حكومة الوحدة في ليبيا تواجه شبح الانهيار

الاثنين 11 أكتوبر 202104:11 م

بعد مرور نحو سبعة أشهر فقط على توليها السلطة في ليبيا، يبدو أن حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في طريقها إلى التصدّع، والعودة إلى مربع الصفر، بعدما هدد ممثلو إقليم برقة (المنطقة الشرقية)، بالانشقاق عنها، وشنّوا هجوماً نارياً غير مسبوق عليها، واتّهموها بالفشل في إدارة مقاليد الحكم.

وتواجه خريطة الطريق التي أقرّها المجتمع الدولي، لتسوية الأزمة الليبية، تحديات خطيرة تتصاعد مع الاقتراب من موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 24 كانون الأول/ ديسمبر المقبل.

تلويح بالانفصال

وتعبيراً عن انتهاء شهر العسل بين المنطقة الشرقية، وحكومة الدبيبة، عقد حسين القطراني نائب الدبيبة، اجتماعاً طارئاً في مدينة بنغازي في شرق البلاد، بحضور وزراء، ووكلاء وزراء، وعمداء بلديات إقليم برقة، صدر بعده بيان يمثل شهادة وفاة للحكومة، إدارياً وسياسياً.

ومن دون مواربة، اتّهم بيان تلاه القطراني، الدبيبة، بالوقوع في مسالك الإدارة الديكتاتورية الفردية، ما أدى إلى إضعاف العمل المؤسساتي، كما اتّهمه بالتعنّت في الاحتفاظ بمنصب وزير الدفاع، وعدم تسمية من يشغله.

وأضاف البيان أن الفشل في إدارة الاختلاف السياسي، وصل إلى حد قيام الدبيبة بإصدار قرارات باسم مجلس الوزراء، وبشكل فردي، لافتاً إلى صدور قرارات تتسم بالتعدي على اختصاص بعض الوزراء.

بعد مرور نحو سبعة أشهر فقط على توليها السلطة في ليبيا، يبدو أن حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في طريقها إلى التصدّع، والعودة إلى مربع الصفر

وفى قائمة الاتهامات الموجهة إلى الحكومة، وفقاً لبيان القطراني، أنها لم تلتزم بتحديد اختصاصات نواب رئيس الوزراء، كما نص الاتفاق السياسي، وبما يساهم في تعزيز فكرة المركزية الإدارية المقيتة.

وانتقد ما أسماه بالتصريحات الإعلامية غير المسؤولة للدبيبة، والتي لا تخدم المصلحة العليا للوطن، وعدّ أن ضمان حقوق الشعب بشكل عادل، واستمرار التوافق، واحترام المؤسسات، يستدعي من الدبيبة اتّخاذ الإجراءات كافة، لمعالجة هذه الأمور.

الانصياع للسفير الأمريكي

وفي لهجة تحذيرية مشوبة بالتهديد، أضاف: "وحتى لا تُتخذ أي إجراءات تصعيدية يتحمل رئيس الحكومة مسؤولية تبعاتها الخطيرة أمام الشعب الليبي، ووحدته، وأمام المجتمع الدولي".

لاحقاً، تحدث القطراني عن رفض ما وصفه بـ"حكومة العائلة"، مشيراً إلى ضرورة وجود مراقبين دوليين لأداء الحكومة الفاشلة، حسب تعبيره.

لكن القطراني مع ذلك، قال إنه تم رفض اقتراح بالانفصال عن الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة.

هذا الموقف المفاجئ من ممثلي المنطقة الشرقية في حكومة الوحدة، عززه اتّهام مسؤول التوجيه المعنوي في الجيش الوطني المتمركز في الشرق، اللواء خالد المحجوب، للدبيبة، بالانصياع لما وصفه بتعليمات السفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، ورئيس بعثة الأمم المتحدة يان كوبيتش، من أجل الإفراج عن مرتبات قوات الجيش لمدة ثلاثة أشهر.

وطبقاً لما أوضحه المحجوب لرصيف22، فإن الدبيبة ما كان ليقدم على هذه الخطوة، إلا بعد تدخل الجهات صاحبة الكلمة النافذة على الحكومة، والتي لها حق السمع والطاعة، حسب قوله.

الموقف المفاجئ من ممثلي المنطقة الشرقية في حكومة الوحدة، عززه اتّهام مسؤول التوجيه المعنوي في الجيش الوطني المتمركز في الشرق، اللواء خالد المحجوب، للدبيبة، بالانصياع لما وصفه بتعليمات السفير الأمريكي لدى ليبيا

لافتاً إلى أن كوبيتش، ونورلاند، أقنعا الدبيبة بالتجاوب مع مطالب الجيش، على الرغم من أنه تجاهل مخاطبات مجلس النواب كلها، ورسائل اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) التي تضم ممثلي طرفَي الصراع العسكري في البلاد.

أصل الخلاف

لكن النزاع بين الدبيبة وإقليم برقة، ليس وليد اللحظة. فالدبيبة، رجل الأعمال الذي ينتمي إلى مدينة مصراتة، المعروفة بتحالفها مع تركيا وجماعة الإخوان المسلمين، لم يزر من مدن المنطقة الشرقية سوى طبرق، حيث مقر مجلس النواب.

ولم يجتمع سوى مرتين مع رئيس المجلس عقيلة صالح، بينما ناصب القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، الذي تقاعد اختيارياً من منصبه استعداداً لخوض الانتخابات الرئاسية، العداء، ولم يجتمع معه ولو مرة واحدة.

وقال دبلوماسي عربي في طرابلس، لرصيف22: "سعت أطراف عدة للوساطة بين الرجلين، حفتر والدبيبة، لكن الأخير كان يرفض، ويتهم حفتر في المقابل بالاستعلاء.

ما كشفه الدبلوماسي الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أكده مسؤول مقرب من حفتر، لفت إلى أن عواصم إقليمية ودولية عدة سعت إلى التوفيق بين الرجلين، لكن الدبيبة كان دائماً يتهرب من لقاء حفتر.

وأضاف: "هذا ليس سراً، فالقاهرة حاولت الجمع بينهما، وأيضاً السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، بذل جهود وساطة في هذا الإطار، لكنها لم تُكلَّل بالنجاح".

واختار ملتقى الحوار السياسي الليبي، الدبيبة لرئاسة حكومة الوحدة المؤقتة، وكلّفها بتوحيد مؤسسات الدولة، والإشراف على إجراء انتخابات قبل نهاية العام الجاري، في إطار خطة سلام تدعمها الأمم المتحدة.

وباتت حكومة الوحدة فعلياً، هي الحكومة الوحيدة في البلاد، بعدما تسلمت السلطة من حكومة الوفاق السابقة برئاسة فائز السراج في الغرب، وحكومة عبد الله الثني الانتقالية في الشرق.

مع تصدّع الحكومة، وتحولها إلى حكومة آيلة إلى السقوط، فإن حدوث انهيارها قد يبدو حتمياً، لولا المسكّنات التي تقدّمها البعثة الأممية والسفارة الأمريكية، لمنع سقوط بات محتوماً، وفي أي لحظة

إخفاقات بالجملة

لكن مجلس النواب سحب الثقة من حكومة الدبيبة مؤخراً، بأغلبية 89 نائباً، وحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال، في ما وُصف بضربة كبيرة تهدد المساعي الرامية إلى حل الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد منذ سقوط نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي، وانهياره عام 2011.

ولا تتوقف أزمات حكومة الدبيبة عند هذا الحد، إذ تحاصر الشكوك العملية الانتخابية المقررة قبل نهاية العام الجاري، وسط تصاعد للخلافات بين مجلس النواب والدولة حول وضع قوانينها المنظمة.

لكن الحكومة التي كان يراد لها أن تكون أول حكومة موحدة في ليبيا، بعد مرور عشر سنوات على رحيل القذافي، أخفقت بالجملة في أن تكون حكومة للجميع، وتحولت مع مرور الوقت إلى حكومة محدودة الإمكانيات والقدرات.

يفتقر الدبيبة إلى أي خبرة سياسية حقيقية، ناهيك عن أن تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين دفعه إلى تبنّي مواقفها المناهضة للمؤسسة العسكرية، حتى بعد تقاعد حفتر المثير للجدل.

لم يفلح رئيس الوزراء الدبيبة، في كسب ولاء إقليم برقة الذي كان ممثلوه في مجلس النواب وراء خطوة سحب الثقة منه، ولم يتعلم من درسه الأول.

ومع تصدّع الحكومة، وتحولها إلى حكومة آيلة إلى السقوط، فإن حدوث انهيارها قد يبدو حتمياً، لولا المسكّنات التي تقدّمها البعثة الأممية والسفارة الأمريكية، لمنع سقوط بات محتوماً، وفي أي لحظة.

مربع الصفر، الذي يخشاه الجميع، مع ما يعنيه من مخاوف من اندلاع حرب جديدة، قد لا يكون وارداً، لكن المناكفات السياسية في بلد لم يعرف تجربة حقيقية للعمل السياسي، تهدد بتدمير أي إنجاز على الأرض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard