عشرة أيام حسمت مصير أول حزب قبطي في تاريخ مصر

الخميس 5 أغسطس 202110:31 ص
مطلب رفض قيام أحزاب دينية لا يقتصر على تجنب مخاطر الخلط بين قيم الأديان الثابتة، وأسس المواقف السياسية المتغيرة، ولا على تجنب استغلال قداسة الدين تحت لافتات الانحياز السياسي، فحسب. إنشاء أحزاب دينية ينطوي على خطر أكبر بكثير من ذلك كله. هو خطر تكريس الطائفية، وتقسيم أبناء الشعب الواحد إلى طوائف متناحرة، وتحوّل الصراع السياسي إلى صراع ديني، والتردي في مستنقع التقسيم والحروب الأهلية.

في المنطقة العربية أمثلة صارخة ومحزنة على خطر التحزب الديني، ومخاطر السياسات الطائفية، من لبنان الذي شهد حرباً دموية ضارية على خلفية التمزق الطائفي استمرت 15 عاماً، من 1975 إلى 1990، إلى جنوب السودان الذي استقل على أسس دينية سنة 2011، بسبب تبني الدولة السودانية نظام حكم ديني (ثيوقراطي)، يعتمد على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، إلى الصراعات الدينية والطائفية كافة التي ظهرت في العقد الأخير، في دول عربية مختلفة.

في مصر، يوجد تعدد ديني يتمثل في نسبة معتبرة من معتنقي المسيحية بين المصريين، والدولة والكنيسة معاً تحرصان على عدم الاعتناء بمجرد إعلان هذه النسبة العددية، على الرغم من أن الكنائس في أنحاء مصر تقوم بحصر روتيني دقيق للمترددين عليها، لرعايتهم وتفقّدهم، كما أن السجلات المدنية توثق خانة الديانة في أثناء تسجيل المواليد، واستخراج بطاقات الهوية.

ويجعل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو مؤسسة رسمية، من إثبات الديانة أمراً اختيارياً في كل تعداد يعلنه للمصريين.

يتوزّع المصريون المسيحيون على مختلف الطبقات الاجتماعية، وينتشرون في بيئات مصر كلها، جغرافياً، وداخل مختلف الأحزاب والنقابات والكيانات السياسية والمدنية.

صدمة الإعلان عن حزب مسيحي عائلي

صباح يوم الـ16 من شباط/ فبراير 1989، فوجئ قراء الصحف القومية بإعلان من جهاز المدعي العام الإشتراكي، وهو جهاز استحدثه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات سنة 1971، وأُلغي سنة 2007، جاء فيه أنه ورد إليه إخطار من رئيس لجنة شؤون الأحزاب السياسية بأسماء مؤسسي حزب جديد يحمل اسم "السلام الاجتماعي وصيانة الوحدة الوطنية".

وذكر الإعلان أسماء خمسين رجلاً وسيدة، واختُتم بالقول: "وعلى من يكون لديه اعتراض على أيٍّ من الأسماء المتقدم ذكرها، أن يتقدم إلى رئيس لجنة شؤون الأحزاب السياسية باعتراضه، مؤيداً ما لديه بمستندات، خلال شهر".

الصادم في الإعلان، أن أصحاب الأسماء الخمسين المتقدمين لتأسيس الحزب، كانوا جميعهم من الأقباط المسيحيين، وعليه فالمطلوب هو تأسيس حزب مصري مسيحي. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن بينهم اسم واحد لشخصية معروفة بالعمل العام، سواء السياسي منه، أو الديني، أو الاجتماعي، وكانت الأسماء في مجموعها تنتمي إلى ثلاث عائلات، وهو ما يعني أن المطلوب كان أقرب، كذلك، إلى حزب عائلي.

خلال عشرة أيام من الإعلان عن محاولة تأسيس الحزب، اجتاحت الصحافة المصرية آراء الرفض الكاسح، والاستنكار القادم من الاتجاهات كلها

لكن اللافت فيه كان اسم الحزب: "السلام الاجتماعي وصيانة الوحدة الوطنية"، الذي يكاد يستنسخ عبارة من قانون الأحزاب السياسية المصري الرقم 40 لسنة 1977، والذي يشترط في مادته الرابعة لتأسيس حزب ألا يقوم "في مبادئه، أو برامجه، أو في مباشرة نشاطه، أو في اختيار قياداته أو أعضائه، على أساس ديني، أو طبقي، أو طائفي، أو فئوي، أو جغرافي، أو على استغلال المشاعر الدينية، أو التفرقة بسبب الجنس، أو الأصل، أو العقيدة"، ويشترط أيضاً في تعديله عام 1979، لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي، عدم تعارض مقوماته، أو مبادئه، أو أهدافه، أو برامجه، أو سياساته، أو أساليبه في ممارسة نشاطه، مع مبادئ الشريعة الإسلامية كونها مصدراً رئيسياً للتشريع، ولا مع مبادئ ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، وثورة 15 أيار/ مايو 1971 (سميت بثورة التصحيح، وتخلص فيها السادات من رجال سلفه جمال عبد الناصر)، كما يشترط للموافقة على تأسيس حزب أن يتفق مع "الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي".

كانت العبارة الأخيرة في القانون، بتقديم، وتأخير، وتعديل طفيف، هي الاسم الذي اختاره المؤسسون في محاولتهم تأسيس أول حزب مسيحي في التاريخ المصري.

رفض مصري عارم

خلال عشرة أيام من الإعلان عن محاولة تأسيس الحزب، اجتاحت الصحافة المصرية آراء الرفض الكاسح، والاستنكار القادم من الاتجاهات كلها. بدأت من رأس الكنيسة المصرية، البابا شنودة الثالث، في جريدة الأهرام يوم 23 شباط/ فبراير 1989، بنفيه العلم بهذه الرغبة لدى المؤسسين الذين اتضح أنهم لم يستشيروا أي مرجعية دينية أو سياسية، قبل الإقدام على التأسيس.

قال البابا للصحافي جمال البنا: "الكنيسة لا توافق إطلاقاً على إنشاء حزب سياسي مسيحي، ولا توجد سابقة لهذا الأمر في تاريخ الأقباط"، وأشار إلى أن "الأقباط باستمرار يعملون داخل الأحزاب العامة في مصر متعاونين مع إخوانهم المسلمين في العمل السياسي، كما حدث في القديم، وكما يحدث الآن"، ذلك أنهم "ليسوا عنصراً قائماً بذاته في مصر، والأقباط خيوط متداخلة في هذا النسيج المصري الواحد"، وأكد أن: "الكنيسة ليست مع أي حزب، وليست ضد أي حزب".

وعلى الرغم من أن جمال البنا ختم قائلاً: "هكذا تكلم البابا شنودة رأس الكنيسة القبطية، ولم يعد ثمة مجال للاجتهاد"، إلا أن الاجتهادات المصرية تسابقت في شجب التحايل لتأسيس حزب سياسي مسيحي في مصر.

قال المفكر لويس عوض: "لا أوافق أبداً على تشكيل حزب، أو أي تجمع على أساس طائفي، أياً كانت الملة التي ينتمون إليها. هكذا تبدأ الفتنة والقلاقل في البلاد، ويكفي ما رأيناه في بلد مثل لبنان. إني أحذر وأحذر من ظهور هذه النعرة، وهذه الظواهر في المجتمع المصري، وأرى أن يُبحث أمرها بدقة، فقد تكون وراءها أصابع أجنبية".

وعلّق المؤرخ يونان لبيب رزق: "سيكون حالة وفاة أثناء الولادة. إن مصر ليست لبنان، ولأن مجموعة المصريين الحريصين على وطنهم يرفضون بالقطع قيام أحزاب على أساس من الدين، وضمن هؤلاء الأقباط بالطبع".

التناقض الذي برز في مواقف بعض رافضي تأسيس حزب مسيحي في مصر، ليس بعيداً عن صياغة قانون الأحزاب السياسية الذي يرفض قيام أحزاب على أساس ديني، ويشترط في الوقت نفسه ألا تكون مخالفة للشريعة الإسلامية

أما د. منى مكرم عبيد، ابنة السياسي والمحامي المصري الشهير مكرم عبيد الذي كان يلقبه مناضلو الاستقلال الوطني خلال ثورة 1919 بـ"المجاهد"، وكان زعيم الثورة سعد زغلول يدعوه بابنه، فقد وصفت أصحاب مشروع الحزب بأنهم "يعبرون عن شريحة قلقة، وهي شريحة لا تجد نفسها في الأحزاب السياسية، ولا في النشاط الكنسي، على السواء"، لكن وإن أعلنت رفض تكوين الحزب، إلا أنها دعت إلى فهم الدافع لتأسيسه.

لم تفت الرافضين الإشارة إلى الأجواء السلفية المتشددة، ونعرات التعصب الديني التي اكتسحت مصر بدءاً من عقد السبعينيات من القرن الماضي، إثر محاولة السادات استخدام أيديولوجيا الإسلام السياسي وجماعاته، في القضاء على خصومه من اليساريين، والناصريين، والليبراليين.

أحد أهم من بلوروا في تعليقاتهم هذا الدافع كان المفكر وليم سليمان قلادة الذي كتب: "ورقة الحزب القبطي يستخدمها في وقت واحد المؤيدون لقيام حزب إسلامي، والمعارضون له، كل فريق لمصلحته، فالاتجاه الأول يرى أنه لا مانع من السماح بالحزب القبطي لتبرير دعوته المقابلة (يقصد إنشاء حزب إسلامي)، أما المعارضون لذلك فقد كانوا يرفعون ورقة هذا الحزب للتحذير من قسمة المجتمع على أساس ديني".

لكن الاستنكار الجدير بالملاحظة، أتى من ناشطين أقباط يمثلهم جمال أسعد، وكان يشتغل بالسياسة من خلال "التحالف الإسلامي" الذي أقامه حزبا العمل والأحرار مع جماعة الإخوان المسلمين. كان هذا الرفض من هذه الفئة من الناشطين يعني أن هناك بين الأقباط نمطاً مستعداً لممارسة عمل سياسي من خلال الإخوان المسلمين، لكنه ليس مستعداً في الوقت نفسه للانضمام إلى حزب قبطي.

هذا التناقض ليس بعيداً عن صياغة قانون الأحزاب السياسية الذي يرفض قيام أحزاب على أساس ديني، ويشترط في الوقت نفسه ألا تكون مخالفة للشريعة الإسلامية.

إسلاميون مؤيدون لحزب مسيحي

بطبيعة الحال، فإن سائر التناقضات انفجرت بطرق أكثر وضوحاً على لسان ممثلي الإسلام السياسي في موقفهم من محاولة تأسيس حزب قبطي.

لم يختلف موقف رجال الدين الرسميين عن موقف الدولة، وعموم المصريين الرافضين لقيام أحزاب دينية، والتصريح الدال على موقفهم أتى على لسان وزير الأوقاف السابق ورئيس اللجنة الدينية في الحزب الوطني الحاكم د. عبد المنعم النمر، الذي قال: "هذا الأمر ليس في مصلحة البلد في أي حال من الأحوال، وإن قيام حزب على أساس ديني، ستكون نتيجته التفرقة بين أبناء الوطن الواحد".

لكن بين الأصوات الدينية الرافضة كان هنالك من تميزوا بأوضاع ملتبسة. من هؤلاء عضو مجلس الشعب الشيخ يوسف البدري، وكان وقتئذ رئيس "حزب الصحوة" الذي كان قيد التأسيس، والمفهوم من اسم الحزب هو "الصحوة الإسلامية" الذي كان مصطلحاً رائجاً في التعبير عن اشتداد موجة السلفية والتعصب التي ضربت مصر منذ السبعينيات.

قال البدري: "لا يجوز أن ينشأ حزب سياسي على أساس ديني، أو طائفي، أو عقائدي. هذا سيعني أننا نعود مرة أخرى إلى تقسيم المجتمع إلى طوائف دينية".

التناقض بين منطق تصريح البدري ومنطوقه، ووضعه كرئيس حزب إسلامي، يعكس التناقض في قانون الأحزاب السياسية الذي يكاد، طبقاً لهذا التفسير، لا يعد الحزب الإسلامي حزباً دينياً، بينما يعد أي حزب آخر، غير إسلامي، أو ربما غير سُنّي، حزباً دينياً في مفهومه.

على الوتر نفسه، عزف المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين المستشار مأمون الهضيبي، قائلاً إن "الأقباط لهم كيان يتمتعون فيه بحرية انتخابات. هم راضون عنها (يقصد الكنيسة الأرثوذكسية)، وليس لنا ما للأقباط، لذلك سنسعى إلى حزب للإخوان إذا عجلت الحكومة بتعديل قانون الأحزاب".

اشتملت كلمات الهضيبي على طعن وتهديد مبطنَين: طعن في الكنيسة المصرية بوصفها، في نظره، تنظيماً سياسياً لا مؤسسة دينية، وتهديد بتأسيس حزب للإخوان المسلمين في حال الموافقة على تأسيس حزب للأقباط.

لكن فريق الإسلاميين الذي رأى أنه من الممكن تأسيس حزب على أساس ديني لم يكن أقل شأناً. عبر عن موقفهم رئيس حزب العمل المنخرط في التحالف الإسلامي آنذاك إبراهيم شكري قائلاً: "إننا مع مبدأ إطلاق تشكيل الأحزاب بصورة عامة، فالحرية في تكوين الأحزاب هي الأصل".

ومهما كان تأثير هذا الفريق، إلا أنه لا يمكن القول إنه ينتمي إلى "تيار التطرف الرئيسي" السائد بين الإسلاميين الذين يرون أن تأسيس حزب غير إسلامي، أياً كانت مرجعياته، مضاد لمشروع الدولة الإسلامية، ومخالف لقواعد الشريعة الإسلامية، ومحرم قطعاً في مجتمع إسلامي.

نهاية العاصفة

مصدر التوتر العاصف الذي نتج عن إعلان تأسيس حزب مسيحي، هو التحايل الظاهر على القانون الذي يحظر قيام أحزاب دينية، وهو تحايل لا يختلف من حيث نسجه وطبيعته عن التحايل القائم بقوة الأمر الواقع على يد الأحزاب الدينية الإسلامية، غير أن الأخيرة تجد سندين قويين لتحايلها: أولهما في اشتراط القانون مطابقة الأحزاب لمبادئ الشريعة الإسلامية، وثانيهما في تواطؤ رسمي وشعبي عام على تجاهل الطبيعة، والممارسات العقائدية التي تقوم بها الأحزاب التي تتخذ من الشريعة الإسلامية مرجعية لها.

و"المرجعية الإسلامية" هو التعبير الالتفافي الذي لا يزال معتمداً بين الإسلاميين إلى اليوم في التحايل على الحظر المدني للأحزاب الدينية.

لكن، وتحت ضغط الرفض العاصف، سرعان ما سجّل مؤسسو حزب "السلام الاجتماعي وصيانة الوحدة الوطنية"، تراجعهم. في صباح يوم الـ26 من شباط/ فبراير 1989، نشر الوكيل القانوني للمؤسسين هايل توفيق سعيد، طلبات اعتذارهم عن المضي في تأسيس الحزب.

وتُستشف من الرسالة التي كتبها، لهجة الذعر التي انتابت المؤسسين نتيجة ردود الأفعال العاصفة ضد المحاولة الأولى والأخيرة لتأسيس حزب مسيحي في مصر.

نقرأ في سطور الرسالة: "يسرنا جميعاً أن نصرّح لأحبائنا، ولحمنا، ودمنا، إخوتنا المسلمين باستنكار الفكرة من أصلها وشجبها، برفض تأسيس أحزاب دينية أو طائفية، وإقرار الجميع بأن الدين والسياسة متوازيان لا يلتقيان مهما امتدا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard