فوكو يفضل تأمل صدور الرجال العارية على الخوض في أحاديث الفلسفة

السبت 27 فبراير 202104:15 م

لا نعرف الكثير عن حياة الفيلسوف أو مؤرخ الأفكار الفرنسي ميشيل فوكو، الذي ابتُدع له كرسي في الكوليج دو فرانس، تحت اسم "تاريخ أنظمة التفكير". هذا التحفّظ الذي مارسه فوكو وسرية حياته الشخصية سببه مثليته التي كانت "مُعيبة" في الستينيات والسبعينيات، بل وهددت مكانته الفكرية.

وما تسلل من حكايات عنه لا يرسم لنا صورة عن فوكو الشخص، إذ نعلم مثلاً أنه كان يقضي الكثير من الوقت في المكتبة الوطنية في باريس، لكنه أيضاً ذو مغامرات سرية في ساونات مدينة الأنوار ونواديها المثلية السرية، أما علاقاته الغرامية الليبراتنيّة فبتقى حبيسة المخيلة وبعض الاقتباسات القليلة من كاتبي سيرته، بل إن بعضها دخل ضمن الحكايات الأدبية، ممن تخيلوه ذا ابتسامة عريضة وكلمات سريعة ومعرفة واسعة يلقيها وهو يرتدي منشفة في الساونا، بينما يرضع قضيبه شاب أسمر، متعرّق، ينضح رجولة وسندياناً، كما في راوية "من قتل رولاند بارت: الوظيفة السابعة للغة"، للفرنسي لـورانت بينية.

لا نعرف الكثير عن حياة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فهذا التحفّظ الذي مارسه وسرية حياته الشخصية سببهما مثليته التي كانت "مُعيبة" في الستينيات والسبعينيات، والتي كانت تهدد مكانته الفكرية

هذا الفضول حول شخص فوكو ومغامراته يمكن إشباعه عبر قراءة الكتاب الصادر مؤخراً "فوكو في كاليفورنيا: قصة حقيقية عن الفيلسوف الفرنسي الشهير حين أخذ الأسيد في وادي الموت"، والذي نقرأ فيه ما يشبه حكاية "غونزو" عن ثلاثة أصدقاء ينهبون إسفلت كاليفورنيا الحارّة، من أجل ساعات من الهلوسة في "وادي الموت"، الرحلة التي "بكى فوكو" في نهايتها ثم "أعلن أنه يعرف الحقيقة".

أين كانت هذه المخطوطة؟

حكاية فوكو مع LSD مذكورة في بضع سطور ضمن سيرته التي كتبها دايفيد ماسي، وتتردد في الوسط الأكاديمي والثقافي بوصفها أسطورة، بل إن هيذر دوندا سمعتها مراراً حين كانت تجهز لرسالة الدكتوراة في جامعة كاليفورنيا عام 2014، وظنت أنها محض خيال نسجه مريدو فوكو، لكن عدداً من الأكاديميين أكدوا لها أن من اصطحب الفيلسوف الفرنسي، صاحب "تاريخ الجنسانية"، إلى وادي الموت ما زال حيّاً، وبل ويمكن التواصل معه، لكنه لا يستخدم التكنولوجيا، فأرسلت له دوندا رسالة تطلب لقاءه، وفعلاً وافق وايد، وقابلها في ستاربكس بعد أن تأخر نصف ساعة عن الموعد.

سايمون وايد، الحاصل على دكتوراة في تاريخ الأفكار الأوربيّة، كان مدرساً في "مدرسة الدراسات العليا" في كلارمونت، وواحداً من عشاق فوكو، وأخبر دوندا أنه حين سمع عام 1975 بأن الفيلسوف الفرنسي قادم إلى كاليفورنيا ليحاضر في جامعتها، لم يتردد في أن يدعوه إلى كلارمونت كي يلقي محاضرة، والأهم، عرض عليه تجربة هذيانية لا يمكن لفوكو أن يفوتها.

بالطبع، لم يكن الأمر بهذه السهولة، "كيف يمكن إقناع فوكو بالمجيء؟"، ما توصل إليه وايد بعد التفكير، أن الصيغة الأنسب لغواية الفيلسوف تتطلب وصفة سحرية، فقرر أن يلعب دور الخيميائي وكان المزيج المناسب: "ميشيل فوكو + حجر الفلاسفة + وادي الموت + مايكل ستونمان".

بكلمات أخرى، لابد من أن يجتمع الفيلسوف الفرنسي الذي عرف بتدخينه للحشيش ومغامراته الجنسيّة مع "حجر الفلاسفة" أو LSD، في وادي الموت في كاليفورنيا، حيث المناظر الخلابة تسلب العقل، والتي لابد من اختبارها تحت تأثير عقار يأخذ الفرد إلى مراحل جديدة من الوعي، والأهمّ، لابد من وجود سايمون ستونمان، شريك وايد، عالم اللغة وعازف بيانو، والذي يعرف عنه وايد بـ "ملحن، مثلي، مُدخن".

كأي شخص عادي، شككت هيذر بكل هذه الحكاية، حتى بعد أن التقت وايد للمرة الأولى، لكن بعد أن شاهدت الصور التي التقطها وايد اختلف كل شيء، خصوصاً أن وايد قدم لها مسودة كتاب مدوّن بخط اليد، يشبه محتواه واحدة من نوفيلات الطريق الأمريكية، حيث الإسفلت والمخدرات والهلوسة والمغامرات الجنسية، و بطلها ليس واحداً من جيل البيت، ولا هانتر. س. تومبسون، بل ميشيل فوكو، بصلعته و"كنزته" ذات الياقة العالية وابتسامته العريضة.

المخطوط الذي صورته هيذر وافق فوكو على نشره، إذ قرأه بعد أن انتهى وايد منه، ولم يظهر للعلن سابقاً لأن دور النشر في السبعينيات رفضته، فهل من المعقول لأستاذ في الكوليج دو فرانس يبلغ من العمر 49 عاماً، أن يتعاطى المخدرات ويمرح في الجبال الأمريكية مع التاويين العراة!

هذه المرافقة موجودة في المراسلات بين وايد وفوكو، التي لم تنقطع حتى نهاية حياة صاحب كتاب "هذا ليس غليوناً "، الذي طلب من وايد أن يرسل له LSD، لأنه أراد أن يموت وهو يهلوس. بالطبع لم تتحقق هذه الأمنية لفوكو، أما سايمون وايد فقط رحل عن عالمنا عام 2017 عن عمر 77 عاماً، تاركاً لنا مجموعة صور، وحكاية تشبع الفضول وتكشف لنا عن الكثير من أفكار فوكو، مُلهِم الكثيرين، ضمن سياق ودّي ومرح ومتخفف من أعباء الجدية.

الرحلة على الطريق السريع 66

يخبرنا وايد بداية عن المراسلات بينه وبين فوكو، و"الوصفة السحريّة" التي رحب بها فوكو دون أن يحسم جوابه، ثم اللقاء في جامعة كاليفورنيا في بركلي، حيث حضر وايد مع ستونمان المحاضرة الأولى التي ألقاها فوكو، وهناك تشجع ستونمان بعد خجل وايد، وسأل فوكو، بعد أن أطرى على جمال جسده، عن رغبته برحلة ليوم واحد في وادي الموت، فكان رد فوكو: "هل تظن أن يوماً واحد سيكفي؟".

وصل فوكو صباحاً، وأقله وايد إلى منزله حيث نام على سرير مائي للمرة الأولى، وبدأوا بشرب التيكيلا وتدخين الماريجوانا تحضيراً للرحلة، وأشار حينها فوكو أن الماريجوانا لا تتوافر بكثرة في باريس، وأنه يفضل الحشيش من شمال أفريقيا التي زارها.

كان فوكو يقضي الكثير من الوقت في المكتبة الوطنية في باريس، لكنه أيضاً ذو مغامرات سرية في ساونات مدينة الأنوار ونواديها المثلية السرية

يتخلل الرحلة دوماً أسئلة لفوكو، عن الكتب وعن آرائه بالقضايا المختلفة، والأهم، أصدقائه، دولوز، غوتاري، جينيه، سارتر الذي كتب" كتاباً جيداً عن جينيه دون أن يفهم شخصية جينيه"، حسب تعبير جينيه نفسه، كذلك أستاذه ميرلو بونتي الذي يعيش في أحلامه لا في الواقع، و"الأحمق" الذي أدار اللقاء بين فوكو وتشومسكي في أمستردام، إذ أراد "أن يكون الأمر كمناظرة، فعرّف عن تشومسكي كليبرالي أمريكي بل حتى أناركي، وعرّف عني -أي فوكو-كماركسي... كان أمراً لا يصدق...".

نتعرف في الكتاب على فوكو المتخفف من أعباء الأكاديمية، بالرغم من أنه يُمطرُ دوماً بأسئلة من قبل: "ما رأيك بالحركات الطلابية عام 1968؟"، "ما رأيك بحركات التحرر المثلية؟"، "هل قرأت هذا الكتاب أو ذاك؟"، وكأنه نبي يحيط به المريدون، وهو بأدب ومرح يجيب عن كل شيء، بل ويشير بلطف أنه لا يحضر المسرح ولا يستمع للموسيقا المعاصرة بكثرة، كما أنه يُحب السينما، ويستمني في أوقات فراغه.

يأخذ فوكو جرعة LSD بعد أن وصل الثلاثة إلى وجهتهم، يجلس بصمت على صخرة مرتفعة، ويترك لوادي الموت وعفاريته أن تسكنه، بالرغم من تردده بداية، كون شريكه في باريس يمنع أن يتعاطيا المواد الكيميائية، لكنه يجازف، ويترك لصحراء كاليفورنيا وريحها حرية أن تحملاه بعيداً، ويردد لاحقاً، أنه يؤيد كل أشكال التلاعب بالوعي، وأن الحقيقة المركزية تتمثل بالجسد، فبعد أن نفخ الماريجوانا لتسريع أثر LSD، قال: "نحن لسنا إلا أجسادنا... -صمت- وأشياء أخرى".

لا نعرف بدقة ما الذي هلوسه فوكو، لكنه يؤكد أن هذه التجربة مسته بعمق، بل أنه أعاد النظر في المخطط الذي وضعه للأجزاء التالية من تاريخ الجنسانية، وأحرق الجزء الذي كان يعمل عليه بخصوص "الوحوش"، ليعيد تقديم أفكاره بأكملها "بعد أن تيقن أنه ليس وحشاً".

Country Joe Foucault

قررت جماعة من التاويين أشباه العراة، الذين زارهم فوكو مع وايد، بأن ينعتوا صاحب الكلمات والأشياء بـ Country Joe Foucaultترحيباً به في كاليفورنيا، ضمن مجتمعهم المنعزل وبيوتهم الخشبية في Bear Kenyon، إذ حدثت هذه الزيارة بعد حفلة مع الطلاب والموسيقيين وبعض المشاهير في منزل وايد.

وهناك، وسط الغابة، أَسَر فوكو ذو البذلة البيضاء الحاضرين بـ"عمق معرفته"، مع ذلك كان مدهوشاً بكاليفورنيا وانفتاح الناس فيها وتماسهم مع أجسادهم، بعكس باريس الذي كل من يسكنها يعاني من "التصلّب" وصعوبة الحركة، لكن ما لاحظه فوكو أن الجامعات في كل مكان محافظة يحكمها العجائز، ذات الأمر مع شاشات التلفزة، التي يشير فوكو أنها تتحاشى استقباله للحديث عن السياسة.

ينتهي المخطوط بالمحاضرة التي ألقاها فوكو في كلارمونت وأسئلة الطلاب التي وجهت إليه، والتي تتراوح بين السطحية أو طلبات بشرح أفكاره التي يصرّح فوكو بأن الكثيرين لم يفهموا بدقة ما الذي يقوم به، أو ما الذي يبحث فيه، حتى أنه واجه صعوبة في نشر كتبه الأولى، التي لم يكسب منها الكثير، بل أنه وصف الـ500 دولار المخصصة له كأتعاب على محاضرته في كلارمونت بـ"المال الضائع"، قبل أن يترك وايد وستونمان ويتجه إلى سان فرانسيسكو.

فوكو رجل لطيف وودود، يبحث عن المرح والتسلية ويفضل تأمل صدور الرجال العارية التي تتعرّق تحت شمس كاليفورنيا، عوض الخوض في أحاديث الفلسفة

تأسر هالة فوكو (النجم) كل الشخصيات ضمن الكتاب، مع ذلك يبدو عفوياً ومرحاً، لكنه لا يتحدث عن نفسه كثيراً، الأهم، هو صارم في أرائه، خصوصاً حول الكتب التي "قرأها"، إذ نقرأ مثلاً: "لم يقل نيتشه هكذا مطلقاً" أو "لا يوجد أبداً في تاريخ الأفكار الغربية هكذا أمر..."، يقابل هذا الحسم صراحته حول ما قرأه وما لم يقرأه، لكنه أمام معجبيه نبيّ قادر حتى على التنبؤ بنتائج كأس العالم، كما مازحه الكوميدي أل فرانكين، في الحفلة في منزل وايد.

فوكو في الكتاب يريد الاستكشاف، لطيف وودود، يبحث عن المرح والتسلية ويفضل تأمل صدور الرجال العارية التي تتعرّق تحت شمس كاليفورنيا، عوض الخوض في أحاديث الفلسفة، التي تحرر منها فقط أثناء صمته على صخرة في وادي الموت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard