منها التطبيع مع إسرائيل... قضايا عالقة ورثها بايدن في السودان فكيف سيتعامل معها؟

الجمعة 13 نوفمبر 202009:32 ص

تابع السودانيون بكثيرٍ من الاهتمام وقائع الماراثون الانتخابي بين الديمقراطيين والجمهوريين للوصول إلى البيت الأبيض. ليس من مدخل الاهتمام بما يجري في الخارج وحسب، وإنما لعلمهم بأن مصالحهم ستتأثر مباشرةً بسياسات الرئيس الأمريكي المنتخب، وهو في المرحلة الحالية الديمقراطي جو بايدن.

سارع شركاء الحكومة السودانية، من مدنيين وعسكريين، لتهنئة بايدن ونائبته كامالا هاريس بالفوز، معربين عن تطلعاتهم لمزيد من التعاون مع الإدارة الجديدة.

ويحظى بايدن بتأييدٍ عالمي كبير خارج الحدود الأمريكية، خاصةً في الدول التي تتطلع لإرساء دعائم الحكم المدني، أو تلك الآملة في التخلص من ربقة الديكتاتورية، والتي عانت الأمرين في التعامل مع إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ولكن لهفة السودانيين بالعودة إلى البيت العالمي الكبير بعد ثلاثة عقود من الغياب القسري، جعلت شريحة مقدرة منهم تأمل في التجديد لترامب لولاية جديدة، لاستكمال ما بدأه من مشوار، بفضله قاربت الخرطوم على مغادرة "محور الشر" و"قوائم الإرهاب" إلى غير رجعة.

لمحة تاريخية

انتهج نظام الرئيس المخلوع عمر البشير (حزيران/ يونيو 1989 – نيسان/ أبريل 2019) جملةً من السياسات الراديكالية المتطرفة، المُهددة للمصالح الأمريكية تارةً، والسلم والأمن الإقليمي تارةً أخرى.

من بين تلك السياسات، استضافته عدداً من المطلوبين أمريكياً وفي مقدمتهم زعيم القاعدة أسامة بن لادن، إضافة إلى ذلك تقديمه الدعم لحركات مصنفة إرهابية مثل حركة حماس، بموازاة تعزيز أواصر الصلة مع طهران والتلويح بأن الأخيرة ستجد موطئ قدم في البحر الأحمر، وليس نهايةً بضلوعه في سياسات عدائية في المنطقة كتورطه في محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عام 1995، مع اتخاذ سياسات قمعية للتنكيل بالمعارضين وتصفية الخصوم، وشن حروب دينية في جنوب السودان (دولة جنوب السودان حالياً) وإثنية في إقليم دارفور، إلى أن تحول (البشير) إلى المطلوب الأشهر لقضاة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

ولبعضٍ من هذه الأسباب، تم وضع السودان باكراً على قائمة الإرهاب، وتحديداً في عام 1993، ثم فُرضت عقوبات اقتصادية عليه عام 1997 ما فاقم من حالة العزلة الدولية على نظام الخرطوم، ومن ثم توالت القرارات الأمريكية والدولية ضد السودان بما يضيق المقام على ذكره.

وبعد إحكام الخناق عليه، شرع النظام السابق في آخر عهده في تغيير سياساته مع الولايات المتحدة على أمل فك خناقه، وبدأ في التعاون الأمني مع واشنطن في ملفات مكافحة الإرهاب والإتجار بالبشر، والانخراط في أحلاف مرعية أمريكياً، ما ساهم في إزالة العقوبات الاقتصادية عام 2017 بأمر تنفيذي من الرئيس باراك أوباما، تابعه ترامب عند وصوله للبيت الأبيض.

حقبة ما بعد الثورة

أثنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق على الثورة الشعبية التي أطاحت بالبشير، وتالياً أبدت مرونة في مسألة إزالة السودان من قائمة الإرهاب لإرساء دعائم الحكم الديمقراطي. لكن ملاحقة السودان بتعويضات في المحاكم الأمريكية، جراء الجرائم التي هددت المصالح الأمريكية كتفجير سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام ونيروبي عام 1998، وتدمير المدمرة "يو. أس. أس. كول" في خليج عدن 2000، حالت دون اكتمال هذه الخطى.

ورغم تذكير السودان الدائم بعدم وجود إدانات قضائية ضد مواطنيه في الجرائم المذكورة واستنكار حكومة الثورة تحميلها أوزار نظام البشير، قبلت الخرطوم بتسوية دفعت بمقتضاها مبلغ 335 مليون دولار لذوي الضحايا الأمريكيين، رغم الظروف الصعبة التي يعانيها الاقتصاد المحلي.

وقتذاك، دفع ترامب بأمر تنفيذي للكونغرس، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لإزالة السودان من قائمة الإرهاب، ومن ثم حصّنه بإعادة قانون حصانات سيادي يمنع ملاحقة الخرطوم بمزيد من التسويات في المحاكم الأمريكية، إثر مطالبة أعضاء عن الحزب الديمقراطي في الكونغرس بتأجيل إنفاذ مراد ترامب، لحين تكفل السودان بتعويض ضحايا 11 سبتمبر، أسوة بضحايا المدمرة والسفارتين.

إصرار جمهوري

وصل المبعوث الأمريكي للسودان دونالد بوث إلى العاصمة الخرطوم منتصف الأسبوع، وبعد أيام فقط من إعلان فوز بايدن، لبحث ترتيبات ما بعد رفع السودان من قائمة الإرهاب.

وتعكس زيارة بوث اهتمام إدارة الجمهوري ترامب بالسودان، وإصراره على إنهاء ولايته والخرطوم خارج قائمة الإرهاب الأمريكية، لكن هل يمكن أن يحدث تغيير في هذه المسارات بوصول بايدن للحكم؟

أثر بايدن

لم يصدر تصريح مباشر من بايدن عن السودان، على الأقل لحين كتابة التقرير، فقط وعدٌ برفع الحظر عن مواطني ست دول من بينها السودان من السفر إلى الولايات المتحدة، بعدما كان ترامب قد فرض حظراً عليهم.

وبالرغم من هذه البداية الجيدة، تتباين الرؤى بشأن علاقة الديمقراطيين بالسودان، حيث يرى الباحث السياسي كمال سراج الدين إن وصول بايدن يدعم تطلعات السودانيين في إرساء نموذج الحكم المدني.

يقول سراج الدين لرصيف22 إن مسألة إزالة السودان من قوائم الإرهاب أمر محسوم، فالولايات المتحدة دولة مؤسسات، وبالتالي غض الطرف عن ساكن البيت الأبيض، فالسودان سيكون قريباً خارج القائمة السوداء، وذلك بعدما أعطى شواهد جيدة على اندماجه في الأسرة الدولية.

يعتقد عدد كبير من السودانيين أن ترامب مارس بحقهم سياسة ابتزازية، وذلك بتغريمهم مبالغ مالية طائلة كثمن لنيل بطاقة حريتهم من قيد العقوبات. في المقابل، ثمة من يتخوّف من وصول بايدن للرئاسة وتعطيله لقرارات ترامب بشأن إبعاد السودان من قائمة الإرهاب

يُضاف إلى ذلك أن واشنطن لا ترغب في فشل الحكومة الانتقالية في السودان، مخافة أن يؤدي ذلك إلى عودة الإسلاميين والتيارات المتطرفة أو أن تنزلق الأوضاع إلى حرب تلقي بظلالها على كامل الإقليم، حسب سراج الدين. 

ويرى الباحث السياسي أن وصول الديمقراطيين، بما عُرف عنهم من تأكيد علني على مبادئ الدفاع عن حقوق الإنسان ورفض الانتهاكات بما في ذلك الانقلابات العسكرية، يصب في صالح تقوية المكون المدني في الحكومة الانتقالية.

ويعتقد عدد كبير من السودانيين أن ترامب مارس بحقهم سياسة ابتزازية، وذلك بتغريمهم مبالغ مالية طائلة كثمن لنيل بطاقة حريتهم من قيد العقوبات، ويشيرون إلى ميوله للتعامل مع العسكر لسهولة عقد صفقات معهم من دون جدالات المدنيين بشأن المصلحة الوطنية والسيادة.

في المقابل، يرى أستاذ العلاقات الدولية حاتم وداعة الله أن وصول بايدن لسدة الحكم سيجلب معه مضار كبيرة على السودان، أولها إمكانية تعطيل تمرير قرارات ترامب بشأن إبعاد السودان من قائمة الإرهاب في أروقة الكونغرس.

ويقول وداعة الله لرصيف22 إن وصول بايدن يمهد إلى عودة "المرأة الحديدية" سوزان رايس، مضيفاً بأن مستشارة الأمن القومي الأمريكي في حقبة أوباما معروفة بدعمها لمناوئ الخرطوم سواء في الداخل كالحركة الشعبية التي أوصلت الجنوب للانفصال، أو في دول الجوار كدعم الرئيس الأوغندي يوري موسفيني.

يُنبّه وداعة الله إلى نقطة يعتبرها غاية في الأهمية وهي أن إدارة بايدن قد تثير الكثير من المشكلات بين شركاء الحكم في السودان، بالتدخل باسم حقوق الإنسان، فيما يتوقع التلويح بورقة مجزرة فض اعتصام القيادة العامة للضغط على المكون العسكري، ما قد يدفع الأخيرين إلى مغامرات غير محسوبة العواقب.

وقضى عشرات السودانيين، في 30 حزيران/ يونيو عام 2019، بعد فض اعتصامهم الذي أطاح بالبشير بالقوة المميتة في مقر قيادة الجيش الرئيسة في العاصمة الخرطوم.

"إدارة بايدن قد تثير الكثير من المشكلات بين شركاء الحكم في السودان، بالتدخل باسم حقوق الإنسان، فيما يتوقع التلويح بورقة مجزرة فض اعتصام القيادة العامة للضغط على المكون العسكري، ما قد يدفع الأخيرين إلى مغامرات غير محسوبة العواقب"

ولا تزال أصابع الاتهام تشير إلى قيادات المجلس العسكري الذي تحول قادته بعد شهرين من الواقعة إلى الشريك العسكري للقادة المدنيين في قوى التغيير في حكم السودان لفترة انتقالية.

ووفق الرأيين السابقين، يمكن القول إن السودانيين موزعون بين الخوف والأمل. الخوف من انتهاج بايدن لسياسة متشددة مع حكام الخرطوم تجعل من رفع العقوبات محض مرسوم كتابي، والأمل في أن تقود حقبته لمزيد من التعاون في علاقات الخرطوم مع واشنطن، خاصة في مجالات الاقتصاد بما ينعكس على الأحوال المعيشية المتردية.

وكان التضخم قد وصل في السودان لمستوى قياسي، وسجل 212% في ظل تراجع غير مسبوق للعملة المحلية، ومشكلات جمّة تجابه الحكومة لتوفير الغاز والوقود وطحين الخبز.

معضلة التطبيع مع إسرائيل

وقّع السودان على اتفاق سلام تاريخي مع إسرائيل في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ما يعني أن عاصمة اللاءات الثلاث "لا صلح- لا اعتراف – لا تفاوض بإسرائيل" تنصلت من تعهداتها في القمة العربية التي احتضنتها عام 1967، وتحولت إلى جناح الإمارات والبحرين وبقية الدول المُطبعة مع إسرائيل.

ينتظر السودان تشكيل المجلس التشريعي ليبت في مسألة المضي بالتطبيع مع إسرائيل من عدمه، وإن كانت الشواهد تشير إلى أن كتلة الموافقين أكبر من المعارضين.

وكان وزير الخارجية المكلف في السودان عمر قمر الدين قد كشف عن تعرض السودان لضغوط من إدارة ترامب للتوقيع مع إسرائيل، كشرط رئيس لشطبه من قائمة الإرهاب الأمريكية.

وينتظر السودان تشكيل المجلس التشريعي ليبت في مسألة المضي بالتطبيع مع إسرائيل من عدمه، وإن كانت الشواهد تشير إلى أن كتلة الموافقين أكبر من المعارضين.

ويضم الجناح غير الممانع للتطبيع المؤسسة العسكرية وبالطبع ممثليها في البرلمان المرتقب، وقوى رئيسة في "تحالف الحرية والتغيير" الحاكم، ومن ثم غالبية قادة الحركات المسلحة كـ"حركة تحرير السودان" جناح مني أركو مناوي، فيما تضم قائمة المعارضين "حزب الأمة القومي" الذي يتزعمه الإمام الصادق المهدي، وأحزاب عروبية كـ"البعث" و"الناصري" التي لا يزال قادتها ينشطون في الحكومة رغم معارضتهم للتطبيع، و"الحزب الشيوعي السوداني" الذي أعلن انسحابه من الائتلاف الحاكم أخيراً.

والمجلس التشريعي، بحسب ما نصّت الوثيقة الدستورية في آب/ أغسطس عام 2019، يتكون بنسبة 67% ممن تختارهم قوى إعلان "الحرية والتغيير"، ونسبة 33% للقوى الأخرى غير الموقعة على الإعلان والتي تتم تسميتها وتحديد نسب مشاركة كل منها بالتشاور بين قوى "الحرية والتغيير" والأعضاء العسكريين في مجلس السيادة.

وكان يُفترض أن يتشكل المجلس في مهلة أقصاها 90 يوماً بعد توقيع الوثيقة، لكن مرّ أكثر من عام دون نتيجة، وسط خلافات بين مجلس الوزراء وقوى "الحرية والتغيير"، لا سيما وأن مهام المجلس تتضمن مراقبة أداء الوزراء وسن القوانين والتشريعات.

يقول وداعة الله إن بايدن شأنه شأن سلفه ترامب سيمضي في مشروع صفقة القرن لإعادة رسم خارطة المنطقة، وسيدفع بالخرطوم إلى تسريع وتيرة التطبيع مع تل أبيب، لتحقيق مكاسب دبلوماسية سريعة، ولتجنب المواجهة مع اللوبي اليهودي المؤثر في الولايات المتحدة.

لكن القيادي الشبابي في التيار الإسلامي محمد إدريس يعتقد أن "اهتمام الديمقراطيين بجانب حقوق الإنسان قد لا يجعل من مسألة تطبيع السودان وإسرائيل أمراً ملحاً عندهم، لا سيما في ظل تنامي الانتهاكات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية ممثلة في التوسع الكبير في سياسة بناء المستوطنات".

ويعتبر إدريس، في حديثه لرصيف22، أن "رفض المجلس التشريعي لمسألة التطبيع سيُجنب السودان غضب الشارع المحلي، ويمنع القوى السياسية من التشظي والانقسام، ولن يؤثر بحال على عودة السودان للبيت الدولي الكبير، ويعطي إدارة بايدن فرصة حقيقية لتبيان دفاعها عن مسودة الحقوق". 

شركاء الانتقال في السودان ينظرون لمصالحهم فقط في علاقتهم بالولايات المتحدة. يظهر ذلك في حفاوتهم بجهود ترامب لمحوهم من قائمة الإرهاب، في غضون ترحيبهم الحار بفوز بايدن، ليكون فصل المقال في كيف سيتعاطى بايدن مع السودان، وليس العكس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard