقة الوسطى خارج نطاق التغطية. فلا برامج حمايه لها، ولا مظلة تأمينية حكومية خارج علاقات العمل المستبدة، ولا برامج إسكان أو تعليم أو دعم بأي شكل من الأشكال.

للأسف لم تكتفي الدولة بتجاهل الطبقة الوسطى عبر العقود المتعاقبة، بل ايضا أثقلت كاهلها باشكال مختلفة، ولم تسمح حتى لها بتنظيم نفسها عبر "التعاونيات"، حيث يعتبر التنظيم نواة لثورة، وفقاً لمخيلة بعضهم الأمنية.

وهكذا تركت الطبقة الوسطى مهددة بالإفقار من جانب، ومتهمة بالانحطاط من جانب آخر. ورغم ذلك؛ ظلت قادرة على تحقيق منجز دولي بمجهود فردي… لتجد الطرفين يتباهيان بإنجازها وينسبونه للوطن!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard