الحبل شَنَقَ العدالة في العراق وترك صدام حسين حياً

الخميس 9 سبتمبر 202101:52 م
Read in English:

Hanging Justice in Iraq as Saddam Remains Very Much Alive

الكره والرغبة بالثأر أفقدا قوى المعارضة العراقية المتضررة من حكم صدام حسين، والتي عادت منتصرة بإزالة نظام البعث، إمكانية السيطرة على أعصابها تجاه مَن تجبّر عليها وقتل أعضاءها ومناصريها وشرّدهم وأدخلهم في حروب نالت منهم ومن وطنهم.

لهذا، حاولَت قوى المعارضة العراقية تجريد الدكتاتور من حقوقه، ولم تتحمّل أن يعامله الحاكم باحترام داخل المحكمة، لتجعله يتجرع بعض ما تجرعته، ويتذوّق طعم "دوائه" الذي عالج به شعبه لثلاثة عقود.

وفي الحقيقة، لم تكن المحكمة بإدارة الحاكم رزكار أمين، والذي تعرّض للنقد بسبب سلوكه الحضاري والحيادي، تُدافع عن حقوق صدام حسين، بل كانت تحاول إثبات بشاعة الديكتاتورية التي حكمت العراق. وبقي القاضي متمسكاً بموقفه المحايد، إلا أن ضغوط مجلس الوزراء والسياسيين على استقلالية المحكمة وتعيين الحكام الجدد والتدخل السافر في مجريات المحكمة جعلته يقدّم استقالته.



العدالة

المحكمة، دار العدل والإنصاف، من أهم صفاتها الحياد وعدم الانحياز. من أجل ضمان هذا الشرط وُضعت لها سلطة مستقلة سُمّيت بالسلطة القضائية، أسوة بالسلطة التنفيذية والتشريعية.

ولأهمية ضمان الحيادية يجري البحث في خلفية أعضاء هيئة المحكمة وعلاقاتهم الشخصية والعامة. ولا يتم إعلان أهلية الهيئة القضائية قبل التأكد من موضوع الحيادية، وقد يُستبعَد أحد الأعضاء نتيجة الاعتراض على حياده من قبل أحد الخصوم، على سبيل المثال لعلاقات القرابة والمصلحة التي تجمعه بأحد المحاكَمين، أو انتمائه إلى جهة معيّنة تدافع عن مبدأ معيّن يتعارض مع التهمة الموجهة إلى المتهم، أو حتى لعلاقته مع أحد الشهود.

تنص الفقرة الأولى من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن "الناس جميعاً سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجَّه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون".

يقول السيد رزكار أمين إن حق الدفاع كان نظرياً واختطاف محامي الدفاع وتهديد الآخرين أثّر سلباً على المحكمة ومصداقيتها، فأرى عدم إعطاء حق الدفاع يفقد الحاكم ميزانه بإنصاف حتى الضحايا.

محاكمات المهداوي

كانت محاكمات المهداوي درساً للعراقيين لم يتعلّموا منه شيئاً. سُمّيت بمحاكمات المهداوي نسبة إلى العقيد فاضل المهداوي، وهي "محكمة الشعب" التي أُنشئت بأمر من عبد الكريم قاسم عام 1958 وانتهت بنهاية حكمه.

يتذكّر العراقيون وزير الداخلية في العهد الملكي سعيد القزاز الذي قال: "أنا أعرف أنكم ستصدرون حكم الإعدام عليّ، ولكنني عندما سأصعد إلى المشنقة سأرى تحت قدمي أناساً لا يستحقون الحياة"

هذه المحاكم بثّت مجرياتها بشكل مباشر على التلفاز وأهين خلالها المتهمون بشعارات وسلوكيات تتنافى مع الحيادية والنزاهة. قال النقّاد حينها وبعدها إن هذه المحاكم كانت الواجهة الإعلامية التي مثّلت ثقافة الدولة في تلك الفترة، وأظهرت بشكل واضح أنها متحيزة. وكانت هناك سلوكيات غير مقبولة أصبحت خنجراً في خاصرة العدالة العراقية مثل رمي الحبال على المتهمين والهتاف: "اعدم اعدم ،لا تكول ما عندي وكت… إعدمهم الليلة".

محكمة صدام وأزلام السلطة

تكررت التجربة عام 2004، في محكمة صدام حسين. كما سابقاً، بُثَّت جلسات المحكمة على الهواء وكانت هناك تجاوزات سافرة على قوانين الإجراءات القضائية، باستثناء فترة القاضي رزكار أمين الذي كان العلامة الحضارية الوحيدة في تلك المحكمة والذي كان بدوره سيحكم على صدام بالإعدام وفقاً للقانون وبأسلوب شفّاف ينصف الشعب قبل المتهم.

مقارنة

ظهر السيد منير حداد، القاضي الذي صادق على قرار إعدام صدّام حسين، وهو يتحدث على شاشة القناة الكويتية، خلال زيارته للكويت، عن الظروف التي سبقت ورافقت فترة إصدار الحكم بالإعدام، بالإضافة إلى مقابلات مختلفة مع هيئة الدفاع ألقت الضوء على تسلط الحكومة والسلطة التنفيذية على السلطة القضائية، ما أطاح بمبدأ الاستقلالية في ذلك الحكم.

والأدهى والأمرّ هو أن الحاكم حداد من عائلة مناضلة اضطُهد أفرادها وعُذّبوا من قبل نظام البعث بحسب ادّعائه. ورغم ذلك، سُمح له بأن يكون حاكماً في تلك القضية. بمعنى آخر، الظالم قُدّم للمظلوم كي يقتصّ منه. وهكذا انتفت صفة الحيادية تماماً في المحكمة.

يدافع حداد بفخر عن قراره بإعدام صدام في يوم العيد، بالرغم من أن الأمر يتعارض مع القانون. ويبرر كذلك صحة قرار اختيار القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن رئيساً للهيئة الأولى في المحكمة الجنائية العراقية العليا التي حاكمت صدّام، رغم أنه كذلك من المتضررين من مجزرة الأنفال، ولديه إخوة معدومون.



الحيادية روح العدل

حدّثني زميل عن جلسة في محكمة استوكهولم نُظر فيها بأمر شخص مروّج للمخدرات، وكانت عليه ستّ قضايا سابقة حُكم عليه فيها ونُفّذ الحكم. في تلك الجلسة الجديدة، كان الحاكم شاباً في نهاية العشرينات من عمره، فطلب من المتهم أن يدلي بأقواله بخصوص ما نُسب إليه في التهمة الجديدة، ولكون النيابة العامة كانت تريد تسفيره من البلد، وبالخطأ، قدّمت ملفه بالكامل ووضعته أمام الحاكم، وهكذا اطّلع الحاكم على تاريخ المتهم الطويل. وبعد أن انتهى المتهم من إعطاء أقواله ونفى صلته ببيع المخدرات المذكورة قائلاً "أنا لا أبيع المخدرات"، قاطعه الحاكم قائلاً: لكنك فعلت هذا الأمر سابقاً.

انتفض محامي الدفاع المخضرم ووقف ضارباً على الطاولة صارخاً: أنت لست مؤهلاً للحكم في هذه القضية.

ـ لماذا؟، سأله الحاكم مستغرباً ردة فعله.

ـ لأن لك حكما سبقياً عليه. تلك القضايا عوقب عليها وانتهت، أجاب المحامي.

توقفت الجلسة، وبعد برهة من الزمن، دخل الحاكم الشاب بمعية حاكم كبير السن، وبعد أن طلب الأخير من الجميع الجلوس طمأن المتّهم بأن العدالة ستأخذ مجراها، وعندها وقف المحامي وشرح نقطة الخلاف فأنصت الحاكم المخضرم إليه وبعد أن انتهى قال: الخطأ والصواب حالة إنسانية الكل معرّض لها، ولكن المهم ألا يستمر الخطأ وابتسم للحاكم الشاب وقال له: أنت لست مؤهلاً للنظر في هذه القضية بعد الآن، وسيتابع هذه القضية حاكم آخر. وبالفعل جاء حاكم جديد وتابع الجلسة حرصاً على مبدأ الحيادية.

الحيادية عملة نادرة

الحيادية هي قيمة غائبة في حياة الشرق، بينما يحرص الغرب عليها. في قضايا الإرهاب المؤلمة، بما فيها مثلاً قضية سفّاح أوسلو أندرس بهرنغ بريفيك، وهو يميني نرويجي نفّذ هجومين إرهابيين عام 2011 أسفرا عن مقتل 77 شخصاً، حضر كثيرون من أولياء أمور وأهالي المغدورين الجلسة، وهناك مَن أساؤوا الأدب داخل المحكمة تجاه الإرهابي فأُخرجوا من قاعة المحكمة.

"ضاع الظلم الذي تعرّض له الشعب العراقي بإرادة أعداء صدام الحسين ورغبتهم بالثأر منه وعن طريق تدخّلهم السافر في سلطة القضاء... ضاع العدل وبقيت السلطة القضائية فاقدة لاستقلاليتها"

نرى مَن يعارض الإرهاب من الباحثين ويطلب القصاص من الإرهابي يدافع في الوقت نفسه عن حقوقه، لأنهم في الحقيقة يحرصون على حقوقهم هم كشعب وعلى ضمان استمرار مبدأ العدالة للجميع في مجتمعاتهم.

بالرغم من مضي عشر سنوات على الحادثة، لا يزال الباحثون يدرسون أسباب ومسببات سلوك أندرس بهرنغ بريفيك، وهل كان هناك إخفاق في عمل إحدى الجهات أو إهمال تسبب بهذه الحادثة المروعة.

يبحث الإنسان بطبيعته باستمرار عن التوازن بين الظالم والمظلوم، وهذا التوازن يخلقه الحياد، النزاهة والعدل في ساعة الحساب.

مثال سعيد قزاز

يتذكّر العراقيون وزير الداخلية في العهد الملكي سعيد القزاز الذي قال: "أنا أعرف أنكم ستصدرون حكم الإعدام عليّ، ولكنني عندما سأصعد إلى المشنقة سأرى تحت قدمي أناساً لا يستحقون الحياة". لربما لا يتذكر العراقيون كل الضباط الأحرار وكذلك شهداء مجزرة الدملماجة في الموصل، عام 1959، بنفس الطريقة التي يتذكرون فيها القزاز الذي وقف صامداً لوحده أمام رجال الدولة، رجال لهم كل السلطة، وهو بلا حول ولا قوة.

لنفس السبب، امتعض بعض أعداء صدام من العراقيين وعدد كبير من المعارضين لهذا الديكتاتور الذي تلطخت يديه بدماء الكثيرين، وحتى بعض مَن تعذّب في سجون ذلك النظام، مما جرى. لم يكن امتعاضهم تعاطفاً مع دكتاتور دمّر العراق والعراقيين لكنهم امتعضوا لأنه شُنق كما كان القزاز يتمنى أن يُشنق، وكذلك لأنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن محكمته لم تستوفِ شروط الإجراءات القضائية بل كانت مسيّسة من الألف إلى الياء وأُعدم في العيد مع أن ذلك يتعارض مع نص القانون.

ضاع الظلم الذي تعرّض له الشعب العراقي بإرادة أعداء صدام الحسين ورغبتهم بالثأر منه وعن طريق تدخّلهم السافر في سلطة القضاء... ضاع العدل وبقيت السلطة القضائية فاقدة لاستقلاليتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard