كيف للمكروه مقاومة الكراهية؟

الثلاثاء 19 أكتوبر 202112:38 م

 يصدر الكاره حكمه: تستحق الكره، فيصرخ المكروه: كيف أخرج من جلدي؟ ذلك الشعور بالدونية وإدراك المقام الذي قد ينتمي إليه فرد أو جماعة أو أمة، ما قيل يوماً للسود في إفريقيا، وللأرمن في جنوب تركيا، ولأقليات متفرقة بين الشرق الأوسط وآسيا، ولبعض الأوربيين ممن عاصر الحربين العالميتين.

وفي هذا يذهب كتاب لماذا نكره؟ أو كراهيات منفلتة (دار سؤال) لكاتبه نادر كاظم، للبحث عن أصول الكراهية وعن التلازم بين غريزة العدوان وغريزة الحب إلى جانب الرغبة المطلقة بالحياة.

بادئاً مما قاله العرب في كلامهم: "لا بدّ للمصدور أن ينفث، إن الصدر إذا نفث برأَ". ليكشف عن قدرة المرء وقتذاك على إشهار ما أثقله من أحمال وأحقاد، وكيف برهن على التفوق بالجهر بأفكاره التدميرية ومشاعره العدوانية، أو ما بات يسمى اليوم "غريزة الكراهية" التي حوصرت بقافلة من الوسائل القمعية الذاتية والخارجية، ما جعل الفارق في التعبير عنها كبيراً بين عالم الأمس واليوم.

ألا نجد أنفسنا عاجزين عن كتابة جملة وقحة، في حين كان الأسلاف يمتلكون جرأة القول ومساحةً جعلتهم يؤلفون في كراهياتهم مجلدات، نجدها بحكم هشاشتنا ونعومتنا مسارات للبذاءة والوقاحة؟

هذا ما يذهب إليه البحث عن أصول الكراهية؛ بدءاً من التنقيب عن معنى الهوية، وكيفية اعتماده على كره كل من هو غير مماثل، وتغذية عاطفة مدنيّة دفعت الفرد للاستمرار بخلق أحد ما يكرهه ليبرر عبره بؤسه الخاص.

يذهب كتاب "لماذا نكره؟ أو كراهيات منفلتة" (دار سؤال) لكاتبه نادر كاظم، للبحث عن أصول الكراهية وعن التلازم بين غريزة العدوان وغريزة الحب إلى جانب الرغبة المطلقة بالحياة

يتساءل الكاتب عن مدى عمق العلاقة بين الهوية والكراهية، تلك المشاعر العنيدة الفائحة بتدمير الآخر، كم استخدمت كأسلحة فتاكة للحروب، فهل رأينا يوماً حرباً تشنّ من دون كراهيات؟ من دون شيطنة الخصم وتدمير صورته؟ إذن لا بد من علاقة وطيدة ما بين الحرب التي عدها أينشتاين في وثيقته (لماذا الحرب؟) أخطر القضايا التي تواجه البشرية، وبين الكراهية.

ثمّة دعمٌ متبادل ما بينهما، ثمة سيلٌ من أحقاد تديم ذاتها وتعمق وجودها عبر الحروب وفورات العنف المتكررة.

ابن اللحظة الشقيّ

يتجه الكاتب استناداً للوثيقة المذكورة في التنقيب عن علاقة الكراهية بالحضارة، نظراً لاعتمادها على تفسيرات فرويد في كتابه "الحضارة وإحباطاتها"، فيذهب للقول بوجود علاقة وطيدة بين تصاعد الكراهية وتطور الحضارة، وبين نشوء المدنيّة وتطور الكراهية المتخفية تحت غريزة العدوان.

فالإنسان الأول، ابن اللحظة الشقي، لم يعرف تقييداً لغرائزه، ولا ضوابطَ للتعبير عن مكنوناته، لكنه عاش القفزة، حين فرضت على حياته وبقوة الشرائع  قيودٌ جديدةٌ حدّت من قدرته على التعبير ومن جانب آخر نظمتها ومدّنتها، وبهذا رسم فرويد علاقة بين الحضارة التي صارت تتدهور جراء تماديه في إشباع غرائزه، وتنامي السلوك الإنساني  الذي اقتضى مع مرور الوقت تضحيات جنسية، مما يعني بوجود تعارض صارخ بين الحضارة والغريزة.

إلى جانب أنساق أخرى بحثت في تأثير العلاقة القائمة بين الدولة والمجال العام من جهة، وبين قدرة الأفراد على الجهر بكراهياتهم من جهة أخرى، فالمجال العام لا يعبر عن نفسه بجلاء إلا بضرب من التواطؤ الخفي بين الدولة وقوى الكراهية وتجارها، وما الصمت عن عمليات إنتاج الكراهية ضمن حدودها سوى موقف ثابت من قبول نشر الكراهية (الخطاب الطائفي على سبيل المثال) القائم على المصلحة من قبل الدولة، وعلى المبادئ التي لا تتقلب بتقلب المصالح من قبل المجال العام.

يتساءل نادر كاظم عن مدى عمق العلاقة بين الهوية والكراهية، تلك المشاعر العنيدة الفائحة بتدمير الآخر، كم استخدمت كأسلحة فتاكة للحروب، فهل رأينا يوماً حرباً تشنّ من دون كراهيات؟ ومن دون شيطنة الخصم وتدمير صورته؟

بين الكاره والمكروه

في رائعته "الاعتداء" يبني الكاتب الهولندي هاري موليتش سياقاً منفرداً للحديث عن الكراهية وآثارها على الفرد وتجذرها لتقيم في سلوكياته. وبعيداً عن حياة الطفل أنطون ستينفايك، وعن قضية الاغتيال الواقعة شمال مدينة هارلم، تضع الظروف الطفلَ لليلة واحدة داخل المعتقل، لغاية اكتشاف ضحايا الكراهية وتسليط الضوء على التوحش الذي له أن يخترق ذاتَ المكروه.

يصطدم القارئ برؤية فلسفية لإحدى فتيات المقاومة في هولندا آنذاك. فتروي قصتها بهمس ورعب، إلا أنها تطرح تصوراتها عن الكراهية بنظرة لا تخلو من تشريح منطقي لشعور إنسانيّ مرضيّ: "نحن نكره الكره، لذلك فإن كرهنا لهم أحسن من كرههم، ولكن لذلك أيضاً نحن نعاني أكثر منهم!". فالآثار التي تركتها الكراهية على الفتاة تتعدى الذات، وتكاد تعمَّم لتحيا برؤى مقاومة لطبيعة الكاره الحاقدة، فأهدافه غاية في البساطة: تحطيم وتحقير من هو أدنى منه.

يبحث كاظم عن علاقة الكراهية بالحضارة، معتمداً على تفسيرات فرويد في كتابه "الحضارة وإحباطاتها"، الذي يقول بوجود علاقة وطيدة بين تصاعد الكراهية وتطور الحضارة، وبين نشوء المدنيّة وتطور الكراهية المتخفية تحت غريزة العدوان

بينما تجعل كراهيته من أهداف الآخرين المكروهين غاية في الصعوبة والتعقيد. فالمكروه قادر على تحديد المشكلة، وتفسير ما يحدث جيداً في ذات الكاره، وهو في ذات الوقت لا يريد أن يتطبع بشيء من خصاله، إلا أنه يدرك جيداً أنه لا بدّ من أن يحطم شيئاً من ذاته الصالحة في سبيل تحطيم الكراهية وإبادتها، رغم يقينه، كما ضحاياها جميعهم، أن الكراهية ستبقى كما هي، ولا فناء لها سوى بفناء البشرية.

عزلة تواصلية

ولتنتشر الكراهية وتستمر لا بد من وسيلة لذلك، فقد كانت تنتقل مع البشر على ألسنتهم من مصدرها وحتى هدفها، لكن ما وجده الدكتور كاظم أن ذلك التقادم الزمني جعلها تصل مرهقة وهزيلة. الأمر الذي حدَّ من تبعاتها.

أما اليوم، فما اقتضى شعوب القرون الوسطى قروناً لتحقيقه، فقد أنجزته البروليتاريا العصرية بسنوات قليلة بفضل وسائل الاتصال الحديثة، وبعد إنتاج سبل التواصل الاجتماعي السريع، صار للكراهية أن تنتشر كالنار في الهشيم (تصريحات المشاهير على تويتر على سبيل المثال) مما عدل من هيئة العزلة القديمة التي عاشها الأفراد والجماعات سابقاً، إلى عزلة من نوع آخر.

أسماها الباحث بالعزلة التواصلية، والتي رغم تحول العالم لقرية صغيرة، إلا أنها خلقت حالة من الفردانية المرضيّة دفعت الفردَ للعيش داخل ذاته والتقوقع بين أسوارها، ما أدى إلى خلق حالة من عدم التوازن بين صراعاته الداخلية وكراهياته الدفينة، وبين قوى ضاغطة  حدت من رغبته في التعبير: كالمجال العام، الدولة، والخوف من سقوط صورته العامة في أتون التعصب والرجعية.

لتنتشر الكراهية وتستمر لا بد من وسيلة لذلك، فقد كانت تنتقل مع البشر على ألسنتهم من مصدرها وحتى هدفها، لكن ما وجده كاظم نادر أن ذلك التقادم الزمني جعلها تصل مرهقة وهزيلة. الأمر الذي حدَّ من تبعاتها

نحو عالم بلا كراهية

تتنفّس الكراهية بين البشر وتستمدّ قوتها من تقوقعهم وانكفائهم بين جماعاتهم، فكيف للمكروه المقاومة؟ وأنى لجذوة الكراهية أن تنطفئ؟ وبالعودة لرواية موليتش، تطرح الفتاة المعتقلة عبر رؤيتها سبيلاً مقنعاً لإخماد الكراهية، فالأخلاق هي المنفذ والتمسك بصورتنا النزيهة تنأى بالحقد بعيداً: "إن الكره هو الظلام، وذلك شيء سيء، لكننا نستطيع أن نكرههم باسم النور، وهنا علينا ألا نتطبع بخصالهم لأننا لو فعلنا ذلك لمنحنا الكارهين الفرصة لينتصروا علينا".

وقد وضع الدكتور كاظم سبيلاً لمقاومة الكره  عبر التوسل بقوة الأخلاق الداخلية وتقوية النوازع وتهذيب النفس وتأديبها على احترام الآخر، بدءاً من احترام الذات كسبيل للاعتراف بكرامته وتجنب إيقاع الأذى المعنوي به، وحتى توضع الأسلحة جانباً وتتم السيطرة على العنف، على أصحاب الكراهية أن يغادروا المشهد أولاً وعلى الكراهية أن تصمتَ في نهاية المطاف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard