رسائل حبّ متأخّرة إلى أجسادنا

السبت 16 أكتوبر 202105:43 م

“عليك أن تحبّي جسدك وتتقبّليه” جملة نسمعها ونراها في كل مكان. تُقدّم لنا نحن النساء كأنّها العلاج السحري لعلاقتنا مع المنزل الأوّل الذي نعيش بداخله. ولكي نحظى بنوع من السلام، ندرك أنه مع الوقت هو الحل الوحيد وعلينا حقاً، وبكامل وعينا أن نحب أجسادنا. لكنهم لا يخبروننا أن هذا الحب في حال لم نرثه من العائلة ونواجه به المجتمع، فعلينا أن نعمل لسنوات على خلع الرواسب الاجتماعية والنفسية كي نحظى به.

حين كُنت في الـ17 من عمري قصدت عيادة أخصائية تغذية في مدينة صيدا بعد أن صرت أحمل 20 كيلوغراماً من الوزن الزائد. في إحدى الزيارات وأثناء حديثها معي بكيت، لأنّي الأسبوع الفائت لم أستطع أن ألتزم بالحمية وبقي وزني على حاله. ما قالته بعد هذه اللحظة غيّر مفاهيمي لسنوات قادمة، قالت لي: “ستكسبين الوزن وستفقدينه، أحياناً لأنك أردت أن تتناولي قطعة الحلوى وأحياناً لظروف ستُفرض عليك. وهذا العامل يجب أن لا يحدّد قيمتك لنفسك أو أن يصبح معياراً لسعادتك وراحتك. هذا الأسبوع لم تتخلّصي من غرام واحد، لا بأس. ربما الأسبوع المقبل سيزداد وزنك أو ينقص، لا بأس أيضاً. لا تقلقي واستمتعي بقطعة الحلوى”.

ما فعلته الأخصائية حينذاك هو أنّها قدّمت لي خياراً. بإمكاني أن لا أخسر الوزن أو أن أخسره دون أن يحدّد هذا الفعل نجاحي أم فشلي. وبالتالي حين تم فصل هذه العملية عن تقويمي لذاتي، بدأت بالتعامل معها بطريقة صحيّة وبقرارات نابعة عن قناعة، واستعدت تدريجياً سلطتي على جسدي بعد أن كانت ملكاً للمجتمع وللعائلة وللرجال وللطعام.

رسالة لنفسي السابقة: ”هذا جسمك، جسمك الوحيد. عليك أن تحبّيه وتهتمّي به، بغض النظر عن كل شيء”.

كان لي زيارة أخيرة إلى عيادة خبيرة التغذية غنى صنديد حين انتقلت إلى بيروت، ومن بعدها على امتداد سنوات بدأت باكتشاف علاقتي مع نفسي وما يناسبني من خلال الأدوات التي اكتسبتها على الصعيد الجسدي والأهم على الصعيد النفسي.

قبل أسبوع، عُدت وتواصلت معها، لأخبرها أنها خلال مراهقتي غيّرت حياتي بأسلوبها الإنساني الذي لم يكن شائعاً حينها، ولتجيبني عن أسئلة كثيرة، أهمّها: لماذا يتطلبّ منا الأمر كنساء وفتيات كل هذه السنوات كي نحب أجسادنا؟

تقول صنديد إن الكثير من النساء والفتيات دخلنّ عيادتها منذ أكثر من عقد وحتّى اللحظة، ومن المشاكل الأساسية التي تلاحظها هي الصورة النمطية المفروضة عليهنّ، وتشرح لرصيف22: “التماثل مع هذه الصورة يخلق ضغطاً كبيراً لدى النساء والفتيات من الجيل الجديد، تحديداً مع انفتاح الحياة على مواقع التواصل الاجتماعي. الجيل الجديد لا يُدرك أن الصور التي يتم نشرها بإمكانها أن تكون معدّلة، التقطت من زاوية محدّدة أو أن صاحبتها استثمرت الكثير من المال والوقت كي تحصل على هذا الجسد وأنه من غير العادل مقارنة أم لثلاثة أطفال تعمل داخل المنزل وخارجه، أو فتاة مراهقة بعارضة أزياء أو فاشينيستا عملها الأساسي في الحياة هو الاهتمام بشكلها. هذه المقارنة تخلق لدى الفتيات شعوراً دائماً بالتقصير وتشعرهنّ أن رحلتهنّ الخاصّة مع أجسادهن غير كافية”.

تضيف غنى أن المشاكل الأخرى نابعة من المجتمع، تحديداً الأهل والعبارات التي يستخدمونها مع أطفالهم، وتعطي مثلًا عن أم دخلت إلى عيادتها مع ابنتها واصفة إياها بـ “من هي وزغيرة دبدوبة” لتوجّهها غنى نحو المصطلحات السليمة مثل: “لديها وزن زائد”، على الرغم من أن الأم نفسها تعاني من الوزن الزائد. وتكمل أنه من الضغوط الممارسة على النساء ربط النجاح مباشرة بوزنهنّ، فيقال للمرأة البدينة إنّها لن تحصل على الوظيفة التي تريدها ولن تجد رجلاً يحبّها، وفي حال وجدته ستعاني من مشاكل في الخصوبة. وبالتالي الحلقة تستمر وتمتد من الطفولة والمراهقة وتدخل إلى الحياة المهنية والعاطفية. وهذا تحديداً ما عانت منه مدى صادق.

لكل مرحلة جسد

تصل مدى صادق (26 عاماً) وهي فنّانة تشكيلية إلى جلسة التصوير متأخّرة، ذلك لأن خزانة ملابسها أبت أن تفتح، وهي مصرّة على ارتداء فستانها الأسود العالق بداخلها.

تدخل، تجلس فوراً وتسأل هل الكحل على عينيها مرسوم بأسلوب متوازٍ. فهي لم تنظر إلى المرآة جيداً، وذلك لأن رؤية انعكاسها لا تعني لها شيئاً فهي تدرك أنّها جميلة وليست بحاجة إلى تأكيد جمالها عبر تأمّل نفسها، بل تستخدم المرآة فقط عند الحاجة.


مدى صادق. تصوير جنى خوري

في الصغر وصولاً إلى المراهقة كانت تعيش مدى بجسد نحيف، وكانت تحبّه. خلال سنتها الجامعية الأخيرة أصبح جسدها ممتلئاً وأحبّته أيضًا، وفي العام 2018 بلغ وزنها 103 كيلوغرامات بعد أن كسبت 30 كيلوغراماً في عام واحد، وأحبّت جسدها أيضاً.

حينذاك لم ترَ مدى أنها بدينة، فحين كانت تضيق ملابسها عليها كانت بكل بساطة تبتاع ملابس جديدة. لكنّ المجتمع والمحيط أدركا بدانتها، تقول: “علاقتي بالطعام هي علاقة حب وقلق. أجمع العائلة والأصدقاء حول مائدتي وأطعمهم، وألجأ إلى الطعام منذ الطفولة كوسيلة للتعبير عن مشاعري، إلا أن أسلوب التأقلم هذا توقّف حين أجريت عملية قص المعدة”.

من النواحي الاجتماعية تؤكّد أنه لم تكن لديها مشكلة مع شكلها بل مجرّد قلق من المحيط، وتربط تقبّلها لنفسها بالثقة التي مدّها بها والدها منذ الصغر وبحب شريكها الدائم لها، وتوضح: “المجتمع الشرقي لديه مشكلة مع جسدي، العائلة كان لديها مشكلة مع جسدي، أمّي التي أحبّها كثيراً كان لديها نفس المشكلة وكانت تعبّر عنها بأسلوب تواصل لا أجده صحياً، وتقلّبت عبر السنوات علاقتي معها بتقلّب وزني. وكان مطلوباً منّي أن أحافظ على شكل معيّن طوال الوقت”.

 في نهاية المطاف ستتعلّمين بالطريقة الصعبة أحيانًا، أن تحبّي كل تفاصيلك، التي هي من الأساس جميلة لكن لم يكن لك القدرة على رؤيتها

في العام 2019 أجرت مدى التي تعمل معلّمة مدرسة عملية لأسباب صحية وليس لأنها أرادت أن تغيّر شكلها، ومن بعدها فقدت متعة الطعام وصارت تتناوله بكميات محدودة. لكنّها في المقابل كسبت سنوات إضافية من حياتها. وعن الجسد الجديد الذي تسكنه، تقول: “في البدء لم أتقبّل جسمي النحيف، وشعرت أنّي فقدت شخصيتي، لكنّي تعلّمت أن أعيد ترتيب مشاعري وفهمت أن لكل مرحلة في الحياة جسداً خاصاً بها، وأنا أحب كل أجسادي”.

استطاعت مدى أن تحمي نفسها من التنمّر الاجتماعي لأنها تعلّمت باكراً كيفية إقصاء كل من يزعجها، الأسلوب الذي لا تحظى به كل الفتيات. لكنّها خضعت من نواح أخرى، عبر ارتداء ملابس يتقبلها المجتمع الذي لا يحب أن يشاهد جسد امرأة بدينة، أو أن يبيعها الملابس. وعن هذه النقطة بالتحديد، تقول: “في لبنان، المرأة التي لا تملك جسماً نمطياً يتم إقصاؤها من عالم الموضة، وهذا ما كان يحصل معي. كنت أذهب للتبضّع ولا يتوفّر أمامي سوى ملابس عادية جداً أو موظّفة جاهزة للتعليق على وزني وكأنّ النساء الممتلئات لا يكترثن لملابسهنّ. وفي حال توفّرت تلك التي تعجبني وتشبهني تكون أسعارها مرتفعة لأنها محصورة بمحال محدّدّة. لكن حين كنت أسافر إلى أوروبا أو أميركا كنت أحظى بتسوّق عادل مثلي مثل كل النّساء”.


مدى صادق. تصوير جنى خوري

تفيد غنى صنديد بأن الفتيات في وقتنا الحالي لديهنّ نسبة وعي عالية تجاه أجسادهنّ، وتعتبر أن نقطة التصالح الأساسية مع الجسد عليها أن تبدأ من الذات، وتقول: “يوجد حالياً اتّجاهان متطرّفان بالتعامل مع شكل الجسد، الشكل الأول، الذي نعرفه جيّداً هو ذلك الذي ينمّط المرأة، أما الشكل الثاني الذي يواجه الأوّل، فهو الذي يقول لها أن تكون كما تريد. هذا الأخير وعلى الرغم من أهميته لا يعني أنه يجب إهمال الجسد من النواحي الصحية. كما يجب أن تدرك الفتاة أنّ هذه الاتجاهات قد تتبدّل مع الوقت، في السابق حين كنّا نشاهد أم كلثوم أو سميرة توفيق بجسديهما الممتلئين على المسرح كنا نرى أن هذا المشهد عادي، اليوم تغيّر. ولذلك الحل الأفضل هو أن تستمع كل امرأة إلى ما تريده هي وأن تعرف وتعمل على هذه الأسس النابعة من داخلها”.

بعد السرطان... أرتاح في جسدي الجديد

صادفت دونا ماريا نمّور (29 عاماً) في أماكن عدّة في بيروت ودائماً ما كنت أراها ترقص غير مبالية بما يدور حولها. تحمل جسدها وتتمايل به كما يحلو لها، وتعكس على كل من يشاهدها ثقتها بنفسها. ولذلك حين قرّرت أن أكتب عن علاقة النساء بأجسادهنّ تواصلت معها.

دخلت دونا إلى منزل جنى حاملة فستانها المزيّن بورود زهرية صغيرة، وحين طلبت منها الأخيرة أن تستلقي على الكنبة كي تلتقط صورها، وافقت فوراً. خلعت فستانها، أحاطت جسدها بالشرشف الأبيض وأعلنت أنها تحب كل جزء وتفصيل فيه، ابتداءً من وزنها وصولاً إلى التشقّقات والسيلوليت، وتعترف أن الوصول إلى هذه الثقة المرسّخة بداخلها كانت طويلة.


دونا ماريا. تصوير جنى خوري

تحكي دونا التي تعمل في جمعية “حلم” في بيروت أنها لطالما كانت تحمل وزناً زائداً وجسمها لم يطابق يوماً المعايير الاجتماعية، لكنّها فرضت حبّه على ذاتها وعلى غيرها. هذا الحب تلاشى العام الماضي بعد إصابتها بمرض السرطان واكتسابها 32 كيلوغراماً بسبب العلاج، تقول:”كرهت نفسي كثيراً، وهذا الكره لا علاقة له بمعايير المجتمع بل بمعايير الجمال التي أضعها لنفسي والتي لم تطابق شكلي، وذلك بعد أن فقدت شعري الطويل والوزن فُرض عليّ”.

على الرغم من هذه التغييرات الخارجة عن إرادتها، لم تخبّئ دونا جسدها بل تعاملت معه على أساس أنه موجود. وذلك لأنّها تؤمن أن راحتها مع نفسها عليها أن تنبع من قرار ذاتي. تقول: “عانيت من فائض قلق تجاه الطعام سبّبته لي العائلة عن غير قصد ومن قلّة ثقتي بنفسي. في إحدى المرات أجبرت على إخراج الفحوص كي أبرهن لأحدهم أن جسمي يتمتع بصحّة جيّدة. ووصلت لمرحلة أبحث فيها عن القبول الدائم من الخارج، من الشركاء والعائلة وكل من أصادفهم. مع الوقت، تحديداً حين بلغت الـ25 من العمر وبعد أن فقدت كل شيء قرّرت أن أغيّر أسلوبي مع نفسي وأن أفرضه على كل من حولي، ووسائل الدفاع التي كنت أستخدمها لحماية النساء من حولي، بدأت باستخدامها لحماية نفسي، في البدء كنت عدائية، لاحقاً صرت أتعاطى مع الموضوع على أساس أنه عادي. وبالنتيجة فهمت أنه حين أحببت نفسي، فرضت على كل من حولي أن يتعاطوا معي بحسب معايير هذا الحب”.

” فهمت أنه حين أحببت نفسي، فرضت على كل من حولي أن يتعاطوا معي بحسب معايير هذا الحب”

وتضيف: “لست مسؤولة عن النوايا أو عن الأفكار المسكوت عنها، لكنّي مسؤولة عن ردع كل ما هو سلبي. كلمة “إنت حلوة” لا توقف التنمّر أو الضغوط أو الخوف من الطعام. وكل ما هو خارجي لا يمكنه أن يبدّل رأي امرأة بنفسها. ما عليه أن يحصل هو ثورة داخلية فردية, توقف العنف الموجّه نحو جسد الفتاة المعنية. لا يمكننا الذهاب إلى المخفر وإقامة محضر بحق من يهين أجسادنا، ولذلك على المرأة أن توقف سلسلة التعنيف عبر مواجة المجتمع الذي سيخضع في نهاية الأمر لحدودها الخاصّة”

بعد شفائها من مرض السرطان، وعلى عكس قناعاتها السابقة قرّرت دونا أن تجري عملية قص معدة، والسبب الأساسي هو أنها أنهت معركة شرسة وربحتها، والآن حان وقت أن تدخل مرحلة جديدة بجسد يشبهها، تقول: "في مرحلة معينة قرّرت أن أتقبّل حدود إرادتي، فبعد أن انهيت 12 جلسة من العلاج الكيماوي لم أرد ان أبدأ معركة جديدة مع جسدي، أردت أن أرتاح. اليوم وزني 89 كيلوغراماً وأنا مغرمة بكل تفاصيله المحفورة على جلدي والتي تحكي عن تجاربي، من ندوب السرطان التي تشهد على شفائي وصولاً إلى السيلوليت الشاهد على عذاب سنة من خسارة الوزن. أنا جميلة جداً. هذا المنظر الذي أراه أمامي يعجبني وبإمكانه أن يبقى معي. طبعاً، التخبّطات موجودة، فنحن كائنات تتبدّل بتبدّل الأحوال العامة والخاصّة، وأحيانا التقبّل لا يكون سهلاً لكن من حقي أن أمتلك كل التفاصيل الجميلة والقبيحة بحسب معاييري الخاصّة”.


دونا ماريا. تصوير جنى خوري

تشرح غنى صنديد، اعتماداً على التغيّرات الحاصلة في لبنان منذ العام 2019، أن الحجر الصحّي والانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار الحاصل أثّرت بشكل مباشرة على علاقة الأفراد في لبنان مع أجسادهم، لأن الكثير منهم لم يعد باستطاعتهم شراء الأطعمة الصحية ويلجؤون في الوقت الحالي إلى تناول الحبوب والنشويات لأنها أرخص. كما أن تكلفة التسجيل في النوادي الرياضة صارت مرتفعة، هذا إذا ما كانت أبوابها لا تزال مفتوحة. وتعتبر أيضاً أن هنالك مشكلة كبيرة مرتبطة بالدعايات التي يتم نشرها حول وسائل غير صحية يمكن اعتمادها لخسارة الوزن، مثل الشاي المنحّف أو الحبوب التي لا تحتاج إلى وصفة.

وتشير إلى نقطة مهمّة وهي أنه في معظم الأحيان لا تؤخذ خصوصية الأجساد بعين الاعتبار. فبعض النساء يعانين من مشاكل صحية جسدية مثل تكيّسات المبيض ومن اضطرابات تناول الطعام مثل البوليميا والانوراكسيا، أو من نحافة زائدة، أي أنه لكل جسد تفاصيله الخاصّة وبالتالي حميته الغذائية التي تناسبه.

ملابسي جميلة إذاً أنا جميلة

عاشت يارا ب. (24 عاماً) وهي مقيمة في بيروت، بدوّامة منذ الطفولة في ما يخص علاقتها بجسدها. بدأت بالخضوع لحمية غذائية في سن الثامنة من عمرها، وعانت لاحقاً من اضطرابات الأكل.

في الماضي، حتى لو شعرت يارا بالتقبّل تجاه جسدها كانت العائلة تنسفه بعبارات مثل: “بس لو بتنزلي 5 كيلو”، ليُصيبها ما تصفه بـ: “مطاردة الـ 5 كيلو”.

تقول يارا إنها عاشت لمدّة 15 عاماً صدمات متكرّرة مع جسدها ممّا جعل الحياة صعبة جداً، تشرح: “كنت أحرم نفسي من الطعام ومن ثمّ أدخل في حلقات شراهة. عانيت من الاكتئاب والفعل الوحيد الذي جعلني أشعر بالسعادة هو الاستيقاظ صباحاً وارتداء ملابس جميلة. شعاري للتأقلم ومواجهة الصعوبات كان: في حال كانت ملابسي جميلة سأظهر بشكل جميل، إذاً سأشعر أنّي بخير”.


يارا.ب. تصوير جنى خوري

بالعودة إلى مشكلة الـ”5 كيلو”، تقول يارا إنها عندما تنظر إلى صورها التي التقطتها في العام 2019 حين كانت أنحف، تُصدم كيف أن مظهرها كان جيداً لكنّها حينها لم تكن مدركة هذا الشعور أو مقتنعة بشكلها. كانت ترى نفسها بطريقة مختلفة عن الواقع، وجسدها في رأسها لم يكن كما هو، تقول: “بين الحين والآخر، عندما تطغى مشاعري السلبية على حياتي أعود وأذكّر نفسي أن جسدي مرّ عليه الكثير من الأشياء، وأنه يجب أن أكون فخورة به، إذ بغض النظر عن كل شيء هذا الجسد لا يزال يحملني بداخله”.

في بعض الأيام تكون جيدّة وفي بعضها الآخر قد تكون سيئة، قد تقف يارا أمام المرآة وتدخل في موجة قلق وتتعامل مع جسدها على أنه مليء بالعلل، وهذه المشاعر المتناقضة جعلتها تصف علاقتها مع جسدها بعلاقة حب وكراهية.

”كرهت نفسي كثيراً، وهذا الكره لا علاقة له بمعايير المجتمع بل بمعايير الجمال التي أضعها لنفسي والتي لم تطابق شكلي”

من النواحي الاجتماعية تحكي يارا أنه من الصعب أن تكوني الفتاة الأكبر حجماً بين صديقاتك، وحتى حين يحاول المحيط أن يتفوّه بتعابير لطيفة فهو بطريقة غير مباشرة بتسبب بأذية، وهذه التفاصيل تشكّل عائقاً أمام النمو بأسلوب صحي، كما أنها تعتقد أن الكثير من العادات السيئة التي اكتسبتها في ما يخص علاقتها مع الأكل، نابعة من هذه التفاصيل المؤذية، ومن عائلتها التي لم تعِ كيفية التعامل معها، وبالتالي كي تشفي يارا نفسها من كل هذه التفاصيل التي سبّبت لها أوجاعاً لجأت إلى خزانة ملابسها.

اليوم يارا بخير، وتعمل بجهدها الخاص على التخلّص من الوزن الذي اكتسبته أثناء الحجر الصحي خلال تفشي وباء كورونا، وتقول: “حالياً أنا وجسدي على وفاق، أقوم بالتمارين الرياضة اللازمة وبإمكاني القول إن شعوري جيّد، وإن كنت سأوجّه رسالة لجسدي السابق، أو لنفسي السابقة، فستكون: هذا جسمك، جسمك الوحيد. عليك أن تحبّيه وتهتمّي به، بغض النظر عن كل شيء”.


يارا.ب. تصوير جنى خوري

تؤكّد غنى صنديد أنه حين نبدأ برحلتنا مع أجسادنا علينا أن نبدأها بحسب رغباتنا نحن، وليس بحسب ما تريده الأم أو ما يريده الزوج، لأنه في هذه الحالة ستبدأين بتغيير جسدك من أجلهم ومن ثم شعرك وملابسك، تقول: “حين تدخل فتاة إلى عيادتي أسألها بطريقة مباشرة عن الشكل والوزن اللذين تريدهما. وبحسب قدراتها ومسارها الخاص نبدأ بالعمل على تحقيقه”.

ما نحاول أن نعكسه من خلال هذه القصص هو أن أجسادنا، مهما كان شكلها، هي أساس وجودنا على هذا الكوكب، وبها نعيش ونحيا. أحياناً قد نكرهها وأحياناً أخرى قد نحبّها، وهذه المشاعر ستتبدّل دائماً. ولكل فتاة مراهقة لم تكتشف بعد حبّها لجسدها، أردنا أن نقول إن الطريق قد تكون طويلة لكن حاولي أن لا تستمعي إلى التعليقات وأن تحبّيه منذ الآن كي توفّري سنوات من التعب، لانّك في نهاية المطاف ستتعلّمين بالطريقة الصعبة أحيانًا، أن تحبّي كل تفاصيلك، التي هي من الأساس جميلة لكن لم تكن لك القدرة على رؤيتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard