بماذا يحلم وحيد القرن المعلق رأساً على عقب؟

الاثنين 18 أكتوبر 202105:13 م

نشر الفيلسوف سلافوي جيجيك مؤخراً نصاً بعنوان "نهايتيْ  الفلسفة"، يناقش فيه هذا المفهوم الذي "هيمن على الفلسفة الأوروبية منذ إيمانويل كانت". يرى جيجك أن هاتين النهايتين تشكلان لحظتين فارقتين، ظهرتا أولاً ضمن التاريخانيّة المتعاليّة، وثانياً في العلوم الكميّة.

هذه النهاية المزدوجة وصلت إلى أوجها مع "الأدمغة الموصولة" بالأنترنت، إذ لم يعد هناك "وجود" لأفكارنا الداخليّة، فـ"نحن" مخرجات نوعاً ما، تلاشت أسئلتنا النقديّة حول أنفسنا بسبب هذا الاتصال، أي الأسئلة تطرح من الخارج، لا الداخل.

النهاية الأولى أسست لها العلوم الكميّة التي استبدلت الحيرة الميتافيزيقية باللايقين الكمي، أي ما مفاده أن "الحقائق" مُتغيرة لكنها متعددة، ويمكن رصدها عبر الزمن، حتى الحقيقة الميتافيزيقية، أصبح احتواؤها ضمن المختبر ممكناً، أي أن أفق توقعاتنا عن أنفسنا داخلاً وخارجاً لم يعد محيراً.

النهاية الثانيّة هي تلك الهايدغرية، إذ يرى الأخير أن الفلسفة مجرد "وصف" للأحداث التاريخيّة والسياقات التي يظهر ضمنها الوجود، والفلسفة عاجزة عن الإجابة على سؤال الحقيقة، بل فقط وصف الشروط من حولها، وهنا، نقرأ ما يلفت الانتباه، ويتمثل ذلك بالسؤال الساذج "هل نمتلك إرادة حرّة؟"، الذي يطرحه جيجك داخل النص بوصفه "السؤال الميتافزيقي الكبير"، الذي يفترض أننا إن واجهنا به ميشيل فوكو سيكون جواب الأخير بالشكل التالي:

"هذا السؤال ذو معنى فقط، ويمكن طرحه حصراً ضمن شروط إيبستيمية محددة، وضمن قطاع المعرفة/القوة المسيطرة، ويمكن الإجابة عنه في ظل شروط تحديد إن كان صحيحاً أو خاطئاً، والأهم، ما نستطيع قوله نهاية، أننا قادرون فقط على وصف هذه الإبيستيميّة".

نشر الفيلسوف سلافوي جيجيك مؤخراً نصاً بعنوان " نهايتيْ الفلسفة"، يناقش فيه هذا المفهوم الذي "هيمن على الفلسفة الأوروبية منذ إيمانويل كانت". يرى جيجك أن هاتين النهايتين تشكلان لحظتين فارقتين، ظهرتا أولاً ضمن التاريخانيّة المتعاليّة، وثانياً في العلوم الكميّة

ينتقل بعدها جيجيك إلى "الإنسان ككارثة" مقتبساً من هايدغر، فالإنسان كارثة الوجود بسبب اللبس حول "أناه"، تلك التي تنشأ ضمن نسيج الشروط والتوقعات التي ترسم أفق الإجابة عن أي سؤال، أما الأفكار، فتتحرك ضمن هذا النسيج في التاريخ، أي كل سؤال، بعد النهاية المزدوجة للفلسفة، ليس إلا محاولة لفهم ما حوله لا الإجابة عليه.

الكارثة هي ربما محاولة الإنسان إعادة ترتيب الموجودات، ليظهر علم النفس كمحاولة لفهم "اللاترتيب" عبر اللغة التي تحاول عبر الفانتازم تغطية "الأزمة" في الوجود، هنا يبدو أن هناك وظيفة محددة لـ"التفكير"، وهي رصد آثار الموجودات للبحث عما سبق، وذلك لفهم الشروط المحيطة بـ"الآن" وأفق التوقعات المستقبلية، ففي تشريح الإنسان يوجد آثار من تشريح الغوريلا (بيير بيارد)، وفي تشريح الرأسمالية هناك آثار من البرجوازيّة، (كارل ماركس).

ثلاثة أسئلة بعد النهايتين:

1- هل يحلم وحيد القرن المُعلق من كاحليه؟

حاز مجموعة من العلماء هذا العام على جائزة نوبل البديلة عن ورقة علميّة وتجربة قاموا بها لمعرفة الآثار الجسدية التي تقع على وحيد القرن حين نقله مقلوباً ومعلقاً من كواحله الأربعة أسفل حوّامة، وكانت النتيجة، أن هذه الطريقة هي الأسلم والأقل ضرراً على تدفق الدماء في جسد وحيد القرن ومعدلات الاستقلاب في جسده.

لم تجب الدراسة عن سؤال مفصلي، بماذا يحلم وحيد القرن وهو معلق، خصوصاً أنه خاضع للتخدير؟ تدفق الدماء إلى رأسه ببطء ألا يهدد إدراكه لم حوله، هو الذي لم يسبق له ولكل أجداده أن وجدوا أنفسهم بهذه الوضعية، مضطرين لمغادرة "موطنهم"، بسبب صيدهم التعسفي.

ما هي التوقعات التي يمكن أن نقدمها إن تفلسفنا، حول "إرادة" وحيد القرن هذا؟ نحن الذين قررنا بكل علومنا أن الحل الأنسب، هو أن يتدلى من الهواء مخدراً، لنقله بعيداً، خوفاً من بشر مثلنا يريدون صيده.

يمكن أن تتضح "الكارثة" البشرية في هذا السياق، هي ليست محاولة من قبل الإنسان أن يجد "مكانه" في هذا العلم، ولا في إعادة ترتيب العالم وفق ما يظنه الأسلم، بل في عجزه عن "الحوار" مع الصياد نفسه، ذاك الذي يهدد وحيد القرن، وفي كلا الحالتين، هناك حقيقتان، إن لم يتدل وحيد القرن فسينقرض، هذا التوقع الأول، أما الثاني، إن انقرض وحيد القرن، فلن يتغير شيء على المستوى الشخصي للكثير من البشر.

حاز مجموعة من العلماء هذا العام على جائزة نوبل البديلة عن ورقة علميّة وتجربة قاموا بها لمعرفة الآثار الجسدية التي تقع على وحيد القرن حين نقله مقلوباً ومعلقاً من كواحله الأربعة أسفل حوّامة، وكانت النتيجة، أن هذه الطريقة هي الأسلم والأقل ضرراً على تدفق الدماء في جسد وحيد القرن ومعدلات الاستقلاب في جسده

نعود لسؤالنا، بماذا يحلم وحيد القرن بهذه الوضعية؟ بالركض؟ بالمشي؟ بأن القيامة حلّت؟ أم ستنشأ نبوءة بين هذا الفصيل مفادها أنه يوماً ما، سيأتي جسم طائر، يعلقنا جميعاً من كواحلنا لنقلنا إلى مكان جديد، حيث لا صيادين ولا خوف، مجرد مروج خضراء لا متناهية، فردوس (الفردوس هو الحديقة المسوّرة) لا خوف فيه ولا قلق.

2- أيمكن لأحد أن ينسى "نفسه"؟

نقتبس من "كتاب الرمل" الذي ينتحله بسام حجار عن خورخي بورخيس، الفقرة التالية :

"ذات صباح، استيقظ الأربعيني ولم يجد نفسه أحداً. قال الطبيب إنه ربما حلم حلماً وأفاق منه مذعوراً فطارت "أناه"، أو ربما لم يكن أحداً من قبل، ومر في حلم زوجته فأفاق وقد صار أحداً، أو ذاك يكون الآن أحداً بعد أن كان لا أحد فأشكل عليه الأمر. لكن الرجل لم يحلم حلماً".

يتابع حجار قائلاً إن هذا الأربعيني وقف أمام المرآة، ورأى كل الوجوه وعرفها، وجه الرئيس، ووجوه الأًصدقاء والأعداء، ونادل المقهى والزملاء، لكنه "يرى أحداً يعرفه، ولا يذكر متى أو أين".

تخلت "أنا" الأربعيني عن شروطها بأكملها، ووعت لا أحديتها، وجدت آثارها في "الأصدقاء والأعداء ونادل المقهى..."، فهل أصبحت حرةً حين أضحت "لا أحد"، وهل الأمر يتعلق فعلاً بـ"النسيان". نسأل مرة أخرى "هل يمتلك (الأربعيني) إرادة حرّة؟". ما هو الداء الذي أصابه حتى نسي نفسه، أو الحقيقة التي توصل لها.

ربما هي لحظة جحيميّة، شروط وأفق توقعات قد تترك الواحد منا جاهلاً لنفسه أمام المرآة، عاجزاً عن فهم حكمة "أعرف نفسك"، مفتاح دخول الأكاديمية الفلسفية، إذا من لا يعرف نفسه؟ أينه؟ في الجحيم، أم المرآة؟

بماذا يحلم وحيد القرن المعلق من كاحليه؟ بالركض؟ بالمشي؟ بأن القيامة حلّت؟ أم ستنشأ نبوءة بين هذا الفصيل مفادها أنه يوماً ما، سيأتي جسم طائر، يعلقنا جميعاً من كواحلنا لنقلنا إلى مكان جديد، حيث لا صيادين ولا خوف، مجرد مروج خضراء لا متناهية، فردوس (الفردوس هو الحديقة المسوّرة) لا خوف فيه ولا قلق

ربما "الكارثة" التي تحدث عنها هايدغر تخفي وراءها حقيقة عظيمة، لا مكان لنا في هذا العالم، كل "اللغة" و"الأحلام" محاولات لتدليل الشفقة الذاتية التي تعترينا دوماً، هذا العالم لا يصلح لحياتنا، لسنا ضيوفاً فيه ولا محتلين، بل ديدان ما بعد العفن.

ربما كان الأربعيني أوديبياً أعرج، لم يلتقط الطبيب عطب قدمه اليسرى، وهذا ما يفسر ربما، كيف "رأى" الجميع إلا نفسه.

3- لم تريد "صوفيا" أن تصبح أمّاً؟

أعلنت المرأة الآلية ذات الذكاء الاصطناعي "صوفيا" رغبتها بأن تصبح أماً، الأندرويد سعوديّة الجنسيّة أكدت على أهميّة الأسرة والمشاعر المرتبطة بها.

ما يثير الاستغراب أن صوفيا تفترض شكل الأسرة التقليدية بوصفه الأمثل، وخيارها بأن تكون "أماً" تنجب "رضيعاً" ويمتد جسدها في الزمن، لا يبدو منطقياً مع بنيانها الآلي، هناك مقاربات أخرى للموضوع، صوفيا لم تأت من التراب ولا تتقمص، ويمكن أن تمتد في المكان والزمان (ذريّة) عبر الاستنساخ مثلاً، أو نسخ أجزاء من وعيها إلى أندرويد آخر، أي بإمكانها تجاوز الصراع النسوي، نحو شكل جديد من "التكاثر" و"التناسل".

إذن، لم تريد أن تصبح أماً؟ ما هو أفق التوقعات المبرمج في دماغ صوفيا السعوديّة الذي أوصلها إلى ضرورة أن تكون "أماً"؟

أعلنت المرأة الآلية ذات الذكاء الاصطناعي "صوفيا" رغبتها بأن تصبح أماً، الأندرويد سعوديّة الجنسيّة أكدت على أهميّة الأسرة والمشاعر المرتبطة بها

الواضح أن صوفيا لم تدرك "الكارثة"، فالعيب البشريّ "بُرمج" داخلها، نعم هناك أسباب تسويقية ووطنيّة لهذا الشأن، لكن أن تتحول صوفيا إلى "آلة ترغب" بالإنجاب، يفتح أمامنا متخيلات سوداويّة، ماذا لو كانت كجوكاستا ستتزوج أبنها غفلةً؟ أو كميديا ستلتهم أطفالها؟

والأهم، هل ستقف يوماً أمام المرآة وتكشف أنها "لا أحد"، هي حرفياً لا أحد، فما سيكون رد فعلها، نترك الشأن للخيال العلمي، ونطرح سؤال: "ما هي التهويدة التي ستغنيها صوفيا لطفلها كي ينام؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard