من السّراويل القصيرة إلى خيوط السترينغ... الملابس الداخلية، نظرة تاريخية وثقافية

الجمعة 15 أكتوبر 202104:25 م

في البدء كانت سراويل الفراعنة... إذ يعود أوّل استخدام لملابس داخلية واضحة المعالم، كما تبينه عدّة دراسات مبنية على حفريات، إلى مصر القديمة. باستطاعتنا اليوم زيارة المتحف الكبير المصري للتفرّج على قطع من الـ"أندروير" الخاصّة بتوت عنخ آمون والتي تمّ اكتشافها في مقبرته سنة 1922، وكانت مرتبة ومحفوظة وكأنها مهيأة للاستخدام.

قد يكون الفرعون المصري الشّهير ينوي اللجوء إليها في حياة شهوانية يخطّط لها في العالم الآخر بعد طقوس العبور التي كان يقيمها المصريون القُدامى.

بعض القطع من الملابس الدّاخلية التابعة لتوت عنخ آمون. المتحف المصري الكبير القاهرة

وقد كانت هذه القطع عبارة عن أقمشة مستطيلة، تتنوّع مادتها من جلد أو حرير وغيرهما، تشد إلى الحزام وأخرى تُلفّ على الرّدفيْن. وكانت الحريرية منها تخصّ الأثرياء وحدهم دون غيرهم، بينما كان العبيد شبه عراة.

ولمتأمّل اللوحات التذكارية الفرعونية أن يلحظ أنها أحياناً مبطّنة ببعض الأقمشة الأخرى، وهي ما يمكن اعتبارها من أولى أشكال أو من أسلاف ملابسنا الدّاخلية اليوم الأكثر تميزاً بدقّتها وتنوّعها وألوانها العديدة.

وتُعدّ المرأةُ الفرعونية من ناحية أخرى أوّل من ارتدت الملابس الدّاخلية المتركّبة من حمّالة صدر لا تختلف عن حمّالات اليوم، مثلما تبينه عدّة رسوم نجدها على جنبات المعابد لنسوة يرتدين صراحة ملابس داخلية تُطل من تحت أثواب شفّافة.

 في البدء كانت سراويل الفراعنة... إذ يعود أوّل استخدام لملابس داخلية واضحة المعالم، كما تبينه عدّة دراسات مبنية على حفريات، إلى مصر القديمة. باستطاعتنا اليوم زيارة المتحف الكبير المصري للتفرّج على قطع من الـ"أندروير" الخاصّة بتوت عنخ آمون والتي تمّ اكتشافها في مقبرته سنة 1922

استثناء فيلا رومانا دال كازال

هي فيلا تقع في مقاطعة سيسيليا الإيطالية، وقد شُيدت في بداية القرن الرّابع قبل الميلاد، كما تبين الدّراسات التاريخية، تحت طلب أحد الأباطرة الرومانيين المعروفين باسم "مكسيميانوس"، واكتشفت الفيلا سنة 1950 وتحتوي على لوحة فسيفسائية ذات محتوى مباغت: نسوة عابثات وقد يكن راقصات يرتدين ما يشبه "بيكيني" اليوم بلا زيادة ولا نقصان كما تبينه الصّورة:

إذن فقد كانت الملابس الداخلية حكراً على الطبقة المرفهة منذ الحضارة الفرعونية، وامتد ذلك إلى الحضارة اليونانية ثم الرومانية. بينما كان العبيد يكتفون على مدى الحضارات المذكورة بإحاطة خصورهم بخرق قماشية تشد بما توفّر.

طفقا يخصفان 

وبجولة عابرة بين قبائل تعيش بجنوب قارتي إفريقيا وأمريكا، نلحظ أنها تشترك جميعاً في تورية الجهاز التناسلي وجزء من المؤخّرة بخرقتيْن مصنوعتيْن من ألياف الأشجار، وتُشدّان إلى الحزام بالمادّة نفسها، وقد تُزينان ببعض المكوّنات الطبيعية الأخرى مثل القواقع والصّدف، ولعل ذلك تمهيد لدانتيل اليوم.

بينما يظل الصدر عارياً في العموم بالنسبة للجنسيْن، إلا بالنسبة إلى المرأة فيما ندر، ولعل ذلك أمر ظهر حديثاً مع احتكاك تلك القبائل بسكان الحضر و"البيض" الذين جاؤوا مستعمرين اقتصادياً وثقافياً.
ولعلهما خرقتان تحيلاننا مباشرة على الأساطير الدينية الواردة بالتوراة والإنجيل والقرآن، ومنها الأسطورة التي تقرن لجوء آدم وحوّاء للباس الداخلي المُرتجل من الورق الشجري، (يقال أحياناً أنها ورق التين أو التوت وحتى الموز) بعد ارتكاب الخطيئة الأولى: فـ"طفقا يخصفان"، كما في الآية التي تعني امتداد الأيادي باضطراب لتغطية العورة التي أصبحت صنواً لأي شيء مسبّب للحياء.
تُعدّ المرأةُ الفرعونية أوّل من ارتدت الملابس الدّاخلية المتركّبة من حمّالة صدر لا تختلف عن حمّالات اليوم، مثلما تبينه عدّة رسوم نجدها على جنبات المعابد لنسوة يرتدين صراحة ملابس داخلية تُطل من تحت أثواب شفّافة

أما الرواية اليهودية فترى أن الزوجين آدم وحواء، كانا يغطيان عورتها بثوب عجائبي سقط على إثر ارتكاب ذلك الإثم الأصلي العظيم.

 وتقول روايات أخرى أنهما كانا عاريين في فردوسهما الأعلى، غير محتاجيْن لأي سراويل قبل ارتكاب تلك الخطيئة المتمثلة في تذوّق ثمرة من شجرة الفردوس، بينما كانت عورتاهما مغطاتيْن ببعض النّور.

لذلك فأن اقتران هذا اللباس بالخطيئة من تلك العوامل التي جعلته في الحضارتيْن المسيحية والإسلامية واليهودية من الأمور السرية، وقد ظل كذلك إلى حدود القرون الوسطى، حيث أصبح "الكلسون" لباساً ذكورياً تتنوّع أشكاله وألوانه، المهمّ أن يبين كتلة ذكره وخصيتيْه، وأن يجعلها كتلة مهولة قدر الإمكان.

كان على المرأة أن تلجأ للنضال الاجتماعي من أجل ذلك الحق. فبينما كان الرجل ينعم بلباس قطني أو حريري، كانت هي مسجونة فيما يعرف باسم "حزام العفّة" ذي المفتاح، الذي لا يملك سرّه غير الزّوج المنتظر.

حزام حديدي يثقل بدنها الهشّ، وفي غيابه يجعلها بلا قيمة تُذكر وفي مهبّ التهميش الاجتماعي أو العبودية.  

ليست الملابس الدّاخلية من تلك المواضيع المتاح ذكرها لقرون طويلة. أنها "أشياء لا يمكن البت فيها" إلاّ مُداورة. فقد ظلت محظورة إلى حدود القرن الماضي إلا فيما ندر أو فيما كان حميمياً.

سنة 1932، عمد الخياط الباريسي إلى نشر ما أسماه حينذاك "الذرّة" وهو أصغر مايوه في العالم، وبعد حصول العمّال على أولى العطل مدفوعة الأجر سنة 1936، انتشرت أجساد النّساء شبه العاريات لتغطّي شواطئ فرنسا، يجمع بينها تحرّر صنعه نضال وصل إلى حدّ حرق الملابس الدّاخلية في شوارع المدن الكبرى الفرنسية

يمكن أن تتوجّه المرأة المحافظة للبحث عمّا يؤثّث ليلها الضّيق مع زوجها ذي النّزوات الذي يملك زمام شهوتها، فترضخ له دون أن تمتلك الحقّ في استعراض محاسنها إلاّ في غرفة تجمعها مع "حلالها". الأمر يتشابه كثيراً في الديانات السماوية. العري خطيئة والحديث فيما هو حميمي خطيئة أيضاً.

قد نلقى في الكتب التراثية العربية عبارات تُحيل على جسد أنثوي شبه مكشوف أو حتى ذكوري عار، غير أننا نلقى صعوبة حقيقية في تقصّي آثار تلك الألبسة الحميمة، لأنها ممنوعة على كل إباحي وعذري. حتى أن أكبر الشعراء جرأة لم يجرؤ على ذكر السراويل الداخلية، ولعل أجرأهم أبو نواس في قوله:

نَضَت عَنها القَميصَ لصَبّ ماء/ فَوَرَّدَ وَجهَها فُرطُ الحَياء

وَقابَلَت النَسيمَ وَقَد تَعَرَّت/ بمُعتَدل أَرَقَّ منَ الهَواء

وَمَدَّت راحَة كَالماء منها/ إلى ماء مُعَدّ في إناء

فَلَمّا أَن قَضَت وَطَراً وَهَمَّت/ عَلى عَجَل إلى أَخذ الرداء

رَأَت شَخصَ الرَقيب عَلى التَداني/ فَأَسبَلَت الظَلامَ عَلى الضياء

فَغابَ الصُبحُ منها تَحتَ لَيل/ وَظَل الماءُ يَقطرُ فَوقَ ماء

تتوجّه معظم النسوة اللواتي يرتدين النقاب برّاً والبرقع بحراً، لشراء السترينغ الثّوري ذي الخيوط الرّقيقة من أجل ثورات حميمة في غرف ضيقة، هذا عكس الباريسيات اللواتي عمدن إلى حرق ملابسهنّ الدّاخلية للمطالبة بحقّ العراء في أواسط القرن الماضي

اللباس الداخلي والثورة النسوية

سنة 1932، عمد الخياط الباريسي إلى نشر ما أسماه حينذاك "الذرّة" وهو أصغر مايوه في العالم، وبعد حصول العمّال على أولى العطل مدفوعة الأجر سنة 1936، انتشرت أجساد النّساء شبه العاريات لتغطّي شواطئ فرنسا، يجمع بينها تحرّر صنعه نضال وصل إلى حدّ حرق الملابس الدّاخلية في شوارع المدن الكبرى الفرنسية.

وانتشر البيكيني بعد أن صنعه لويس ريارد، ليصبح أكثر الموديلات بيعاً في العالم. وقد أثّر كل ذلك في بلدان العرب على إثر الاحتكاك الاستعماري الذي دارت رحاه في أواخر القرن التاسع عشر ليمتدّ إلى منتصف القرن العشرين.
ثمّة صور كثيرة لجواري عاريات تماماً بصدد صبّ الماء للشيخ التركي بينما هو يستعدّ للصلاة، ولعل ذلك دليل قاطع على أن قانون اللباس الداخلي في سياقه العربي لم يتغير لقرون عديدة في جل البلدان العربية، فيما عدا تونس التي كانت سبّاقة لتحرير العبيد والجواري.

ولعل ذلك ما يفسّر قيام نساء تونس وشابّاتها بأول عرض أزياء وهن يرتدين تلك الملابس الداخلية سنة 2010، غير آبهات لما قد يطالهن من انتقاد من أغلبية تونسية وعربية محافظة.

العربيات المقلدات

قد تحدّثنا بعض الأخبار العربية عن نسوة متمرّدات، إلاّ أن ذلك لم يرقَ إلى مستوى تأسيس فكر نسوي عربي مستقل بذاته. ظلت العربيات متعلقات بحركة شبيهاتهن في القارات المجاورة. لذلك فقط كانت أولى حمّالات الصدر نمساوية، وكان خلعها عبارة عن ثورة لم تخصّ نساءنا لا من بعيد أو من قريب.

ثمة رقصة تونسية في أعراس الأرياف ولعلها ما تزال تجري إلى اليوم، ففي شمال غرب البلاد وفي سهرة نسوية خالصة، ترتفع نار وردية وسط دائرة من النساء الراقصات، أمّا شرط تلك الرقصة فهو أن يكن متخلصات من كل سراويل داخلية مهما قصرت أو حتى كانت سترينغاً شهوانياً

لكن بعد النظر في استطلاع رأي قامت به جريدة "لوموند" الفرنسية، نلحظ الآتي: تتوجّه معظم النسوة اللواتي يرتدين النقاب برّاً والبرقع بحراً، لشراء السترينغ الثّوري ذي الخيوط الرّقيقة من أجل ثورات حميمة وفي غرف ضيقة، هذا عكس الباريسيات اللواتي عمدن إلى حرق ملابسهنّ الدّاخلية للمطالبة بحقّ العراء في أواسط القرن الماضي.

وقد نلقى للعراء العربي جذراً تراثياً واضح المعالم، فنقرأ عبارات من نوع "ألبسة خفيفة" أو "ألبسة شفّافة" أو "ما خفّ من الثّياب" الخ... الأمر الذي يدل على أن العرب من الشعوب التي تتجنب الحديث عن الملابس الداخلية صراحة، لأنها من تلك الأشياء السرية التي لا يجوز البت فيها، مثلها مثل غرف البيت التي تحتلها امرأة والتي لا ينبغي الدخول إليها حتى وإن كانت صاحبة تلك الغرفة شقيقة من الشقيقات.

ارتدت العربيات سراويل متوسطة تصل إلى حد الركبتيْن، فقصيرة تصل إلى أعلى من الركبتيْن قليلاً، إلى البيكيني فالسترينغ، وكان ذلك اتباعاً لا ابتداعاً. غير أن المتأمّل في حضارات بابل الشرقية والبرابرة في المغرب العربي يلحظ أن المرأة كانت أكثر حرية في التعامل مع الجسد. فعشتار وتانيت كانتا آلهتيْن عاريتين، وكانت النصوص المتعلقة بهما نصوصاً تتغنّى بالجنس والخصوبة والبدن، وما يوضع فوقه للتدفئة أو لاتقاء الحرّ.

ثمة رقصة تونسية في أعراس الأرياف ولعلها ما تزال تجري إلى اليوم، ففي شمال غرب البلاد وفي سهرة نسوية خالصة، ترتفع نار وردية وسط دائرة من النساء الراقصات، أمّا شرط تلك الرقصة فهو أن يكن متخلصات من كل سراويل داخلية مهما قصرت أو حتى كانت سترينغاً شهوانياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard