ميشيل فوكو في "معجم الخراء"

الأربعاء 31 مارس 202102:35 م

لا يمكن تجاهل اتهامات البيدوفيلية التي أطلقها الكاتب الفرنسي غاي سورمان، ضد الفرنسي ميشيل فوكو، فالمقالة المنشورة مؤخراً ليست المرة الأولى التي يظهر فيها هذا الموضوع، إذ نقرأ "الحكاية" في كتاب سورمان الصادر نهاية الشهر الماضي، والذي يحمل اسم "معجمي عن الخراء-Mon dictionnaire du Bullshit".

يتضح من عنوان الكتاب الجهد المعجمي الذي قام به سورمان، إذ صنّف أفكاره وانطباعاته عن العالم والمفاهيم والأشخاص حسب الترتيب الهجائي، والهدف من المعجم حسب المقدمة، إعادة النظر في "الحقيقة" في زمن الأخبار الزائفة ومساءلة الأحداث كما ندركها أو تصلنا، ويُذكر أن سورمان ألّف الكتاب في ظل الحجر الصحي، ووصفه بـ"الكتابة الذاتية" التي تهدف إلى إدراك العالم بصورة مختلفة.

تظهر الاتهامات الموجهة لفوكو تحت كلمة "بيدوفيليا"، التبويبة التي تُفتتح بالعبارة التالية: "هل خرجنا من عصر الازدواجية الأخلاقية الخرائية؟"، ليحدثنا سورمان بعدها عن المفاجأة والدهشة التي أًصابت الطبقة المثقفة الباريسية بعد التهم التي لاحقت رومان بولانسكي، والكاتب الفرنسي فابريل ماتنزيف، ذا الروايات الأوتوبيوغرافية "المديوكرية" والتي يتحدث فيها بوضوح عن علاقته الجنسية مع الأطفال.

يرى سورمان أن "الموهبة" تركت الكثيرين فوق القانون، إلى أن بدأنا نسمع أصوات الضحايا "الذين قرّر المعتدون عليهم أنهم مُلهمون"، وكانت الحجة المديوكرية التي يتبناها المتهمون للدفاع عن أنفسهم، هي أن الزمن تغير، أي ما كان في الماضي مباحاً أو يُغض الطرف عنه، لم يعد كذلك.

لا يمكن تجاهل اتهامات البيدوفيلية التي أطلقها الكاتب الفرنسي غاي سورمان، ضد الفرنسي ميشيل فوكو  في  كتابه الصادر نهاية الشهر الماضي، والذي يحمل اسم "معجمي عن الخراء Mon dictionnaire du Bullshit"

يشير بعدها سورمان إلى قانون 1945 في فرنسا، الذي يهدف لحماية الأطفال تحت عمر الـ15، والذي لم يطبق حينها لأن الشرطة والقضاة تغاضوا عنه وتجاهله الفنانون لأنهم يرون أنفسهم "أرستقراطيين"، ليذكرنا بعدها بفولتير الذي قسم الأخلاق في زمنه إلى أخلاق الارستقراطية وأخلاق العوام الذين يحتاجون للدين من أجل لجمهم، بعكس الطبقة الأعلى والأوعى.

هذه الطبقية من قبل فولتير يصفها سورمان بالصراحة، لأن الأخير "اعترف على الأقل بهذا التصنيف الأخلاقي والاجتماعي"، والمثير للاهتمام أن القانون السابق خضع لعدد تعديلات في فرنسا، وهذا العام هناك مطالب جديدة لتعديله، كرفع العمر القانوني للعلاقة الجنسية المجرّمة بين بالغ وقاصر من 15 إلى 18، سواء كان الأمر بالتراضي أو بالغصب.

يصف سورمان مثقفي وفناني الزمن الحالي بأنهم "أقل صراحة" من سابقيهم، بل هم محميون من قبل الطبقة السياسية، ويشير هنا إلى جان بول سارتر، الذي مَنع شار ديغول اعتقاله بالرغم من خرقه للقانون، والمقصود هنا حادثة عدم اعتقال سارتر حين تسلم رئاسة تحرير جريدة "قضية الشعب" -ليبراسيون حالياً- أثناء ثورة الـ68، والتي بالرغم من منع طبعها وتوزيعها استمرت في الصدور بسبب سارتر، و كان مبرر ديغول حينها هو التالي: "نحن لا نسجن فولتير"، لكن ما يغفله سورمان هو الأقاويل المتداولة عن سارتر المُتهم بتوقيع تعهد مع النازيين، مفاده أنهم لن يتعرّضوا له في حال غضّ البصر عن بعض تصرفاتهم أثناء احتلالهم لفرنسا.

فوكو الأبله واغتصاب الأطفال فوق القبر

يذكرنا سورمان بالعريضة التي وُقّعت من قبل عدد كبير من المثقفين عام 1977 لرفع القيود والقوانين الجنسية على أي علاقة تتم بالتراضي، والتي وقع عليها فوكو نفسه، الذي، حسب سورمان، وجد الدولة وكل ما يصدر عنها أدوات لقمع الناس و التحكم بلذتهم وأجسادهم، الأمر الذي طبقه فوكو بنفسه.

وهنا يظهر اعتراف سورمان، إذ يكتب أن فوكو رأى أن من حق الأطفال في تونس أن يتمتعوا، وكان يضرب مواعيداً معهم في مقبرة سيدي بوسعيد، "حيث كان يغتصبهم تحت ضوء القمر، وهو مستلق على القبور"، فبرأيه، فوكو هزأ بكونهم ضحايا، وتجاهل أنهم فريسة عجوز إمبريالي أبيض، ويفضل أن يصدق "أن لهم حرية قبول الممارسة الجنسية".

انتهى الصمت حسب سورمان بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، وشهادات الضحايا التي ظهرت للعلن، ويؤكد أن القانون لم يتغير، بل كُسر الصمت حول بيدوفيلية الفنانين والكتاب، إذ لم يعد من الممكن تجاهل ذلك، ويدعو بعدها إلى تطبيق القانون على الأحياء من الفنانين والكتاب، لا على مؤلفاتهم، خصوصاً أن الموهبة لم تعد عُذراً، ولم تعد السلطة تتساهل معهم بسبب "عبقريتهم"، ويضرب مثالاً عن عدم تلازم العبقرية مع الجريمة، يتجلّى ببول سيزان، الفنان العبقري والبرجوازي والذي لم يغتصب الأطفال بسبب موهبته، ويشير نهاية إلى الماركيز دي ساد، الذي كان مسجوناً حين ألّف كتبه، أي أن "ساديّته" كانت أدبية بدون ضحايا، طبعا لم يذكر سورمان أن سبب سجن دي ساد بداية كان بسبب حفلات مجون كان ينظمها مع البغايا من مختلف الأعمار.

يحدثنا سورمان عن المفاجأة والدهشة التي أًصابت الطبقة المثقفة الباريسية بعد التهم التي لاحقت رومان بولانسكي، والكاتب الفرنسي فابريل ماتنزيف، ذا الروايات الأوتوبيوغرافية "المديوكرية" والتي يتحدث فيها بوضوح عن علاقته الجنسية مع الأطفال

شهادة أو حكاية؟

يشير سورمان لاحقاً إلى تفاصيل سلوك فوكو، إذ يخبرنا كيف زاره مع آخرين في سيدي بوسعيد، وهناك رأى الأطفال يركضون حول الفيلسوف الأصلع الذي كان يرمي لهم النقود، ويعدهم الساعة العاشرة ليلاً في المقبرة، هذه التفاصيل لا نعلم بدقة حرفيّتها، خصوصاً "صورة تحت القمر" و"فوق القبر" المذكورة سابقاً، فهل كان يشاهد الجريمة وهي ترتكب؟

نسأل هذا السؤال لأننا أمام شهادة منقوصة واتهام، لا نحاول نفيه أو إثباته، لكن نناقش "الخراء" الذي تحدث عنه سورمان، أليس هو في ذات المكان الخرائي بسبب صمته حينها، بل إنه يلقي اللوم على غيره، إذ يقول إن صحفياً كان موجوداً يومها ولم يكتب عن الموضوع، ربما لأنه لم ير فوكو مع الأطفال في المقبرة؟

خصوصية الطبقة المثقفة التي يتحدث عنها سورمان تنطبق عليه، فهذا الصمت وعدم إخبار أحد حينها، يعني أننا أيضاً أمام "أكل خراء"، فإن كان سورمان شاهداً "مثقفاً" على كل هذا، أليس صمته اتهاماً أيضاً، خصوصاً فيما يتعلق بالاعتداء على الأطفال، أم كان يخاف من هجوم وسائل الإعلام؟ ربما كان أمام خيارين، أن يفتح حرباً على فوكو، ويتعرض للهجوم من وسائل الإعلام، وربما يخسر مسيرته المهنية، أو يصمت ويتابع حياته.

يرى سورمان أن "الموهبة" تركت الكثيرين فوق القانون، إلى أن بدأت تُسمع أصوات الضحايا

اختار سورمان الصمت حينها ولأكثر من أربعين عاماً، التصرّف الذي يمكن أن يصنّف أيضاً بـ"أكل الخراء"، ولا نقول أن فوكو بريء أو مذنب، لكننا أمام سطوة سياسات الصمت، تلك التقنية التي تترك للضحايا حرية الكلام أو الصمت، أما من حولهم ومن "شهد"، فهناك اتفاق على صمتهم في حال لم يسألوا، وهنا جوهر الإشكالية، الصمت والخوف لحظة الشهادة وأكل الخراء الناتج عنه لاحقاً لا يفيدون الضحايا، خصوصاً أن التفاصيل التي يرويها سورمان لا نعلم إن كانت "مُحسّنات بديعية"، "أثر الواقع" أو "ما شاهده بأمّ عينه"، إذ يقول في لقاء تلفزيوني معه أنه "رأى" ما فعله فوكو، لكن هل كان الأخير إلى هذه الدرجة منيعاً ضد أي اتهام، ويمارس ما يمارسه أمام أعين الشهود؟

نشير إلى هذه الأمور لأننا أمام إشكالية ثقافية وسياسية، يتوزع فيها اللوم لا على الضحايا بل على الذين صمتوا وعلى الشاهد الخائن، حسب المصطلح النقدي، ذاك الذي رأى بعدم دقة، أو لم ير بشكل كامل، أما القانون فلا أثر له في كل ما نقرأ عنه، خصوصاً أن الضحايا، المفترض أنهم أحياء الآن، لم يسمع لهم صوت، ولا نعلم متى سيتحدثون، لكن فعلاً بهذه الفظاعة، حسب ما يصف سورمان، يجب ألا يُسكت عنه من قبل أي أحد.

نحن -أو أنا على الأقل- بانتظار دعوة قضائية، يعود فيها ريع مؤلفات فوكو للضحايا، وهو أمر ليس بالمستحيل

لا نقبل هنا تعبير "الساكت على الجريمة مشارك بها"، لكن هذه الفظائع والفحش الذي يصفه سورمان، ليس من السهل تجاهله، خصوصاً أن سورمان ليس ضحية هنا، بل شاهد ذو اسم وصوت مسموع حينها، وحقيقة نحن -أو أنا على الأقل- بانتظار دعوة قضائية، يعود فيها ريع مؤلفات فوكو للضحايا، وهو أمر ليس بالمستحيل، بل له سوابق كما يحصل الآن مع ضحايا مايكل جاكسون، الذين يقاضون ورثته ومؤسسته في سبيل الحصول على التعويضات، لأن الصمت لاحقاً، أو تلاشي قضية فوكو في الهواء، لن يغير شيء، وسيبقى الأذى الذي وقع على الضحايا قائماً إلى الآن، وما سيضاف إلى تراث هؤلاء المجرمين المحتملين هو الوعي المزدوج أثناء قراءتهم، (فوكو عبقري، لكن يجب ألا ننسى أنه بيدوفيلي)، (سيلين عبقري، لكنه أيضاً نازيّ).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard