"ستختفي الإنسانية وبئس المصير"... كراهية البشر كموقف أخلاقي

الثلاثاء 7 أبريل 202011:31 ص

ما الذي يميزنا كبشر حتى نعتبر أنفسنا أسياد الأرض وما عليها؟ سؤال يغيب عنّا اليوم رغم ضرورته وسط الذعر السائد.

هل هناك ما يجعلنا نحب بعضنا كبشر؟ أم أن ذلك فرضية نتمسك بها لأن نقيضها  "بغض البشرية" أو الـ"مسنثروبيا" (misanthropy) محرج وفجّ؟

كيف ينظر النبات للبشر لو كان قادراً على النطق مثلاً؟

في فيلم قصير ساخر، يتعرض المخرج لفكرة البحث عن التواصل البشري/ النباتي. "آس هول" لجوني لوك، الذي يسخر بطريقة سوداوية من محاولة البشر إجبار النباتات على الاعتراف بمعلومات تساعدنا في توثيق التاريخ. وهكذا يبدأ فريق طبي محاولة إثارة مشاعر النباتات، بداية بالكلام العاطفي والموسيقا وعندما لا ينجح الأمر، يقوم، كما يفعل البشر عادة، بتعذيب النباتات، نعم تعذيبها بطريقة سادية وساخرة بآن معاً، عبر استحضار آليات التعذيب المعروفة عند البشر، من الطرق المباشرة، أي عبر الضرب والتقطيع إلى الطرق النفسية.

ASSHOLES from Jonny Look on Vimeo.

 

كانت النتيجة حقيقة مبهرة، إذ تلفظت أخيراً النبتة التي تتم عليها التجارب تلك، بواحدة من أهم الخلاصات التي يمكن لكائن عاقل وعادل أن يصف بها الجنس البشري: "وغد قذر".

هل تشكون من العزلة؟ هل تثرثرون لساعات طويلة عن إحساسكم بالوحدة في الحجر الصحي الذي فرضته حكوماتكم؟ إنكم معزولون أصلاً، أحجار صغيرة في جدار من العبث الصمّ، بل ربما هذا أجمل ما تنتجه الحضارة الحديثة: ألا تجتمعوا لئلا تتابعوا التخريب الذي بدأتموه

كراهية عادلة

إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يعيش في عزلة جسدية دون اتصال ببقية البشرية؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل سيكون قادراً على البقاء بحالته "الإنسانية"؟

يزداد هذا التساؤل حدة مع حالات فرض العزلة البشرية بسبب فيروس كورونا، في كل المجتمعات عموماً، التي هي أصلاً مجتمعات ساخرة وشريرة، كما يقول المزمور الأول في العهد القديم: "طوبى للإنسان الذي لا يسير حسب مشورة الأشرار، الذي لا يتوقف في طريق الخطاة ولا يجلس برفقة المستهزئين".

ما الغرابة إذن؟ لماذا يتشكى الغالبية من عزلتهم هذه؟ أشار جان جاك روسو إلى أن الانسان، هو الحيوان الوحيد الذي لديه الإمكانية لأن يصبح غبياً، أي ليس لأن يتطور بشكل طبيعي، كما تفعل النباتات أو الحيوانات الأخرى، بل أن يتراجع، ونقتبس هنا من فرويد، "الرجل، ليس هذا المخلوق الذي يمتلك قلباً متعطشاً للحب، والذي يقال أنه يدافع عن نفسه فقط عندما يتعرض للهجوم، لكنه كائن، على العكس، عدواني، فجاره ليس مجرد عنصر مساعد أو شريك جنسي محتمل فقط، لكنه يميل عبره لتلبية حاجته إلى العدوان واستغلاله جنسياً وسرقة عمله دون جهد، والاستيلاء على ممتلكاته، وإذلاله وإلحاق الألم به".

لذا علينا أن نوافق على أن المجتمع يميل إلى جعل الإنسان منصاعاً، يميل إلى تحطيمه تماماً ليعيد تشكيل الحطام على ما ترغب به نظمه "الأخلاقية"، والثقافة أيضاً التي طالما تم الاحتفاء بها، كسلّم تصعده الإنسانية نحو خلاصها المنتظر، ليست أكثر من مطرقة أخرى يستخدمها المجتمع، عبر مؤسساته الخبيثة التي تتلون، تتمثل، تأخذ أشكالا "عادلة" كذباً، لتحطيم وإعادة تحطيم الإنسان، إن الفعل الإنساني الأكثر جدوى هو الخروج وإطلاق النار على الحشود، بتحريف بسيط عن أندريه بروتون.

إننا نفقد إنسانيتنا، يقول البعض، أي أن هذه الـ"الإنسانية" الطبيعية، التي تعتبر كمرجع نكتسبها بالولادة فحسب، لكنها أصبحت الآن تعبيراً غامضاً وغير محدد أبداً، فالتغير سمة كل شيء، وبالتالي فإن إفساد الإنسان أو إخراجه من حالته الاجتماعية المعروفة والمحددة مسبقاً يبدوان الآن بلا معنى حرفياً، الإنسانية لا تساوي شيئاً بوجود الخوف وبوجود الاستغلال، لا تساوي حتى الحبر الذي كتبت به تلك الوصايا الخالدة: لا تقتل، لا تسرق، لا تشته امرأة جارك، لا تزن، ماذا أفعل إذن، بكم الوقت والحقد اللذين أمتلكهما؟

في رسالة وجدتها صدفة على إحدى المدونات المفتوحة للجميع، نص قصير من شخص اسمه بابلو فقط، لا يعتني بابلو بقواعد اللغة ولا يهمه الحكم عليه، ولا كم الشتائم أو النصائح باللجوء إلى الله، يقول بابلو: "عمري 34 سنة وأنا أخسر إنسانيتي، أنا أكره العالم، الحياة مروّعة وفي كل زاوية أرى البؤس والحزن، الكوكب سيء والكوارث البيئية عديدة، الناس مشوهون ومقرفون، عندما أمشي في الشارع أشعر بالذهول لأن البشر لم يعودوا يبالون بشيء، أشعر بالخجل أني من البشر، لا أستطيع الانتظار حتى يختفي هذا العالم. اسمي بابلو، أبلغ من العمر 34 عاماً ولست متأكداً أني أستطيع تحمّل هذا العبء من القباحة".

انقرضوا فهذا أكثر عدلاً

بينما يظهر الرهاب من الآخرين كمرض نفسي تأتي كراهية البشر كموقف فلسفي وأخلاقي، نستطيع أن نسأل عن هذا إميل سيوران، الذي يقول: كم سيكونون ممتنين لي أولادي الذين لم أنجبهم، أو ايف باككال مؤلف كتاب "ستختفي الإنسانية، وبئس المصير".

في الفلسفة اليونانية كانت كراهية الجنس البشري هي أقصى درجة من عدم الرضا الذاتي، الاضطراب أو الخطيئة المرتكبة بعين مفتوحة، كانت إعلان حرب من طرف واحد على الجميع، وتعبّر أيضاً عن ضعف شخصي في التعاطي مع المصائب، عن عدم مرونة وضعف المقدرات العقلية، وانتقل هذا الموقف عبر المجتمع إلى الأديان المتعددة ثم الدساتير المكتوبة للنظم السياسية القائمة، كما انتقلت الأخلاق "الحميدة"، كان للموقف المضاد للبشرية أسبابه التي يجب أن تستند إلى كذا وكذا، كمثال، نحن نكره السارق أو القاتل لأنه قام بكذا وكذا، ندين عدو الإنسانية لأسباب تستند في مجملها لما يعرف بالخير العام، كما نعرفه أو كما تلقنه الأديان والدساتير، أي أن التبسيط في شرح الشرّ المطلق وهو هنا "أعداء الإنسانية" يؤدي إلى مزيد من التبسيط في تعريف الخير المطلق، الذي يمكن أن يكون "الله، العائلة أو الوطن" أو ببساطة الرأسمالية.

"إنني أحب الإنسانية، غير أن هناك شيئاً في نفسي يدهشني: كلما ازداد حبي للإنسانية بالجملة نقص حبي للبشر أفراداً، بمجرد أن أشعر أن شخصاً ما قريب مني، فإن وجوده يضطهد تقديري لذاتي ويعيق حريتي"... كره البشر كموقف أخلاقي

"إنني أحب الإنسانية، غير أن هناك شيئاً في نفسي يدهشني: كلما ازداد حبي للإنسانية بالجملة نقص حبي للبشر أفراداً، بمجرد أن أشعر أن شخصاً ما قريب مني، فإن وجوده يضطهد تقديري لذاتي ويعيق حريتي.. أنا قادر في مدى أربع وعشرين ساعة على كراهية أفضل إنسان.. أصبحت عدوّاً للبشر بمجرد الاتصال بهم، من ناحية أخرى، دائماً كلما كرهت الناس بشكل خاص، ازداد حبي للإنسانية بشكل عام"، يكتب ديستويفسكي في "الأخوة كارمازوف".

إن الإنسانية كمفهوم وصفي طبيعي ينطبق على جميع الولادات القديمة والجديدة على حد سواء، هو أقرب للقول إن كل من يملك فراء هو قط أو أرنب، لكن نحن نعلم تماماً، وعبر مسيرتنا المدوّنة على الأقل في القرن العشرين بشكل أكثر دقة، أن الأمر أعقد بقليل، يقول العميل "سميث" في فيلم ماتريكس: "كل الثدييات تطوّر بشكل غريزي توازناً طبيعياً مع بيئتها، لكنك أيها البشري لا تفعل، أنت تحتل مناطق، وتتكاثر وتكاثر حتى تنفد كل الموارد الطبيعية، وطريقتك الوحيدة للبقاء هي الهجرة إلى مناطق جديدة، هناك كائن آخر على هذا الكوكب يتصرف بنفس الطريقة: الفيروس. البشر مرض وسرطان لهذا الكوكب، أنتم وباء"، ويبدو أن هذا الوباء يتعرّض لترياقه الحتمي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard