من قلعة دمشق إلى حيّ الأشرفية البيروتي... حياة حسني الزعيم قبل الانقلاب وقبل الرئاسة

الخميس 14 أكتوبر 202112:30 م

في منتصف الأربعينيات، حلّ في حي الأشرفية في بيروت، مواطن سوري غريب الأطوار، عُرف أنه سجين سابق وضابط مُسرّح من جيش الشرق التابع يومها لسلطة الانتداب الفرنسي في سورية ولبنان. استأجر شقة مفروشة من سيدة لبنانية متقدمة بالسن تُدعى نظيرة طقشة، كانت تعطف عليه و تتساهل معه في دفع الإيجار.

قلّما كان يخرج من المنزل، إلّا للتسكع على مقاهي الروشة وتسجيل حضوره الصباحي في مخفر الأشرفية بحسب تعليمات الجيش الفرنسي. وفي كل مساء، كان هذا الرجل يُقيم مجلس قمار في شقته البيروتية، يتخلله شرب كثيف، لتنتهي السهرة بشتم وسب رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي. وقد عرّف عن نفسه بأنه "المقدم حسني الزعيم".

قليلة هي المراجع عن حياة حسني الزعيم قبل أن يصل إلى سدّة الحكم في بلاده، والتي قضى فيها 137 يوماً فقط قبل اعتقاله وإعدامه في 14 آب 1949. المهتمون بالتاريخ السورية المعاصر يعرفونه رئيساً لأركان الجيش خلال حرب فلسطين الأولى، ثم مهندساً لأول انقلاب عسكري يوم 29 آذار 1949، ولكن ماذا عن حياة حسني الزعيم قبل تلك "الإنجازات؟"

عند كتابة سيرة أي زعيم عربي، يجب الدخول في ماضيه ومعرفة كل شيء عن طفولته وشبابه، عن تجربته في الحياة وعن العوامل التي شكّلت وعيه السياسي. في حالة حسني الزعيم، كان ماضيه مخجلاً للغاية، لا شيء فيه يدعو إلى الفخر والاعتزاز، ما يفسر محاولته لطمس سيرته الذاتية وتحريف الكثير من فصولها.

قليلة هي المراجع عن حياة حسني الزعيم قبل أن يصل إلى سدّة الحكم في بلاده، والتي قضى فيها 137 يوماً فقط قبل اعتقاله وإعدامه في 14 آب 1949. المهتمون بالتاريخ السوري يعرفونه رئيساً لأركان الجيش خلال حرب فلسطين الأولى، ثم مهندساً لأول انقلاب عسكري يوم 29 آذار 1949، ولكن ماذا عن حياة حسني الزعيم قبل تلك "الإنجازات؟"

عن السنوات الأولى وثورة الشريف حسين

ولد حسني الزعيم في حلب سنة 1897، وكان والده شيخاً في الجامع الكبير خلال الحرب العالمية الأولى، أمّا والدته فكانت ربة منزل كردية، ما جعل الكثير من المؤرخين يقولون إنه كردي، وهذا كلام غير دقيق.

دَرَس في مدارس حلب الحكومية قبل ان يلتحق بالمدرسة الحربية ويدخل في الجيش العثماني، حيث عُيّن في المدينة المنورة خلال الحرب العالمية الأولى. كان شاهداً على إطلاق الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين سنة 1916، التي كانت بقيادة أمير مكة، الشريف حسين بن علي.

ألهمت هذه الثورة مشاعر آلاف العرب يومها، وانضم إلى صفوفها عدد كبير من رجالات سورية، فمنهم من مدّها بالمال، مثل شكري القوتلي، ومنهم من حارب في جيشها، مثل سامي الحناوي. الأول كان رئيساً للجمهورية عشية انقلاب حسني الزعيم والثاني كان هو الذي أنقض عليه وقام بإعدامه.

بعد وصوله إلى رئاسة الجمهورية، قال الزعيم إنه اشترك في ثورة الشريف حسين بعد اعتقاله من قبل الإنكليز، وأنه ساهم في تحرير دمشق من العثمانيين، وقد نشر هذا الكلام في كل السير الذاتية الصادرة يومها عن المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري.

ولكن وبالعودة إلى سجلات الثورة العربية الكبرى، لا نجد أي ذكر له، لا بين صفوف الجنود المقاتلين أو الشخصيات الداعمة، إمّا مالياً أو سياسياً. ومن الأرجح أن يكون "الرئيس حسني الزعيم" قد ابتكر قصة نضاله في الثورة لإضفاء شرعية تاريخية وعربية على سيرته الشخصية.

كان ماضي حسني الزعيملا مخجلاً للغاية، لا شيء فيه يدعو إلى الفخر والاعتزاز، وهو ما يفسر محاولته لطمس سيرته الذاتية وتحريف الكثير من فصولها

في جيش الشرق الفرنسي

المؤكد هو أن حسني الزعيم انضم إلى قوات الملك فيصل بن الحسين بعد سقوط دمشق في يد الحلفاء وتحريرها من الحكم العثماني سنة 1918، ولكنه غاب عن معركة ميسلون في 24 تموز 1920، ولم يُشارك القوات السورية في مواجهة الجيش الفرنسي المتقدم نحو مدينة دمشق لاحتلالها وفرض الانتداب الفرنسي على سورية. ولكنه ظهر مجدداً بعد احتلال دمشق متطوعاً في جيش الشرق المؤلف يومها من مواطني المستعمرات الفرنسية، من سنغاليين وجزائريين ومغاربة.

في سورية، كان قوام جيش الشرق من الأقليات الدينية والعرقية، ومن الممكن أن يكون الزعيم قد لجأ إلى نصفه الكردي عبر سلالة والدته للالتحاق بجيش الشرق.

شارك في قمع الثورة السورية الكبرى وفي محاربة الحركة الوطنية عند إعلان الإضراب الستيني سنة 1936، كما شارك في اقتحام منزل الزعيم إبراهيم هنانو بعد وفاته سنة 1935، حيث قام الفرنسيون بمصادرة كل ما فيه من أوراق ومستندات. وكان الاعتقال الأول في دير الزور، عندما حاول الزعيم إجبار سيدة فرنسية على الرقص معه بالقوة في إحدى الحفلات، وقد تبيين لاحقاً أنها زوجة ضابط كبير في جيش الشرق.

حسني الزعيم في وسط الصورة

علاقته مع النازية

وخلال الحرب العالمية الثانية، أعلن الزعيم دعمه لأدولف هتلر، ودخل في قوات فيشي المرابطة في سورية، المحسوبة على الحزب النازي الألماني. وفي هذه المرحلة من حياته، تعرف الزعيم على عدد من الضباط الألمان وحافظ على صداقة معهم حتى بعد وصوله إلى رئاسة أركان الجيش سنة 1948.

بعد وصوله إلى رئاسة الجمهورية، قال الزعيم إنه اشترك في ثورة الشريف حسين بعد اعتقاله من قبل الإنكليز، وأنه ساهم في تحرير دمشق من العثمانيين، وقد نشر هذا الكلام في كل السير الذاتية الصادرة يومها عن المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري. ولكن وبالعودة إلى سجلات الثورة العربية الكبرى، لا نجد أي ذكر له

أحد هؤلاء الأصدقاء كان والتر راوف، من جهاز الغيستابو، الذي جاء به حسني الزعيم إلى سورية وعينه مستشاراً لمكتب أخبار الجيش. وقد استفاد منه حسني الزعيم في جلب فلول النازية إلى دمشق، وأحاط نفسه بضباط سابقين من الغيستابو، فعيّنهم حُراساً على باب مكتبه في الأركان العامة، لكونهم لا يعرفون المجتمع السوري، ولا يتكلمون اللغة العربية، ولا يُفرِّقون بين كبير وصغير أو نافذ وضعيف. وقد كلَّفهم بحمايته الشخصية حتى وصوله إلى الحكم سنة 1949.

ولكن ومن أبرز مفاصل علاقة حسني الزعيم بالنازية كانت عند تعيينه على رأس فرقة عسكرية هدفها حماية دمشق من الجيش البريطاني وقوات فرنسا الحرة، والتي كانت برئاسة الجنرال شارل ديغول. كان ذلك سنة 1941، وقد أعطى الزعيم مبلغاً من المال لتشكيل عصابات مسلحة لمحاربة الإنجليز والديغوليين، ولكنه هرب من ساحة المعركة آخذاً المال معه، وتوارى عن الأنظار في شقة صغيرة بحيّ الأكراد على سفح جبل قاسيون.

تمكنت قوات ديغول من هزيمة الفيشيين، وفور دخولها دمشق أمرت بالبحث عن حسني الزعيم واعتقاله بتهمة التعاون مع هتلر والهروب بأموال فرنسية. وقد عثر عليه في حيّ الأكراد، فتم تسريحه ومحاكمته أمام القضاء العسكري. حُكم عليه يومها بالسجن عشرين سنة، ونُقل إلى سجن الرمل في بيروت ومن ثم إلى سجن القلعة بدمشق.

في سجن القلعة

ظلّ حسني الزعيم معتقلاً في القلعة حتى 1945، عندما تم إطلاق سراحه ونقله إلى بيروت ليقيم في حيّ الأشرفية، كما ذكرنا سابقاً. وخلال هذه السنوات تعرف الزعيم على أحد السجناء وكان يُدعى رضا الغزي، المحكوم بالسجن المؤبد في جريمة قتل.

كل السوريين كانوا يعرفون هذا الاسم جيداً، وهو المجرم المدان بقتل عمّه فوزي الغزي، واضع أول دستور جمهوري في سورية. كان رضا على علاقة غرامية مع زوجة عمّه، وقد اتفق معها على التخلص من فوزي الغزي ليتمكنا من الزواج. بعد تنفيذ الجريمة التي هزت المجتمع الدمشقي، تم اعتقالهما سنة 1929، وبقيا في سجن القلعة حيث تعرفا على حسني الزعيم سنة 1941.

كان رضا الغزي يُنفق على الزعيم خلال تواجدهما في السجن، مقابل خدمات التنظيف والغسيل والتسلية، وقد حفظ الزعيم الود وعند وصوله إلى الحكم أمر بإطلاق سراح الغزي مع عشيقته.

في مقاهي دمشق قبل عودته إلى الجيش

بعد جلاء القوات الفرنسية عن سورية يوم 17 نيسان 1946، رُفع الحظر المفروض من قبل الفرنسيين على حسني الزعيم وسُمح له بالعودة إلى سورية. حاول الالتحاق بالجيش السوري الوليد ولكن طلبه رُفض من قبل وزارة الدفاع، بسبب سجله العدلي وماضيه.

صار يتردد على مقهى الطاحونة الحمراء على ضفة نهر بردى، ويجلس على طاولة أكرم الحوراني وصلاح البيطار، شاكياً من قسوة الحياة ومرارتها. نصحوه بإقامة دعوى لدى مجلس الدولة لاستعادة حقوقه العسكرية، وعرض بعض النواب من روّاد المقهى التدخل لأجله مع السلطات السورية.

أحد هؤلاء دخل مع وزير الدفاع أحمد الشرباتي لعرض قضية الزعيم، فعندما سمع باسمه قال الشرباتي: "يا لطيف... لا تذكر هذا الاسم مرة ثانية أمامي". وقد تكرر الطلب مجدداً بعد حين، وهذا المرة عن طريق الدكتور محسن البرازي، مدير مكتب الرئيس شكري القوتلي، وهو من أعيان الأكراد الحمويين في سورية.

أشفق البرازي على الزعيم وتدخّل مباشرة من أجله مع رئيس الجمهورية، الذي سمح بعودته إلى الجيش مع استرداد حقوقه ورتبه السابقة في نهاية عام 1946. ومن هنا بدأت علاقة الزعيم بالبرازي، الذي أصبح رئيساً للحكومة في عهده، والذي قتل معه رمياً الرصاص في الساعات الأولى من 14 آب 1949.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard