"أنا هنا بسلطة الأمة"... رائد المعارضة في البرلمان المصري عبد السلام المويلحي

الخميس 21 أكتوبر 202110:41 ص

في أواخر عام 1866، أسس الخديوي إسماعيل (1830-1895) أول مجلس نيابي في مصر، تحت مسمى "مجلس شورى النواب"، لكنه لم يكن يدري أنه سيكون بوابة للمعارضة في البلاد.

فحينما قرر الخديوي فض عمل المجلس، إثر خلاف بين أعضائه والحكومة، اعترض أحد نواب القاهرة، ويدعى عبد السلام المويلحي، قائلاً: "أنا هنا بسلطة الأمة ولن نخرج من هنا إلا بقوة الحراب".

"أول صوت ضد الاستبداد"

تروي عايدة العزب موسى، في مؤلفها "130 عاماً على الثورة العرابية: قصة مصر والمصريين"، أن عبد السلام المويلحي "وُلد سنة 1847، وأراد والده أن يوجهه وجهة العلم فأدخله الأزهر عندما شبّ، وكان والده السيد إبراهيم عبد الخالق يعمل في التجارة، ومن أشهر تجار الشرق في الحرير".

ويصفه أنور الجندي في كتابه "أعلام لم ينصفهم جيلهم" بأنه "أوّل صوت ضد الاستبداد"، موضحاً: "لأول مرة، يقف رجل في مجلس شورى النواب عام 1876 وفي ظل استبداد الخديو إسماعيل ليقول: إن القانون الخاص بالشؤون المالية لم يعرض على المجلس، مع أن سائر ما يختص بالإدارة العمومية من تحصيل أموال وفرض ضرائب ووضع لوائح أو قوانين إنما يقصد به الأهالي".

ويؤكد محمد سالم، في الجزء الثاني من مؤلفه "الشوقيات المجهولة"، أن المويلحي كان "زعيم المعارضة في عام 1879، بأول مجلس نيابي تأسس في مصر عام "1866.

ويشير المؤرخ عبد الرحمن الرافعي إلى أن المويلحي كان أحد تلامذة جمال الدين الأفغاني، رائد النهضة الحديثة، ويقول في مؤلفه "عصر إسماعيل": "ظهرت روح اليقظة والمعارضة في مجلس شوری النواب على يد نواب نفخ فيهم (أي الأفغاني) من روحه، وعلى رأسهم النائب عبد السلام المويلحي، الذي يُعَدّ من تلاميذه الأفذاذ".

ومما يدل على عمق صلته بالأفغاني أن الأخير أورد في إحدى مفكراته الخاصة التي كان يدوّن فيها ملاحظاته وخواطره، قائمة بأسماء الأشخاص الذين ترسل إليهم صحيفة "العروة الوثقى" من باريس، بلا مقابل، وكان من بينهم المويلحي، بحسب علي شلش، في مؤلفه "جمال الدين الأفغاني بين دارسيه".

"ميرابو مصر"

تروي عايدة العزب موسى تفاصيل اعتراض المويلحي على فض المجلس: "عندما استصدر الخديو أمراً عالياً بحل المجلس لانتهاء مدته وأرسل برياض باشا، ناظر (وزير) الداخلية، رئيس النظار، يتلو على النواب أمر الحل، وقف نائب القاهرة عبد السلام المويلحي، الذي كان أمل الأحرار في المجلس النيابي، يردد على مسامع الأخير وأعضاء المجلس جميعاً العبارة التاريخية التي قالها ‘ميرابو’ يوم بعث لويس السادس عشر رسوله يحل الهيئة التمثيلية الفرنسية: ‘أنا هنا بسلطة الأمة ولن نخرج من هنا إلا بقوة الحراب!’".

ويحدد نبيل زكي في مؤلفه "صحافة وصحفيون"، أن هذه الواقعة كانت بتاريخ 27 آذار /مارس 1879، لافتاً إلى أن المويلحي صاح في وجه ناظر الداخلية، بقوله: "كيف ينفض المجلس؟ إن الأهالي قد أنابوا عن أنفسهم نوابا للمحاماة عن حقوقهم، فمن الواجب أن يعرض جميع ما يتعلق بالأهالي على نوابهم لينظروا فيه ويتدبروه. من المستحيل أن ينفض المجلس. إننا هنا سلطة الأمة، ولن نخرج من هنا إلا بقوة الحراب".

ويشير زكي إلى تلقيب المويلحي أطلق عليه بـ"ميرابو مصر"، في تشبيع مع "الكونت دي ميرابو"، خطيب الثورة الفرنسية، الذي كان قد أطلق، في موقف مشابه، عندما اقتحم جنود ملك فرنسا مجلس طبقات الأمة، صيحته الشهيرة: "إننا هنا بإرادة الشعب، ولن نخرج إلا على أسنة الرماح"، و"كانت تلك العبارة قد مهدت للثورة الفرنسية الكبرى"، بحسب زكي.

العبرة بالرؤوس لا بالزي

تروي عايدة العزب ما حدث عقب ذلك: "لما ألقى عبد السلام المويلحي تلك العبارة التاريخية في وجه رياض باشا، أخذ يحاججه بقوله: ‘هل تريد بعمائمنا وبلغنا (أحذيتنا) أن نقلد نواب أوروبا وأمريكا؟’، فأجاب المويلحي: ‘إن العبرة بالرؤوس لا بالزي’، فصاح رياض: ‘أنتم عصاة’".

وعندما بدأ رياض باشا في الهجوم على المصريين، اعترض عليه المويلحي علناً في المجلس، قائلاً: "من ضمن ما قلتموه أن أهالي مصر همج، وأنه لا يوجد فيهم عشرة يفهمون ما يقال في الصحف، مع أنه لا يصح نسبة جميع أهالي الوطن لهذه الحالة التي لا تليق"، بحسب أنور الجندي.

حينما قرر الخديوي فض عمل المجلس، إثر خلاف بين أعضائه والحكومة، اعترض أحد نواب القاهرة، ويدعى عبد السلام المويلحي، قائلاً: "أنا هنا بسلطة الأمة ولن نخرج من هنا إلا بقوة الحراب"

إثر ذلك، نادى المويلحي السكرتير العام للمجلس: "قيّد في المضبطة حرفياً كل ما دار من حديث بيننا وحضرة الناظر، حتى إذا ما نشر اليوم في الجرائد واطّلع عليه القراء علموا مَن هم الهمج: النواب أم النظار!".

وتشير عايدة موسى إلى أن "رياض باشا كان قد استدعى بارحة ذهابه لحل المجلس أصحاب الجرائد اليومية في ذلك العهد، وأخبرهم بنية النظارة وما ستجريه في الغد من حل المجلس، وقال لهم: ‘حذار أن تكتب واحدة من جرائدكم كلمة لمصلحة هؤلاء الهمج’، وكان هذا الحديث قد علم في الصباح، وعرفه النواب قبل اجتماعهم".

وعن السبب وراء قرار فض المجلس، يقول إسماعيل محمد زين الدين، في مؤلفه "المعارضة في البرلمان المصري"، إنه كان احتدام الجدل بين أعضاء المجلس والحكومة، حول ميزانية الدولة وكيفية مناقشتها، وظهر عجز الأخيرة أمام قوة المعارضة، مضيفاً: "هدد النائب عبد السلام المويلحي الحكومة بقوله: ‘إن المجلس طلب عدم قطع أمر في أي شيء كان إلا بإشراكه'".

الخديوي إسماعيل يستجيب لمطالب النواب

جرأة المويلحي جنت ثمارها، وهو ما أكدته مؤلفة 130" عاماً على الثورة العرابية"، بقولها: "كان من نتيجة هذه الجرأة التي أقدم عليها عبد السلام المويلحي أن قصد النواب إلى القصر وقابلوا الخديو الذي أسقط الوزارة ولم يحل المجلس، وعهد بالنظارة على إثرها إلى شريف باشا، الذي سميت نظارته ‘النظارة للدستورية الأولى’، لأنه ألف في اليوم الثالث لتشكيل نظارته لجنة وضعت دستوراً جديداً لمجلس نيابي واسع الاختصاص، وكان عبد السلام المويلحي عماد هذه اللجنة".

ويدعم الدكتور عبد الحليم رضا هذا الطرح. يقول في مؤلفه "التغيير الاجتماعي وهيكلة المجتمعات المعاصرة": "أصدر الخديو قراراً بتكليف شريف باشا بتشكيل وزارة وطنية، وأعدّ مشروع الدستور الجديد، ووضع مشروعاً وطنياً لسداد الديون، وعقد مجلس شورى النواب جلسة لمناقشة مشروع الدستور، وشكل لجنة برئاسة عبد السلام المويلحي لدراسة المشروع، ثم صدق المجلس بعد ذلك على مشروع الدستور وقانون الانتخاب".

"ظهرت روح اليقظة والمعارضة في مجلس شوری النواب على يد نواب نفخ فيهم (جمال الدين الأفغاني) من روحه، وعلى رأسهم النائب عبد السلام المويلحي، الذي يُعَدّ من تلاميذه الأفذاذ"

ويسلط زين الدين الضوء على هذا الأمر أيضاً، بقوله: "كان من النتائج المهمة لبلوغ المعارضة الوطنية هذا القدر من القوة، كما أوضحت المناقشات التي دارت بين الأعضاء وممثل السلطة، استقالة وزارة رياض باشا، وخلفتها وزارة شريف باشا، وأعلن الخديو قبوله اللائحة الوطنية التي كانت تتضمن مشروع تسوية مالية، كما طالبت بتعديل مجلس شورى النواب بحيث يكون له من السلطات الحقيقية ما للمجالس الأوروبية المماثلة، مع تقرير مبدأ المسؤولية الوزارية".

وبالفعل، أتمّت اللجنة الدستور وأصدرته نظارة شريف باشا، التي ظلت في الحكم إلى أن عُزل إسماعيل وجاء الخديو توفيق (1852-1892)، فأسقطها ثم حل المجلس، بحسب العزب.

وتكشف المؤلفة أنه "وقعت بعد ذلك الحوادث العرابية الأولى، فعُزل رياض باشا، وألّف شريف باشا نظارته الدستورية الثانية، وشكل لجنة جديدة لتحضير الدستور الجديد (دستور سنة 1881)، وعهد برئاستها إلى عبد السلام المويلحي، على أن يحضرها ناظر الداخلية محمود سامي البارودي".

وعلى إثر خلاف بين اللجنة وناظر الداخلية بسبب مادتين في مشروع الدستور الجديد، تنصان على عدم جواز انتخاب العسكريين، وعلى أن تضع ميزانية الدولة لجنة مؤلفة من سبعة نواب إلى جانب مثلهم من النظار، استقال المويلحي من رئاسة لجنة الدستور.

وتوكد عايدة العزب: "ظل عبد السلام في المجلس لكنه آثر الابتعاد عن الشؤون السياسية والاشتغال بالمسائل الداخلية البحتة، وقدّم مشروعاً لتعميم التعليم الأوّلي، وكذلك وضع مشروعاً آخر بتأسيس بنك قومي، أراد عرابي أن يعيره عناية فألف لجنة عهد برئاستها إلى المويلحي نفسه".

وعندما وقعت مذبحة الإسكندرية، في 11 حزيران/ يونيو 1882، وبدأ الخلاف بين الخديوي توفيق والعرابيين، غادر المويلحي مصر، وأقام في بيروت مع أسرته ستة أشهر إلى أن انتهت الثورة بدخول الإنكليز، فعاد مرة أخرى، بحسب العزب.

جريدة أفضل من مجلس نواب

يشير أنور الجندي إلى أنه "عندما ألغي مجلس النواب وجاء مشروع لورد دوفرين (المندوب السامي البريطاني)، بإنشاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، انتخب مندوبو القاهرة عبد السلام باشا المويلحي عن الموسكي، واجتمع المندوبون في دار المحافظة لانتخاب نائب القاهرة في مجلس الشورى، فقال شريف باشا: ‘أما عضو مجلس الشورى فمعروف وهو عبد السلام المويلحي باشا كما كان دائماً’، فأجاب عبد السلام باشا أنه لا يقبل العضوية هذه المرة!".

دهش المجتمعون وسألوا المويلحي عن السبب، فأجاب، حسبما يروي الجندي: "إني أرى أولى لي أن أصدر جريدة يمكنني أن أخدم بها بلدي أكثر من عضويتي في مجلس اختصاصاته مبتورة وقانونه يحرم إعادة الرأي في موضوع يعرض، في حين إذا أصدرت جريدة فإن أي موضوع يعرض لي أكتب فيه مرة ثانية وثالثة وألح في إنفاذه، فالجريدة أفضل من المجلس بقيوده".

وتؤكد عايدة العزب أن المويلحي ابتعد عن عضوية المجالس التمثيلية لكنه ظل ملجأ مَن يقع عليهم ظلم يتصل بشأن من الشؤون العامة، وفي سنة 1900 عيّنه الخديوي عباس الثاني (1874-1944)، "سرتجار" للقاهرة (رئيس تجارة المدينة)، وظل متولياً هذا المنصب إلى أن توفي في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1910.

ولفت يحيى حقي، في كتابه "أوراق مطوية"، إلى أن المويلحي كان من بين الذين رثاهم أمير الشعراء أحمد شوقي. وكشف محمد صبري عن القصيدة، في الجزء الثاني من مؤلفه "الشوقيات المجهولة":

وقور في الحوادث لا يبالي/ سيوف البغى تغمد أو تسل

وأقطع من سيوف الهند حداً/ لسان لا يهاب ولا يزل

كبير في المواقف لا جهول/ بآداب الخطاب ولا مخل

يسيل فصاحة ويفيض علماً/ وخطبة بعضهم عِي وجهل

فسر عبد السلام إلى كريم/ يلوذ به الكريم ويستظل

بكاك الناس أحباباً وأهلاً/ بأحسن ما وفي للخل خل

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard